الإدمان على الهواتف الذكية:
على الرَّغم من أنَّ الأجهزة الذكية واللوحية والحواسيب أدوات هامة لتعزيز الإنتاجية، إلَّا أنَّ الاستخدام الجائر لها يؤثر في العمل والدراسة والعلاقات؛ لذا عليك إعادة النظر في طريقة استخدامك للتكنولوجيا حين تلاحظ أنَّ الوقت الذي تقضيه في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أو ممارسة الألعاب أطول من الوقت الذي تقضيه في التواصل مع الناس، أو حينما تعجز عن منع نفسك عن تفقُّد الرسائل النصية أو رسائل البريد الإلكتروني أو التطبيقات رغم عواقبها الوخيمة على حياتك.
يسبِّب الإدمان على الهواتف الذكية مجموعة من مشكلات التحكُّم في رغباتنا ومنها:
1. العلاقات الافتراضية:
قد يبلغ الإدمان على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة حداً يصبح فيه الأصدقاء الافتراضيون أهمَّ من العلاقات الواقعية، فكم من زوجين يجلسان معاً في الغرفة برأسين محنيَين يتفاعل كلٌّ مع هاتفه الذكي!
صحيحٌ أنَّ الإنترنت مكان مناسب للتعرُّف إلى أشخاص جدد أو التواصل مع الأصدقاء القدامى أو حتى بدء علاقات جديدة، إلَّا أنَّ العلاقات من خلال الإنترنت ليست بديلاً عن التفاعلات في الحياة الواقعية.
إنَّ السبب الذي يجذب الناس لتكوين صداقات في المساحات الرقمية هو أنَّها لا تخضع للمتطلبات أو الضغوطات التي تخضع لها العلاقات الواقعية، ولكنَّ الاستخدام القهري لتطبيقات الدردشة يجعل الناس يميلون نحو العلاقات العابرة بدلاً من تطوير علاقات طويلة الأمد.
2. الإغراق المعلوماتي:
تؤدي كثرة تصفُّح الإنترنت أو مشاهدة مقاطع الفيديو أو ممارسة الألعاب أو التحقق من صفحة آخر الأخبار، إلى انخفاض الإنتاجية في العمل أو الدراسة والانعزال لساعات طويلة، كما يؤدِّي الاستخدام الجائر للإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية إلى إهمال جوانب أخرى من الحياة، مثل العلاقات الواقعية وحتى الهوايات والنشاطات الاجتماعية.
3. النشاطات الإدمانية من خلال الإنترنت:
تؤدي النشاطات الإدمانية التي تُمارَس من خلال الإنترنت، مثل ممارسة الألعاب أو المقامرة أو تداول الأسهم أو التسوق من خلال الإنترنت، إلى مشكلات مالية ومهنية، وعلى الرغم من أنَّ الإدمان على المقامرة هو مشكلة موثَّقة، إلَّا أنَّ توفر المقامرة خلال الإنترنت يجعل ممارستها أكثر سهولة، ويسبِّب الإدمان على تداول الأسهم أو التسوق خلال الإنترنت أضراراً مالية واجتماعية أيضاً، وتدفع الناس إلى شراء أشياء لا يحتاجون إليها، أو لا يستطيعون دفع ثمنها.
أسباب الإدمان على الهواتف الذكية والإنترنت وتأثيراته:
قد تحدث مشكلات التحكم في الرغبات عند استخدام جهاز كمبيوتر محمول أو كمبيوتر مكتبي لتصفح الإنترنت، ولكنَّ حجم الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية سهَّل إمكانية حملها إلى كل مكان وإشباع الرغبات المُلحَّة في أي وقت، ويؤدِّي الإدمان على الهواتف الذكية إلى إطلاق مادة الدوبامين (Dopamine) في الدماغ وتغيير المزاج، قد يعتاد الجسم على تأثيرات هذا الإدمان بسرعة، وهذا يتطلَّب زيادة استخدام الأجهزة الذكية للحصول على الشعور ذاته من المتعة.
قد يرجع سبب الإفراط في استخدام الهواتف الذكية أحياناً إلى أعراض مشكلات أخرى، مثل التوتر أو القلق أو الاكتئاب أو الشعور بالوحدة، ولكن يؤدي هذا الاستخدام القهري إلى تفاقم هذه المشكلات أيضاً.
