ومن هنا تبرز أهمية ترشيد الاستهلاك كوسيلة واعية لتحقيق التوازن بين الحاجات والموارد، وضبط الإنفاق، وتوجيه استخدام السلع والخدمات نحو المسار الصحيح الذي يحقق الكفاية دون إسراف أو تبذير. وفي هذا السياق، يتطلب الأمر فهماً دقيقاً لمفهوم ترشيد الاستهلاك، وأهدافه، وأهميته، ومجالاته المختلفة.
مفهوم ترشيد الاستهلاك
يُعرف ترشيد الاستهلاك بأنه: المعرفة المكتسبة من مصادر مختلفة بخصوص حصول كل فرد من المجتمع على احتياجاته المثلى من السلع والخدمات بدون زيادة أو نقصان، كلٌّ وفقاً لجنسه، وعمره، ونوع العمل الذي يؤديه، على أن يكون ذلك في حدود الموارد المتاحة (هويدا مصطفى، 2017، 266).
كما يُعرف أيضاً بأنه: الاستخدام الأمثل للسلع والخدمات المباحة، في حدود الإمكانات المالية للإنسان، وبما يتماشى مع ظروف المجتمع، فيحقق بذلك الإنسان المنفعة الحقيقية في الدنيا والآخرة (صونية عابد، 2024، ص 8).
أهداف ثقافة ترشيد الاستهلاك
يهدف ترشيد الاستهلاك إلى ما يلي:
- تبصير المستهلك بحقوقه وواجباته.
- تزويد المستهلك بالمعلومات الأساسية عن السلع المتوفرة في الأسواق.
- مساعدة الفرد على تحسين قدرته على تقييم وشراء واستخدام السلع والخدمات المتاحة مع إدارة أموره المادية على أساس سليم.
- مساعدة الفرد على فهم التكلفة الحقيقية للقرارات التي يتخذها بوصفه مستهلكاً، وأن يستخدم هذا المبدأ في تحليل مشاكله الحيوية.
- تكوين العادات والاتجاهات السليمة وبناء الوعي الاستهلاكي السليم الذي يُمكِّن الشخص من التصرف بحكمة في الموارد المتاحة له، ومن التكيف بسهولة في الظروف المختلفة والملابسات.
- تعويد الشخص على شراء السلع البديلة عن طيب خاطر دون أي شعور بالضيق، وعلى ألا يلجأ للحصول على سلعة ناقصة من تجار السوق السوداء حتى لا يُشجَّعوا على ممارسة هذا العمل.
- مساعدة الفرد على تحسين المهارات الضرورية لأداء دوره بوصفه مستهلكاً واعياً ويتضمن ذلك مهارات قراءة وتفسير وفهم التقارير، والمؤشرات، والإعلانات، والقوائم المالية التي تهمه بوصفه مستهلكاً (منظور أحمد الأزهري، 2002، ص 234).
أهمية ترشيد الاستهلاك
لم يعد الاستهلاك يمثل مشكلة فردية، وإنّما أصبح مشكلة اجتماعية؛ فلم يعد مجرد إشباع للحاجات الأساسية، بل هدفاً يُربط بأسلوب الحياة العصرية، وما تشمله من مؤثرات متعددة، بغض النظر عن الاحتياجات الفعلية، الأمر الذي أسهم في زيادة حدة الاستهلاك، وجعله يشكل عبئاً على اقتصاديات الأسرة والمجتمع على حد سواء، ومن ثم تظهر أهمية ترشيد الاستهلاك باعتباره ركيزة أساسية في التخفيف من حدة الضغوط الاقتصادية والمعيشية الراهنة (أيمن مصطفى الجمل، 2023، ص 669).
مجالات ترشيد الاستهلاك
تتعدد مجالات ترشيد الاستهلاك (مثل ترشيد استهلاك المياه، والكهرباء، والغذاء، والملابس، والورق)، ومن أبرزها ما يلي:
1. ترشيد استهلاك المياه
تتزايد أهمية الماء في الآونة الأخيرة بسبب زيادة الطلب العالمي، الأمر الذي أدى إلى حدوث صراعات إقليمية للحصول عليها؛ فكل دولة تريد تحقيق الأمن المائي لها.
ونظراً لأهمية المياه وثقلها الاقتصادي ومعناها السياسي؛ فهي تشكل تحدياً رئيساً في الوقت الحاضر، وقد أدى ذلك إلى التركيز على أهمية تقليل استهلاك المياه للاستفادة منها إلى أقصى حد ممكن باستخدام كميات أقل وبتكلفة أقل (Mohammad Damanhouri, 2012, P.1188).

يهدف ترشيد استهلاك المياه إلى ما يلي (United Nations, 2018, P.1):
- توفير مياه خدمات شرب نظيفة.
- كفاءة استخدام الموارد المائية في ظل الندرة.
- التعاون الدولي وبناء القدرات.
- المشاركة في إدارة المياه باستدامة.
- الإدارة المتكاملة للموارد المائية.
- مياه شرب آمنة وبأسعار معقولة بحلول عام 2030 م.
