سواءً نتيجة الأعباء المالية وعدم قدرة الإنسان على تحقيق إشباع لحاجاته الأساسية، أم نتيجة الظروف السكنية أو المهنية السيئة، أم نتيجة الأزمات العاطفية وعدم الاستقرار على الصعيد الشخصي، أم غيرها من الظروف التي تجعل الإنسان كتلة من الهموم والسلبية، فتمنعه عن النوم المنتظم أو تناول الطعام أو ممارسة النشاطات التي كانت تسعده بالأمس.
نحتاج جميعاً إلى بعض الوقت يومياً لنهرب إلى عوالم أخرى، ونشتِّت أذهاننا عن المشكلات والهموم لنستمد جرعة من الطاقة ونعود لممارسة النشاطات اليومية وإنجاز الأعمال، ولا يوجد أفضل من القراءة لتعزيز صحتنا العقلية والتخلص من المشاعر السلبية المدمِّرة للصحة النفسية، فالقراءة على الرغم من أنَّها عمل بسيط بالنسبة إلى الأعمال اليومية التي نقوم بها، إلَّا أنَّها علاج للاضطرابات العقلية وتغيرات المزاج، ولتتعرف مفصلاً إلى دور القراءة في ذلك، تابِعْ قراءة المقال.
تأثير وفوائد القراءة اليومية في الصحة العقلية
تؤدي ممارسة نشاط القراءة يومياً دوراً هاماً في تحسين صحتنا العقلية من خلال الفوائد الآتية:
1. تعزيز القدرة على التعلم
تساعد القراءة المستمرة على تعليم الإنسان مهارات جديدة، كما تزيد من قدرته على التعلُّم، وهذا يحسِّن الأداء الأكاديمي والعمل لديه.
2. تعزيز الإبداع
إن استمررت بالقراءة، ستلاحظ زيادة في قدرتك على التفكير الإبداعي؛ لأنَّ خيال الإنسان يصبح أوسع ويمكنه التفكير بعمق أكثر، فالقراءة تفتح بصيرة الإنسان ليرى تفاصيل لم يكن منتبهاً لها سابقاً، فيفكِّر خارج الصندوق ويعمل على حلِّ المشكلات بطرائق مبتكرة، ويمكن أن يكسر العادات البالية والنمطية ليخرج إلى واقع أفضل.
3. تعزيز مهارات التواصل الفعال
لا تعتقد أنَّ الالتزام بالقراءة يومياً سيجعلك تميل للعزلة وتتجنَّب الخروج مع الأصدقاء، فبخلاف ذلك تماماً ستصبح إنساناً اجتماعياً أكثر؛ لأنَّ القراءة تزيد من قدرة الإنسان على التواصل الفعَّال، فلا تجد الصعوبة في التحدث للآخرين وتوضح أفكارك ووجهات نظرك ومشاعرك أيضاً، وهذا ما يجعلك مرتاحاً عندما تحضر في اجتماعات عملية أو عائلية، أو في أي مكان يتطلب منك تواصلاً مع الناس.
4. تعزيز التفكير النقدي
عندما تقرأ كتباً متنوِّعة وتبحر في خيالك، ستجد نفسك أكثر قدرة على التحليل والتفكير بمنطق، وتبتعد عن القشور والأمور السطحية وترى خلفيات القصص بعيداً عن نطاقك الخاص ورغباتك وأمنياتك، وهذا يجعل العقل أكثر انفتاحاً على تفسيرات جديدة ومنطقية للواقع الحالي، وذلك التفكير النقدي يجعل منك إنساناً أكثر عقلانية ووعياً.
5. تعزيز صحة الذاكرة
الإنسان القارئ يمتلك ذاكرة أفضل من غيره؛ لأنَّ القراءة تحفِّز الذاكرة فتزداد القدرة على تذكُّر الأشياء والأحداث، ومن ثم الحصول على فوائد كثيرة من العلم.
6. تحسين التركيز
العصر الحالي عصر ممتلئ بالمشتِّتات التي تلهينا عن الدراسة أو العمل أو غير ذلك، فتزداد مشكلاتنا نتيجة قلة الانتباه والتركيز، ولكن في حال التزمت بالقراءة يومياً، ستلاحظ أنَّك أكثر قدرة على الانتباه والتركيز، وأكثر نجاحاً في إنجاز الأعمال أو النشاطات المتنوِّعة، وهذا يضمن لك الاستمرارية في مختلف الأعمال.
