والإنسان مخلوق من مخلوقات الله المكرّمة بأعظم النِّعم، وأثمنها، وهو العقل والتفكُّر. فقد أوكل الله إليه أعظم مهمة كونية، وهي البناء والإعمار. ومن أجل ذلك أرسل الأنبياء والرسل بالشرائع التي تتناسب مع كل مرحلة من مراحل التطور الحضاري الإنساني، التي ختمها أخيراً برسالة الإسلام التي حمل أمانة تأديتها سيدنا رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام.
وقفة تأمل فكرية
لا شكّ في أنّ أعظم مخلوق خلقه الله تعالى هو الإنسان، وقد خصَّه سبحانه بشرائع ورسائل سماوية تنظم له حياته، وتضع له قواعد العيش في هذه الدنيا. وتلك الشرائع والرسائل، وبعلم الله المسبق، متوافقة مع التطور الحضاري الإنساني، فكل الرسائل والشرائع كانت مناسبة للمراحل الإنسانية عبر التاريخ، حتى ختمها برسالة الإسلام، التي كانت كاملة وشاملة لكل ما سبقها ومتممة لها، وتناسب التطور الإنساني حتى يأتي أمر الله.
وقد شملت رسالة الإسلام كل جوانب الحياة الإنسانية المادية منها والروحية، لتتمكن البشرية من الاستمرار في التقدم والتطور، حيث إنّ كل فريضة من فرائض الإسلام لها بُعد مادي، وآخر نفسي ينعكس على الصحة النفسية للفرد.
دعائم الصحة النفسية في الإسلام
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
[وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ] صدق الله العظيم.
لو تأمّلنا قول الله تعالى لوجدناه يعلم أنّ هذا الكائن دائماً ما تكون لديه أحاديثه الداخلية لا يمكن لأي مخلوق سواه أن يطلع عليها، سواء كانت تلك الأحاديث إيجابية أم سلبية.
وبنظرةٍ تأمّليةٍ عميقة، نجد أنّ أقرب شيء إلى الإنسان هو الله عز وجل، وبناء عليه نستنتج أنّ أولى دعائم الصحة النفسية في الإسلام وأول مقوماتها تكمن في الإيمان بالله عز وجل. فلا تتحقق السعادة الحقيقية، والراحة النفسية، والرضا من دون إيمان الفرد بخالقه العظيم، ويجب أن يتجلى هذا الإيمان بالأفعال، وليس بمجرد الكلام.
يتحول الإيمان من منهج نظري قلبي وروحي إلى أفعال مادية تعكس ذلك المنهج على أرض الواقع، وتحقق السكينة والطمأنينة للإنسان، ولا يتم ذلك ما لم يلتزم بتعاليم الله التزاماً فعلياً.
ما هي الصحة النفسية وفق شريعة الإسلام؟
لقد جاء الإسلام كرسالة خاتمة لجميع البشر، وقد أرسلها الله كاملة من دون نقص أو إغفال لأي جانب من جوانب الحياة الدنيا. وقد كان الهدف الأساسي لها إخراج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور العلم، لذا حرصت الشريعة الإسلامية بما فيها من قرآن أوحاه الله تعالى إلى نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، وأحاديثه الشريفة إلى تحقيق التوازن النفسي للإنسان المؤمن بهذه الرسالة، وذلك لينشأ نشأةً متوازنة إيجابية.
وتكمن أولى دعائم التوازن النفسي في محافظة المرء على العلاقة بربه والاستمرار بهذه العلاقة، حتى وإن حاد عن جادة الصواب. كما حرصت رسالة الإسلام على بث روح التفاؤل في الإنسان وحثه على الانخراط في الحياة مع الآخرين من دون تعقيدات ومهما كان انتماء الآخرين، بما يحقق له حالة من التوازن النفسي.
كما يؤكد الإسلام بما فيه من تعليمات على ضرورة امتلاك المسلم لمنهج المرونة الفكرية التي تساعده على مواجهة التغييرات وضغوط الحياة ومشكلاتها، وكثيرة هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على الصبر، وتحث على اليقين بأنّ بعد العسر لا بد أن يكون هناك يسر وفرج كبير. ولا داعي للبحث المضني عن الآيات والأحاديث التي تذكر بضرورة الصبر، وضبط ردود الأفعال، وتجنُّب الغضب، وعدم الانسياق وراء استفزازات الآخرين.
وعليه، نجد أنّ رسالة الإسلام قبل 1400 عام تحدثت عن أركان الصحة النفسية المتعارف عليها الآن في عالمنا المعاصر، والتي يصدح بها المفكرون والباحثون على كل منبر وفي كل المؤتمرات التي تُعقد حول العالم.