2. ترشيد استهلاك الكهرباء
تُشكل الكهرباء العنصر الأساسي وعصب الحياة في هذا العصر، ومع تزايد معدلات الاستهلاك وارتفاع التكاليف، ومع ما يصاحب هذا الاستهلاك من هدر ومصروفات باهظة تثقل كاهل الأفراد والمؤسسات والمصانع والمنشآت على حد سواء، فقد ظهرت الحاجة إلى ترشيد استهلاك الكهرباء في الدول المتقدمة ليصبح له مفهوماً خاصاً وبرامج عملية وأساليب حديثة تطورت كثيراً خلال العقود الأخيرة، وأثبتت فاعليتها وحققت فوائد عظيمة، مما أدى لنهضة هذه الدول وتقدمها (توانا فاضل صالح، ماريا حمد عزيز، 2014، 183).

3. ترشيد استهلاك الغذاء
يُعد ترشيد استهلاك الغذاء من المشكلات العالمية التي تواجه الدول، فإنّ ما يصل إلى 40% من إمداداتنا الغذائية تضيع كل عام، كميات هائلة من المواد الغذائية يتم التخلص منها يومياً من قبل المستهلكين والمطاعم ومحلات البقالة وكذلك في أجزاء أخرى من طعامنا المعقد النظام، ينتهي معظم هذا الطعام المهدر في مكبات النفايات؛ إذ يتم دفن أو حرق أكثر من 37 مليون طن من الطعام سنوياً.
ويُقال أنّ أمريكا تهدر ما يزيد على 400 رطل من الطعام للفرد سنوياً، وهذا يؤدي إلى خسائر اقتصادية للمستهلكين، والشركات، والبلديات، ويستنزف الموارد الطبيعية، ويُسهم في تغير المناخ، ويبدد الفرصة لإعادة توجيه الفوائض الغذائية لمعالجة انعدام الأمن الغذائي (Yerina Mugica, et al., 2019, P.9).
لترشيد استهلاك الغذاء فوائد عديدة منها (Commonwealth of Australia, 2017, P.7):
- زيادة الفرص الاقتصادية، بما في ذلك التوظيف، من خلال إنشاء وتطوير منتجات وخدمات جديدة وأسواق.
- خفض تكاليف الأعمال في مدخلات الموارد المحفوظة، وخفض رسوم إدارة النفايات والتخلص منها، وزيادة الأرباح من خلال المكاسب الناتجة عن زيادة الكفاءة.
- زيادة الأرباح عن طريق تحويل مزيدٍ من المكونات المحفوظة في منتج قابل للبيع.
- خفض التكاليف للأسر عن طريق خفض فواتير الغذاء.
- تقليل التأثيرات البيئية مثل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
- تحسين الأمن الغذائي من خلال إعادة التوزيع الفعالة لفائض الطعام.
4. ترشيد استهلاك الملابس
عيَّنت المؤسسات الحكومية والخاصة المختلفة قواعد اللباس التي يجب على المرء أن يتبعها كقواعد سلوك، وذلك للحفاظ على الشعور في بيئة العمل وإيجاد نوع من الألفة والمحبة بين الموظفين (Himadri Sahoo, 2018, P.4).
يهدف ترشيد الاستهلاك الملبسي إلى (Olga Gurava & Daria Morozova, 2018, PP.706-708):
- رفع قيمة الإنتاج المحلي والمنتجات.
- إطالة دورة حياة المواد.
- زيادة قيمة الملابس الخالدة.
- تقليل كمية النفايات.
- تقليل الأضرار التي تلحق بالبيئة.
- تثقيف الناس لممارسة الاستهلاك الصديق للبيئة.
- الاستخدام الاقتصادي والدقيق للموارد الطبيعية.
- إصلاح المنتج ومكوناته وإعادة تشكيله وإعادة استخدامه وإعادة تدويره من منظور اجتماعي اقتصادي.
- العمل على تحسين ظروف العاملين في مجال صناعة الملابس والأزياء.
- تشجيع أنماط الاستهلاك الأكثر استدامة.
5. ترشيد استهلاك الورق
يُعد الورق من أهم المواد الاستهلاكية والأكثر استخداماً مع قدرة لا نهائية على التحول، والمنتجات الورقية في المجتمع منتشرة في كل مكان والتي تستخدم في الصحف والمجلات والكتالوجات وأوراق المكتب والتعبئة ومنتجات المناديل. ومن هنا، تظهر فوائد ترشيد استهلاك الورق، التي تشمل ما يأتي (IRMA, 2020, P.1335):
- يُقلل من تلوث المياه والهواء.
- توفير المال.
- مساعدة الصناعة المحلية على النمو وإيجاد فرص عمل للأفراد.
- يُوفر ما يقرب من 4 براميل من النفط.
- يُوفر قُرابة 4200 كيلو وات من الطاقة الكهربائية.
- يُقلل من الانبعاث الحراري.
المصادر +
- Commonwealth of Australia, (2017), National Food Waste Strategy: Halving Australia's Food Waste by 2030, Australian Government,
- Himadri Sahoo, (2018), Concept of Clothes, International Journal of Legal development and Allied Issues, Vol.(4), No.(2).
- Information Resources Management Association, (2020), Waste Management: Concepts, Methodologies, Tools and Applications, IGI Glo
أضف تعليقاً