يجب أن تشعر بالامتنان لدفء الشمس، ومنظر الطبيعة الخلابة، والموسيقى التي تسمعها عند تشغيل أغنيتك المفضلة، فقد يبدو الأمر بسيطاً، لكن الامتنان قوة فعالة جداً تساعدنا على تقدير هبات الحياة بعمق، وإن تأثير هذا الشعور لا يقتصر فقط في جودة حياتنا العاطفية، بل يتعداها أيضاً إلى جوانب الحياة الأخرى.
تأثير الامتنان في مختلف جوانب الحياة:
يعد الشعور بالامتنان من العواطف الأساسية الملازمة للطبيعة البشرية، ناهيك عن كونه يحفزنا لتحقيق أحلامنا وطموحاتنا نظراً لكونه يحرر طاقاتنا العاطفية، ويمنحنا القدرة على التركيز المطلق، ففي الواقع، يؤكد كبار علماء النفس على حقيقة مفادها، أن الأشخاص الذين يمارسون الامتنان سواءً عن وعي، أم عفوياً يحظون بسعادة أكبر وصحة أفضل وعلاقات أكثر جودة.
قد تنعكس هذه النتائج الإيجابية على مجالات أخرى من حياة هؤلاء الأشخاص مثل زيادة الدخل، ورفع مستوى الأداء في العمل، وتحسين الحياة الزوجية، ولكن ليس من اليسير دائماً أن تشعر بالامتنان، خاصةً، إذا ما علِمنا أن الدماغ البشري مهيئ وظيفياً لحمايتنا من المخاطر ومساعدتنا على البقاء أحياء، وليس ليمنحنا الشعور بالسعادة.
تفسِّر هذه الحقيقة السبب الذي يدفعنا دائماً للتركيز على السلبيات بدلاً من الإيجابيات، والحق يقال؛ إن هذه السمة الفيزيولوجية قد ساعدت أسلافنا على النجاة من الأخطار في العصور الغابرة، إلا أنها أصبحت تؤدي في عصرنا الحالي إلى خوف وغضب غير مبررَين بعد أن زالت المخاطر التي تعامل معها أسلافنا في الأزمنة القديمة.
عاطفتان أساسيتان تعرقلان حياة الامتنان:
العاطفتان الأساسيتان اللتان تعوقان شعورنا بالامتنان هما الخوف والغضب، ويركز البشر عند الشعور بالخوف على الجوانب السلبية، وفي حين يعد الغضب عاطفة مختلفة، إلا أنَّه مجرد شكل آخر من أشكال الخوف، وإذا لم يتعامل بحكمة مع هاتين العاطفتين، فمن الممكن أن تلحقا الضرر بعلاقاتك وحياتك المهنية وصحتك، ما يقوض سعادتك في نهاية المطاف.
من غير الممكن أن يختبر أي شخص الشعور بالخوف والامتنان في الوقت نفسه، وينطبق الأمر نفسه على الغضب والامتنان، فيعد ذلك مستحيلاً، فيتعارض كل من الخوف والغضب من جهة مع الامتنان من جهة ثانية، لأننا نركز عند اختبار الخوف، أو الغضب على الجوانب السلبية في البيئة المحيطة، في حين نركز على الجوانب الإيجابية عندما نشعر بالامتنان.
تعزى معظم السلوكات والأفكار إلى الشعور بالخوف، وينطبق هذا انطباقاً خاصاً على توقعاتنا، وتنبع مثلاً توقعاتك بأن تجري الأمور بما يوافق تطلعاتك في جانب من جوانب الحياة من شعورك بالخوف من الإخفاق أو الرفض أو عدم الكفاءة أو عدم القدرة على نيل إعجاب الآخرين، فأنت تتوقَّع من شريكك أن يتذكَّر عيد مولدك، لأنَّك تُعِدُّ ذلك دليلاً على أنَّه ما يزال يكن لك مشاعر الحب، وتخشى من فقدان هذه المشاعر.