شاهد بالفيديو: فضل قراءة القرآن الكريم
علاقة أداء فرائض الإسلام والصحة النفسية عند الفرد
لقد جاءت رسالة الإسلام حاملة للبشرية جمعاء مجموعة من الفرائض والواجبات، وألزمت كل شخص أن يؤديها، بل وحذرت وتوعدت بعذاب شديد لكل من يخالف تلك الفرائض أو لا يلتزم بها. وليس من باب المصادفة أبداً أن يكون لأداء تلك الفرائض والواجبات انعكاس كبير على الصحة النفسية للإنسان. سنستعرض معاً، عزيزي القارئ، مدى ترابط أداء تلك الفرائض مع الصحة النفسية وأثرها على الإنسان من خلال الآتي:
1. علاقة الصلاة بالصحة النفسية
ليس مطلوباً منك أن تكون ضليعاً في اللغة العربية لتعرف معنى كلمة الصلاة، فبمجرد أن تقرأها تعرف معناها الذي يقوم على الاتصال مع الآخرين، فكيف إذا كان هذا الاتصال مع من يملك كل الحلول لمشكلاتك؟ وكيف إذا كان هذا الاتصال مع من يملك مفاتيح كل شيء في حياة الإنسان؟ وعليه، فإنّ التزام الصلاة والصلة مع الله عز وجل هو بمنزلة مفتاح من مفاتيح الطمأنينة النفسية والرضا الذي ينعكس إيجاباً على سلوك الإنسان.
هذا ليس محضَ كلام، بل حقيقة ذكرها الله في كتابه العزيز بقوله عز وجل:
[قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ].
نستنتج من هذه الآية أنّ فلاح الإنسان المؤمن مقرون بصدقه مع ذاته أولاً، ومع الآخرين تالياً.
2. علاقة الزكاة والصحة النفسية
على الرغم من أنّ الطابع الأساسي الذي نعرفه عن الزكاة بأنه نظام تكافل اجتماعي، واقتصادي، إلا أنّه لا يمكننا إغفال الأثر النفسي لها؛ فهي تطهّر النفس من الشّح، والبخل، وتزكّي فيها الإيثار والإحساس بالآخرين، وكذلك فإنّ أداء الزكاة تقي الإنسان من الإصابة بداء الأنانية، وحب التملك، وتزيل الأحقاد والضغائن التي يمكن أن تنشأ بين الطبقات الاجتماعية نتيجة تشارك الطبقة الميسورة أموالها مع من هم أقل منهم مالاً.
3. علاقة الصيام بالصحة النفسية
يُعدّ الصيام واحداً من أهم الفرائض التي تعالج الإنسان على الصعيد النفسي والروحي، فهو وسيلة من وسائل تطهير النفس وتأديبها. ينطوي أداء هذه الفرائض على فوائد عديدة على الصعيد النفسي، فيتعلم المرء تحمُّل المسؤولية عندما يمسك عن الطعام والشراب بملء إرادته الحرة، ويدرّب نفسه على التحكم بشهواته الغريزية من احتياجات المأكل والمشرب وباقي الممارسات الأخرى. كما أنّ للصيام دور كبير في رفع مستوى المناعة عند الإنسان، والذي ينعكس على الصحة النفسية. كيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف "صوموا تصحّوا".
كيفية تحقيق التوازن النفسي بالعودة للمنهج الإسلامي
يجب أن يتحقق التوازن النفسي من خلال خطوات يسير عليها الإنسان، لينعكس هذا التوازن أفعالاً واقعية تضمن له النجاح في الحياة. وهذه الخطوات هي:
1. العلاقة مع الله
بناء إنسان متوازن من الناحية النفسية يؤَسَّس على قواعد معيّنة، إذ إنّ اللبنة الأولى لهذه القواعد هي الصلة مع الله عز وجل والإيمان الكامل بقدرته على أنه الفاعل والمؤثر الحقيقي في حياة الإنسان. وقد تجلّى هذا الأمر بصورة واضحة وجليّة في الحديث الشريف: "يا غُلامُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احفَظِ اللَّهَ يَحفَظكَ. احفَظِ اللَّهَ تَجِدهُ تُجاهَكَ. إذَا سَألتَ فاسألِ اللَّهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ. وَاعلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت على أن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ، لَم يَنفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجتَمَعُوا على أن يَضُرُوكَ بِشَيءٍ، لَم يَضُرُوكَ إِلا بِشَيء قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيكَ. رُفِعَتِ الأقلامُ وَجَفَّتِ الصٌّحُفُ". رواه الترمذي.