فإذا كنت تستخدم الأجهزة الذكية لتخفيف مشاعر القلق أو الوحدة أو الإحراج في المواقف الاجتماعية، فسيؤدي ذلك إلى عزل نفسك عن الأشخاص من حولك، ويمنعك التحديق المستمر في هاتفك من التفاعل مع الناس وجهاً لوجه والذي يساعد على التواصل بصورة هادفة مع الآخرين وتخفيف القلق وتحسين الحالة المزاجية، وبعبارة أخرى يؤدي استخدام الأجهزة الذكية لتخفيف القلق إلى نتائج مناقضة.
التأثيرات السلبية للإدمان على الأجهزة الذكية أو الإنترنت في الحياة هي:
1. زيادة الشعور بالوحدة والاكتئاب:
قد تعتقد أنَّ الإبحار في دهاليز الشبكة العنكبوتية يخلِّصك من مشاعر مثل الوحدة والاكتئاب والملل مؤقتاً، إلَّا أنَّه قد يزيد هذه المشاعر سوءاً، إذ كشفت دراسة أُجريت عام 2014 عن وجود علاقة بين الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والاكتئاب والقلق، فيقارن المستخدمون ولا سيَّما المراهقين أنفسهم مع أقرانهم على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة سلبية، وهذا يؤدي إلى تفاقم مشاعر الوحدة والاكتئاب.
2. زيادة القلق:
كشف أحد الباحثين عن أنَّ مجرد وجود الهاتف في مكان العمل يزيد قلق الناس ويضعف أداءهم في مهام معيَّنة، إذ كلَّما استخدم الشخص هاتفه أكثر، ازداد القلق الذي ينتابه.
شاهد بالفديو: 8 طرق للتخلص من إدمان الهاتف الذكي
3. زيادة التوتر:
غالباً ما يؤدي العمل باستخدام الهاتف الذكي إلى تلاشي الخطوط الفاصلة بين العمل والحياة الشخصية، فتشعر أنَّك مضطر للحضور دوماً، ولا تستطيع الابتعاد عن جو العمل، وتزيد هذه الحاجة للتحقُّق من رسائل البريد الإلكتروني والرد عليها من مستويات التوتر واحتمال الإصابة بالاحتراق الوظيفي.
4. تفاقم اضطرابات نقص الانتباه:
يسبِّب وصول الرسائل والمعلومات باستمرار إلى الهاتف الذكي الارتباك، ويصعب تركيز الانتباه على شيء لأكثر من بضع دقائق دون الشعور بالحاجة إلى الانتقال إلى أمر آخر.
5. تقليل القدرة على التركيز والتفكير العميق والإبداعي:
تؤدِّي التنبيهات المستمرة الصادرة عن الأجهزة الذكية إلى التشتيت عن إنجاز المهام الهامة، والبطء في العمل، ومقاطعة اللحظات الهادئة الهامة للتفكير الإبداعي وحل المشكلات، إذ لا نجد فرصة للاستغراق في التفكير بسبب الاتصال الدائم بالإنترنت.
6. الإخلال بأنماط النوم:
يؤدِّي الإفراط في استخدام الهواتف الذكية إلى الإخلال بأنماط النوم، وهذا يؤثر تأثيراً خطيراً في الصحة النفسية مثل: التأثير في الذاكرة والقدرة على التفكير بوضوح وتقليل المهارات المعرفية ومهارات التعلم.
7. تشجيع التركيز على الذات:
وجدت دراسة بريطانية أنَّ الأشخاص الذين يقضون كثيراً من الوقت في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يُظهرون سمات سلبية مثل النرجسية، إذ يؤدي التقاط كثير من الصور الشخصية (selfie) ونشر جميع أفكارك أو تفاصيل عن حياتك إلى تركيز غير محمود على الذات، ويبعدك عن العلاقات الواقعية، ويصعِّب عليك التعامل مع التوتر.
علامات وأعراض الإدمان على الهواتف الذكية:
لا يوجد مقدار محدَّد من الوقت الذي تقضيه على الهاتف، أو عدد المرات التي تتحقَّق فيها من التحديثات، أو عدد الرسائل التي ترسلها أو تستقبلها، يشير إلى وجود مشكلة إدمانية أو الإفراط في استخدام الإنترنت؛ بل يصبح الأمر مشكلة حينما يأخذ كثيراً من وقتك، ويجعلك تهمل علاقاتك الشخصية أو عملك أو دراستك أو هواياتك أو أمور أخرى هامة في حياتك.