7. تعزيز الثقة بالنفس
تساعد القراءة الإنسان على اكتشاف نقاط القوة التي يمتلكها والنواحي الإيجابية في شخصيته، وتدلُّه إلى نقاط الضعف وكيفية تحويلها لنقاط قوة وكيفية الاستفادة من مختلف الظروف، ليرى دائماً النصف الممتلئ من الكأس، ويستغل تلك الميِّزات في حياته ليحقِّق نجاحاً يتمناه معظم مَن حوله، وكل ذلك يجعله إنساناً واثقاً بنفسه وبقدراته وبأحلامه أيضاً.
8. معالجة الاكتئاب
تدرس كثير من الدراسات والإحصاءات علاقة القراءة بمعالجة أعراض الاكتئاب، ووصل بعضها إلى أنَّ تأثير قراءة الكتاب لا يتوقف بمجرد الانتهاء من القراءة؛ لأنَّ القراءة تساعد على التخفيف من أعراض الاكتئاب والحزن بعد عدة شهور من الانتهاء، وربَّما يستمر تأثير الكتاب لعدة سنوات قادمة؛ لأنَّها تجعل الحياة في نظر الإنسان أفضل وتستحق أن يعيشها.
كذلك وضَّحت الدراسات أنَّ تأثير القراءة المشتركة كبير في تخفيف أعراض الاكتئاب بالنسبة إلى المرضى ممَّن تعرَّضوا لعمليات جراحية سيِّئة وأصابهم الحزن والتوتر، أو بالنسبة إلى مرضى الخرف كونها تحسِّن الإدراك لديهم، وقد أُجريت دراسة عام 2015 عن ذلك أثبتت أنَّ 28% ممَّن لا يقرؤون، هم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والشعور بالوحدة والحزن.
9. نوع من ممارسة اليقظة
يُعتمَد على اليقظة في المجال الطبي وبشكل خاص لدى المصابين بالاضطرابات العقلية والنفسية؛ لأنَّ اليقظة تعني تخلِّي الإنسان عن مخاوفه أو شعوره بالندم نتيجة حدث سابق في الماضي أو حدث قد يتعرَّض له مستقبلاً نتيجة ماضٍ معيَّن، ليعيش الإنسان فقط في العالم الحالي ويبتعد عن التخيُّلات والاحتمالات.
عادة تُمارَس اليقظة من خلال التأمل أو اليوغا، ولكنَّ القراءة أثبتت دورها الكبير في توفير نوع من اليقظة الذهنية بسهولة للقارئ؛ لأنَّه ينغمس في عالم جديد يتعلم منه مهارات جديدة، وتُثير اهتمامه الأفكار المختلفة، ويشعر بالمتعة اللامحدودة، فيكون تركيزه فقط على وضعه الحالي، فيحارب أفكاره القَلِقة ومخاوفه.
10. الحصول على نوم منتظم
النوم المتقطِّع والقلق أو الكسل والرغبة بالنوم لساعات طويلة هي من علامات الاضطرابات العقلية، ولتحصل على نوم مريح ومنتظم، يمكن أن تبدأ بالقراءة وتجعلها روتيناً يومياً، وخاصة قبل النوم لكونها تساعد على الارتخاء وتقلِّل الإجهاد وتشتيت الذهن عن الهموم والمشكلات، فتشعر بنوع من الراحة يدفعك للنوم العميق ولعدد ساعات كافٍ أيضاً.
11. زيادة ذكاء الأطفال
إن أردت لابنك مستقبلاً زاهراً ومشرقاً، فأفضل ما يمكن تقديمه له هو غرس حبِّ القراءة في نفسه، فقد أثبتت الدراسات أنَّ القراءة تعمل على تطوير دماغ الطفل تطويراً سريعاً، فتُبنى المهارات اللغوية لكونه يسمع أو يقرأ كلمات لا تُتداول في المحادثات اليومية فتُبنى لديه المفردات بناء صحيحاً، وينعكس ذلك إيجابياً على التحصيل الدراسي والتفوق.