وقال: "احفَظِ اللَّهَ تَجدهُ أمامَكَ، تَعَرَّف إلى اللّه في الرَّخاءِ يَعرِفكَ في الشِّدَّةِ، وَاعلَم أنَّ ما أخطأكَ لَم يَكُن لِيُصِيبَكَ، وَمَا أصَابَكَ لَم يَكُن لِيُخطِئَكَ وَاعلَم أنَّ النَّصرَ مَعَ الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَربِ، وأنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً".
2. توازن العواطف والانفعالات
يزرع صدق الإيمان بالله عز وجل في النفس الطمأنينة واليقين، ويحمي المرء من الوقوع في القلق والتوتر، والاضطراب؛ بل ويزيد النفس ثباتاً عند حدوث الأزمات والمشكلات. وقد وردت في القرآن الكريم العديد من الآيات في هذا السياق، ونذكر منها:
"يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدٌّنيَا وَفِي الآخِرَة".
"فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوفٌ عَلَيهِم وَلاَ هُم يَحزَنُونَ".
"هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ لِيَزدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِم".صدق الله العظيم.
ولو تأمّلنا آيات الله السابقة، لوجدنا أنّ الشرط الأساسي للثبات والسكينة، والتحرر من الخوف والحزن يكمن في الإيمان بالله عز وجل إيماناً يقينياً وقطعياً لا ينتابه أيُّ ريب.
3. المرونة
نواجه في حياتنا الكثير من المشكلات، ونتعرض لكثير من المتغيرات والضغوط، وأغلبنا دائماً ما يذكر قول الله تعالى: "وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَّكُم وَعَسَى أَن تُحِبٌّوا شَيئًا وَهُوَ شَرُّ لَّكُم وَاللّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لاَ تَعلَمُونَ".
السؤال الأهم: هل نعي تماماً تلك الآية؟ وهل نمتثل لها؟ إنّ جوهر هذه الآية العظيمة يدعو إلى امتلاك المرونة الفكرية الإيمانية، التي تجنب الإنسان القلق والتوتر الناتج من تقلبات الحياة وتغير ظروفها اليومية.
4. التفاؤل وتجنب اليأس
إنّ واحدة من أهم نتائج الإيمان بالله تعالى تحلّي المؤمن بالتفاؤل، وابتعاده عن اليأس، إذ كيف لشخص يؤمن بالله أن يكون متشائماً يائساً من حياته، وهو يقرأ قول الله تعالى: "وَلاَ تَيأَسُوا مِن رَّوحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيأَسُ مِن رَّوحِ اللّهِ إِلاَّ القَومُ الكَافِرُون".
وكيف لمؤمن بالله أن ييأس وهو يعلم يقيناً أنّ الله يسمعه ويراه ويرعاه في كل خطوة من خطوات حياته؟ ألم يقل الله تعالى في كتابه العزيز: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَليَستَجِيبُوا لِي وَليُؤمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ"؟
أليست تلك الآيات هي أعلى درجات التوازن النفسي التي يمكن أن يحققها المرء فيما لو التزم كلام الله؟
5. التعاطف مع الآخرين
إنّ كنت مؤمناً فعلاً، يجب أن تعلم أنّ حياتك قائمة بالأساس على التعاون مع الآخرين، والتسامح معهم على اختلافهم سواء بمعتقداتهم أو مناطقهم أو قومياتهم. كيف لا وقد قال الله تعالى:
"وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
وهذا التعاون ما هو إلا صورة من صور التعاطف والتسامح والتكافل مع الآخرين، الذي يحقق التوازن النفسي والاطمئنان والرضا عما يقوم به المرء من أفعال.
في الختام
لقد خلق الله الإنسان ضعيفاً، ومهما بلغت قوته ومهما تعاظمت موارده فلن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولاً، ولن يكون سوى ذلك المخلوق الذي تشبعه لقيمات، وترويه كأس ماء.
انطلاقاً من الضعف الذي وُجد الإنسان عليه، بدأ الاتجاه نحو القوة والسيطرة. فاكتشف الإنسان الأول النار، وعرف الزراعة و استوطن القرى والمدن، إلا أنّه لم يستطع الوصول إلى الطمأنينة النفسية؛ فقلق صغير أو مشكلة صغيرة يمكن أن تحوّل حياته إلى جحيم بكل ما تعنيه هذه الكلمة. فبدأ البحث عن تلك القوة الخارقة التي يمكن اللجوء إليها. وهذا ما بدا واضحاً في حادثة سيدنا إبراهيم عليه السلام والتي جاءت في القرآن الكريم بقول الله تعالى:
[فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِين(76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين(77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ(78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(80)] صدق الله العظيم.
وأخيراً استطاع الإنسان الاهتداء إلى تلك القوة الخارقة المسيطرة والإيمان بها لتقود حياته والتي تجلت في قدرة وقوة الله عز وجل.
أضف تعليقاً