كذلك الأمر عندما نتوقع أن يحصل أبناؤنا على درجات ممتازة في المدرسة، أو الجامعة دائماً، لأننا نخشى من أن نكون آباء فاشلين، ونعتقد أن حصولهم على درجات متدنية هو دليل على فشلنا بوصفنا آباء، وكذلك الأمر بالنسبة إلى توقُّعنا بأن نحافظ دوماً على أداء استثنائي في العمل؛ لأنَّنا نخشى الفشل، أو لأنَّنا لا نرغب بأن يُنظر إلينا بوصفنا أشخاصاً غير أكفاء، أو غير أذكياء.
لذلك، فإن السؤال الهام الآن هو: كيف نتغلب على الخوف؟
من خلال التخلي عن عقلية التوقعات القائمة على الخوف، وتبني عقلية الوفرة القائمة على الامتنان، فعندما نكون ممتنين، يتبدد شعورنا بالخوف ونشعر بالوفرة.
خطوات لتطوير عقلية الامتنان:
يمتلك العقل البشري مرونة كبيرة، وقدرة هائلة في التخلي عن أنماط تفكير معينة واستبدالها بأنماط أكثر صحةً، ويشبه العقل البشري في قدرته هذه قدرة العضلات على النمو وتطوير المرونة، وزيادة القوة من خلال ممارسة التمرينات الرياضية، فكلما اختبر عقلك عاطفة معينة، زادت قدرتك على استحضارها في أوقات الضرورة، والخطوة الأولى لتبني عقلية الامتنان هي من خلال فهم آلية حدوث هذه العاطفة فيزيولوجياً.
شاهد بالفيديو: 6 نصائح لتحقيق الامتنان في حياتك
الامتنان من وجهة نظر علم وظائف الأعضاء:
تفرز أجسامنا عندما نشعر بالامتنان مجموعة من الهرمونات والنواقل العصبية التي تعزز شعورنا بالسعادة، ومحبة الآخرين، ومن وجهة نظر علم وظائف الأعضاء، فإنَّ المسؤول المباشر عن هذا الشعور هو العصب المبهم، ويمكن القول إنَّه العصب المسؤول عن تحويل أية فكرة إلى شعور.
كيف نستفيد من هذه الحقيقة العلمية في تطوير عقلية الامتنان؟
توجد تقنية بسيطة وفعالة في الوقت نفسه، وهي إحدى ممارسات التنفس التي تركِّز على القلب، وإليك نصائح لكيفية تطبيقها:
- جد لنفسك مكاناً هادئاً خالياً من عوامل التشتيت.
- أغمِض عينيك، وضَع كلتا يديك على قلبك كما لو أنَّك تلمسه فعلياً.
- تنفس ببطءٍ وعمقٍ، واستمر بالتركيز على قلبك كي ترسل إشارة كيميائية حيوية من خلال العصب المبهم، فهذا يساعد على تهدئة الجهاز العصبي.
- كرِّر هذا التمرين عدة مرات.
ستساعدك الإشارات الكيميائية الحيوية التي تُرسَل من خلال العصب المبهم، على توجيه تركيزك على الأشياء التي تستحق أن تشعر تجاهها بالامتنان.
نصائح إضافية لتطوير عقلية الامتنان:
أولاً: ركِّز على الجوانب الإيجابية
أفضل طريقة لتغيير وجهة نظرك عن الحياة هي التركيز على الامتنان، وهذا يتطلب منك تدريب عقلك على ملاحظة النعم وتقديرها، والتركيز على الإيجابيات في حياتك، ويقول الكاتب الأمريكي توني روبنز (Tony Robbins): "توجد الإيجابيات، مثلما توجد السلبيات، وأنت حر فيما تختار التركيز عليه".