إذا كنت تتجاهل أصدقاءك في لقاءاتكم وتتصفَّح مواقع التواصل الاجتماعي بدلاً من التحدُّث معهم، أو تتحقَّق من هاتفك باستمرار في القيادة أو المحاضرات، فقد آن الأوان لإعادة تقييم استخدامك للأجهزة الذكية، وتحقيق توازن صحي في حياتك.

تشمل العلامات التي تنذر بالإفراط في استخدام الأجهزة الذكية أو الإنترنت ما يأتي:
1. صعوبة في إكمال مهام العمل أو المنزل:
قد تهمل الاهتمام بالمنزل وتنظيفه بسبب انشغالك بالدردشة أو إرسال الرسائل النصية أو ممارسة الألعاب من خلال الإنترنت، أو ربَّما تعمل لوقت متأخر، لأنَّك لا تستطيع إتمام عملك في الوقت المحدد.
2. الانعزال عن العائلة والأصدقاء:
قد تواجه صعوبات في حياتك الاجتماعية بسبب الوقت الطويل الذي تقضيه في استخدام هاتفك أو أي جهاز آخر، فربَّما تحضر اجتماعاً أو تجلس مع الأصدقاء، دون أن تفهم ما يتحدثون عنه لأنَّك منشغل بهاتفك، أو يعرب أصدقاؤك وعائلتك عن قلقهم بشأن كثرة الوقت الذي تقضيه في استخدام هاتفك، أو تشعر أنَّ لا أحداً يفهمك في حياتك "الواقعية" كما يفهمك أصدقاؤك خلال الإنترنت.
3. إخفاء استخدامك للأجهزة الذكية:
ربَّما تنزوي إلى مكان هادئ لاستخدام هاتفك، أو تخفي استخدامك له ولا تخبر مديرك وعائلتك بمقدار الوقت الذي تقضيه على الإنترنت، أو تغضب وتنزعج إذا قاطعك أحدهم وأنت تتصفح الإنترنت.
4. الخوف من فوات الشيء:
ربَّما تعتقد أنَّك ستفوت عليك أخباراً أو معلومات هامة إذا لم تتحقَّق من هاتفك باستمرار، أو تتصفَّح منصات التواصل الاجتماعي بصورة قهرية، لأنَّك تخشى أن يقضي الآخرون وقتاً ممتعاً أو يعيشوا حياة أكثر إثارة من حياتك، أو تستيقظ ليلاً للتحقُّق من هاتفك.
5. الشعور بالخوف أو القلق أو الذعر:
ذلك عند ترك الهاتف الذكي في المنزل أو نفاد الشحن أو تعطُّل نظام التشغيل، أو ربَّما تشعر أنَّ الهاتف يصدِر تنبيهات، ولكنَّك لا تجد أية رسائل أو إشعارات جديدة حينما تتحقَّق منه.
أعراض الانسحاب من الإدمان على الهواتف الذكية:
من العلامات الشائعة التي تشير إلى الإدمان على استخدام الأجهزة الذكية أو الإنترنت هي الشعور بأعراض الانسحاب حينما تحاول تقليل استخدام هاتفك الذكي، والتي قد تشمل:
- الضجر.
- الغضب أو التهيج.
- صعوبة في التركيز.
- مشكلات في النوم.
- الرغبة في استخدام هاتفك الذكي أو أي جهاز آخر.
في الختام:
لقد تحدَّثنا في الجزء الأول من مقالنا هذا عن مشكلات التحكُّم في الرغبات الناتجة عن الإدمان على الأجهزة الذكية والإنترنت، وأسباب هذا الإدمان وتأثيراته وأعراضه، وسنتحدَّث في الجزء الثاني والأخير منه عن نصائح للمساعدة على التعامل مع الإدمان على الهواتف والإنترنت، وخطوات لتغيير طريقة استخدام الأجهزة الذكية، وعلاج هذا الإدمان، وكيفية مساعدة الأطفال والمراهقين المصابين به.
أضف تعليقاً