فضلاً عن ذلك، فإنَّ القراءة تساعد الطفل على بناء روابط صحيحة بينه وبين والديه لكونها تسهِّل عملية التواصل الفعال لتتوسع قدرته على التواصل شيئاً فشيئاً، فينجح مستقبلاً في بناء علاقات صحية مع أفراد المجتمع المحيط به، وتنطبق الفوائد ذاتها على الطفل في عمر صغير، إن استمع للقصص المناسبة لمرحلته العمرية.
شاهد بالفيديو: 8 طرق لتشجيع الأطفال على القراءة
كيف يمكنك الحصول على فوائد القراءة في تحسين صحتك العقلية؟
عزِّزْ قدراتك العقلية وحافِظْ على صحتك النفسية، واستفِدْ من الفوائد آنفة الذكر للقراءة، وفيما يأتي بعض الخطوات المساعدة على ذلك:
1. دمج القراءة في الروتين اليومي
مهما بلغت درجة انشغالك بالأعمال فيجب أن تعطي صحتك العقلية أولوية وتساعد نفسك لتتطور من خلال تخصيص وقت يومي للقراءة، ولا تحتاج إلى وقت طويل فيمكن أن تحصل على فوائد متعددة من خلال القراءة عشر دقائق صباحاً أو 20 دقيقة قبل النوم أو في استراحة الغداء أو في التنقل إلى عملك صباحاً.
ربما بمرور الأيام تستطيع تنظيم وقتك أكثر لتخصِّص نصف ساعة يومياً، ومن أجل الالتزام بذلك، احتفِظْ بكتاب بين متناول يديك دائماً سواءً كتاب ورقي أم إلكتروني لتتمكن من القراءة في كل وقت متاح لذلك.
2. القراءة مع الآخرين
تعدُّ هذه الطريقة جيِّدة لتشجيع الأشخاص ممَّن يشعرون بالملل في القراءة، فلا يتمكَّنون من الالتزام بالوقت اليومي المخصص لذلك، فتشكِّل بعض المؤسسات الخاصة والجمعيات فرقاً لتعليم القراءة ودعم محبي القراءة من خلال توفير فرصة لقراءة كتب هامة والحصول على شرح مميز لها، ويمكنك الاستفادة أكثر إن كنت من ضمن الفريق التطوعي الذي يعمل على تحسين مهارات القراءة لدى الآخرين، فتقرأ لهم وتحسِّن قدراتك وقدراتهم العقلية.
3. القراءة مع الأطفال
تعدُّ من أكثر الأوقات الممتعة التي يمكن أن تقضيها مع أطفالك يومياً، وذلك بقراءة كتب مناسبة لهم، أو بالاستماع لهم في القراءة، ومع مرور الوقت ونمو الأولاد تتغيَّر الكتب وتختار الأعمق منها لتصبح الفائدة أكبر لك ولهم.
4. الاشتراك بنوادي الكتب
توفر تلك النوادي أجواء تفاعلية تدفع الناس للقراءة والمشاركة في المحادثات والنقاشات وتبادل الأفكار ليحقق الفرد الاستفادة القصوى من الكتب، فلكلِّ إنسان رؤية خاصة به، ونوادي الكتب تطلعك على رؤى الجميع، كما أنَّها توفر جواً تنافسياً من خلال مسابقات معيَّنة.
في الختام
يمكن للإنسان من خلال الروتين اليومي والسلوكات التي يتَّبعها تحسين صحته النفسية والعقلية وتحسين نظرته للحياة، فالقراءة مثلاً تعدُّ أحد أهم السلوكات المساعدة على ذلك، وقد بيَّنَّا في مقالنا دورها الهام في تعزيز الصحة العقلية للإنسان، فتساعد القراءة على تحسين قدرة الإنسان على التعلم، وهذا بدوره يحسِّن الأداء العملي له، وكذلك تنمِّي الخيال لديه، وتعزِّز التفكير الإبداعي والتفكير النقدي أيضاً وذاكرته العامة.
كما أنَّ القراءة تزيد القدرة على الانتباه والتركيز وإنجاز الأعمال بأفضل شكل، وتساهم أيضاً في بناء علاقات صحية وجيدة مع الآخرين لكونها تعزز مهارات التواصل، أمَّا نفسياً فالقراءة تعدُّ علاجاً لأعراض الاكتئاب وتقلِّل من الإجهاد والتوتر الذي نتعرَّض له نتيجة ضغوطات الحياة اليومية
انفوغرافيك: 5 فوائد للقراءة اليومية في الصحة العقلية

أضف تعليقاً