لكن ما يحدث أننا نعتاد على الإيجابيات الموجودة في حياتنا، ونعدها نتيجة لذلك من البديهيات التي لا تستحق منا أي تقدير أو شعور بالامتنان، ومسؤوليتك هي أن تتخلى عن هذه العقلية، وإليك بعض النصائح الفعالة لمساعدتك على التركيز على الأشياء التي يجب أن تشعر تجاهها بالامتنان:
1. تريث قليلاً وفكر في بعض الأشياء التي تمنحك الشعور بالامتنان:
من الجيد بين الحين والآخر أن تتريث في حياتك قليلاً وتتذكر بعض اللحظات التي تشعر تجاهها بالامتنان الصادق، فاستحضِر هذه الذكريات كما لو كنت تعيشها الآن، وركز على ما تشعر به وليس ما يراودك من أفكار.
2. عبر عن شكرك لأحد الأشخاص الذين تركوا بصمة إيجابية في حياتك:
نعرف جميعاً أشخاصاً غيروا حياتنا للأفضل، ومع ذلك لم نعبر لهم عما يستحقون من امتنان، واختر أحد هؤلاء الأشخاص واكتب له رسالة شكر، وامتنان لتأثيره الإيجابي في حياتك، ويمكنك أن تخبره بأنَّك تنوي الاتصال به، أو زيارته في موعد تحدده في رسالتك لتعبر له عن امتنانك تعبيراً شفهياً أو وجهاً لوجه.
لا يمكنك بالطبع القيام بهذا التمرين يومياً، ومع ذلك تعد هذه الممارسة فعالة جداً، فوجدت إحدى الدراسات أن الأشخاص الذين طبقوا هذا التمرين، اختبروا مستوىً أعلى من السعادة، ودرجة أقل من الاكتئاب لمدة شهر كامل.
3. مارِس تدوين يوميات الامتنان:
كن دقيقاً في كتابة ما تشعر بالامتنان تجاهه، فينصح عند كتابة يوميات الامتنان بذِكر الأشياء التي تشعر بالامتنان تجاهها بدقة؛ لأن ذلك يزيد من فاعلية هذه الممارسة، وأضَِف إلى ذلك أنَّك تُنوِّع التجارب التي تجعلك تشعر بالامتنان كلَّما كنت دقيقاً، وهذا يجعل هذه الممارسة أكثر متعة، ويوفر لك فهماً أعمق عن نفسك وعن العالم من حولك.
عندما تطبِّق هذه التمرينات مع تمرين التنفس المذكور أعلاه فإنِّها تشكِّل استراتيجية فعالة جداً، وجدير بالذكر أنَّ تطوير قدرتنا على الشعور بالامتنان يبدأ بممارسات هادفة تأخذ شكل العادات اليومية، أو على فترات منتظمة تتحول لاحقاً إلى نمط صحي من التفكير والسلوك، والحقيقة أنَّ كل الأشخاص الناجحين بدؤوا أوَّلاً بتقدير النِّعَم البسيطة في حياتهم قبل أن يحققوا النجاحات الباهرة.
ثانياً: اشعر بالامتنان تجاه الأشياء البسيطة
انظر جيداً من حولك وستدرك أن الحياة مليئة بالنعم التي تستحق التقدير، وبدءاً من صوت المطر الذي يتناهى إلى مسامعك، ونظرات أفراد عائلتك وأصدقائك المليئة بالحب، وحتى الانتعاش الذي تشعر به عند أخذ نَفَسٍ عميق، تستحقُّ هذه الأشياء على بساطتها، أن نشعر تجاهها بالامتنان، ناهيك عن الصحة التي تتمتع بها والتكوين المدهش لأجسادنا وكل ما أنعم الله به علينا من أشياء تستحق الدهشة والامتنان في الوقت نفسه.
كل ذلك ولم نذكر بعد وسائل الراحة والرفاهية التي وفرتها لنا التكنولوجيا الحديثة والتي ساعدتنا على العمل بكفاءة أكبر والتواصل الفوري مع أي شخص في أي مكان من العالم، وبصرف النظر عمَّا تشعر بالامتنان له، يعد إيلاء الاهتمام لهذه التفاصيل المألوفة في حياتنا اليومية خطوة أساسية لتحقيق حياة سعيدة.
ثالثاً: اشعر بالامتنان في المواقف العصيبة
نواجه بلا شك عقبات قد تمنعنا من الشعور بالامتنان، ولكن ما إن نفهم أن كل عقبة تواجهنا هي هبة بحدِّ ذاتها، حتى يتبدَّل موقفنا الذهني كلياً من صعوبات الحياة، وتذكر أن كل ما يصيبك من آلام ومِحَن هو لحكمة إلهية، وربَّما لجعلك أقوى وأكثر حكمةً، أو لتتذكَّر ما يجب أن تكون ممتناً لأجله، أو ربَّما درس يمكنك الاستفادة منه لتطوير ذاتك وإطلاق العنان لإمكاناتك القصوى.
كيف تتحول الصدمات إلى فرص لتطوير الذات؟
الحقيقة أنَّ الفترات العصيبة هي فرص لتطوير الذات، وتثبت نتائج الدراسات التي تتناول آثار التجارب المؤلمة هذه الحقيقة، ونسمع كثيراً عن اضطراب ما بعد الصدمة، ولكن لا نعلم ما ينطوي عليه من إيجابيات من وجهة نظر علم النفس، وإنَّ هذا النوع من الاستجابات ما هو إلَّا عملية تدريجية لزيادة مرونتنا النفسية قد تؤدي في كثير من الأحيان إلى ما يُعرف بنموِّ ما بعد الصدمة.
في الواقع، وجدت إحدى الدراسات أنه كلما زادت الأحداث المؤلمة التي يواجهها الشخص، أصبح أكثر مرونة نفسياً، بالطبع، هذا لا يعني أن نسعى لنُصاب بالحوادث التي تسبِّب لنا صدمة نفسية، لكن حتى لو حدث ذلك رغماً عنَّا، فثمة إمكانية لاستثمار التجربة للنمو وتطوير الذات.
إذاً، ما هو الفرق بين أولئك الذين يحوِّلون الصدمات إلى فرص للنمو وأولئك الذين تعوقهم الصدمات عن التقدم في الحياة؟
أحد الاختلافات الرئيسة التي تميز الأشخاص الذين يستثمرون الصدمة ويحولونها إلى فرصة للنمو عن الأشخاص الذين تصيبهم الصدمة بالاضطراب النفسي وتعوق تقدمهم في الحياة، هي أن النوع الأول من الأشخاص مبادر، بخلاف النوع الثاني الذي يوصف بأنَّه متفاعل مع الحدث.
تُطبَّق بعض التقنيات القائمة على هذه الفكرة في الجيوش، فيتدرَّب الجنود على تطوير مرونتهم النفسية من خلال تدوين يوميات الامتنان، وبالرغم من ذلك، فإنَّه لم يفت الأوان أبداً لتبنِّي عقلية الامتنان، بصرف النظر عن صعوبة الظروف التي اختبرتها في السابق أو التي تعيشها حالياً، ولطالما كانت الظروف القاسية هي المُلهم الرئيس للعظماء من خلال التاريخ.
خُذ مثلاً عالِم النفس النمساوي "فيكتور فرانكل" (Viktor Frankl) ومؤلَّفه الشهير "الإنسان والبحث عن معنى الحياة" (Man's Search For Meaning) الذي ألَّفه بعد تجربة مريرة قضاها في معتقلات الجيش النازي ليثبت لنا أنَّنا قادرون دوماً على امتلاك الإرادة والتفاؤل للتركيز على الجوانب الإيجابية والتحَلِّي بالأمل في أحلك الظروف.
في الختام:
أردنا في ختام هذا المقال أن نقدِّم طريقة إضافية ربما هي الأهم من بين جميع الطرائق لتطوير عقلية الامتنان، هي أن تشارك هذا الشعور الرائع مع الآخرين، سواء كان صديقك، أم شريكك، أم أحد أفراد عائلتك، فإن مشاركة شعور الامتنان مع الآخرين ترسِّخ لديك المشاعر التي تختبرها في مثل هذه اللحظات، وتجعلك شخصاً مؤثِّراً في الآخرين من خلال طاقتك الإيجابية، فالامتنان قوة فعَّالة ترتقي بجودة حياتك، وحياة الآخرين من حولك.
أضف تعليقاً