تمجد الثقافة الحديثة السعي والعمل المتواصل دون راحة، ولكن في الواقع، لا طائل من تبجيل هذا الانشغال الدائم، فالعيش اليومي وكأنَّ حياتك مرهونة بالركض الدائم، وسط تزايد المهام والمسؤوليات المرهقة التي يفرضها نمط الحياة "الراشد" المعاصر، يُرسل رسالة خفية إلى جسدك وعقلك مفادها أنَّ حياتك في خطر حقيقي، فالجهاز العصبي لا يفرِّق بين اقتراب موعد تسليم مشروع متأخر، أو اقتراب حيوان مفترس، فالخطر خطر، وردة الفعل واحدة، كما صُمِّم هذا الجهاز.
ردود الفعل الأربع للبقاء في مواجهة الخطر
في مواجهة الخطر، لا تقتصر استجابتنا على المواجهة أو الهروب فقط، بل تمتد لتشمل أربع استراتيجيات أساسية للبقاء على قيد الحياة:
1. المواجهة (القتال)
تنشط غريزة المواجهة عند التعرض للخطر أو التهديد، وتقتضي إظهار القوة جسدياً، ونفسياً، ولفظياً للحفاظ على سلامتك، فقد يكون ذلك عن طريق مواجهة جسدية أو لفظية، أو حتى من خلال التلاعب النفسي تلاعباً غير مباشر وبسلبية، فالرسالة الداخلية هنا هي: "العالم خطير، وعليَّ أن أقاتل لأبقى حيَّاً".
2. الهروب
تختار الهروب عندما لا تشعر بأنَّك قوي بما فيه الكفاية للمواجهة، فقد يكون الهروب جسدياً، أو نفسياً من خلال الانفصال العاطفي عن الموقف دون تحرُّك فعلي، والرسالة هنا هي: "الابتعاد عن مصدر الخطر هو الطريقة الوحيدة للنجاة".
3. الإرضاء
حين لا تكون قوياً بما يكفي للقتال، ولا سريعاً بما يكفي للهروب، يبقى خيار محاولة تهدئة "المفترس" وإرضائه بما يكفي ليكفَّ عن إيذائك؛ إذ يتجسد ذلك في السلوكات التي ترضي الآخرين حتى لو على حساب نفسك، والرسالة تكون: "إذا كنتَ بخير، فأنا بخير؛ لذا سأفعل ما بوسعي لأبقيك راضياً".
4. التجمُّد (الشلل)
عندما لا تنجح كل الخيارات السابقة، تتجمَّد النفس وكأنَّها تؤدي دور "الميت" على أمل أن يفقد مصدر الخطر اهتمامه، والرسالة الداخلية: "فقدت كل أمل، سأبدو غير جذَّاب قدر الإمكان لعلَّ الخطر يبتعد".
استفاد الإنسان على مَرِّ التاريخ من هذه الاستجابات في حماية نفسه من الأخطار المحدقة به، غير أنَّ أجسامنا لم تُصمَّم لتبقى في حالة تأهب دائم، فبينما يعرف جهازنا العصبي كيف يُطلق إنذار البقاء عند الحاجة، إلَّا أنَّه يحتاج أيضاً إلى العودة المنتظمة إلى حالة التوازن والسكينة حتى نحيا بصحة.
يؤدي العيش في ظل هرمونات التوتر لفترات طويلة إلى مشكلات جسدية ونفسية خطيرة قد تفضي إلى الاحتراق النفسي الكامل، ومهما بلغ الإنسان من "بطولته الذاتية"، يظل كائناً يخضع لقوانين التوازن الطبيعي في الكون، كما أنَّ المدَّ والجزر لا ينقطعان، وكما أنَّ القمر يكتمل ثم يتناقص، يحتاج الإنسان أيضاً إلى إيقاع صحي متوازن بين الجهد والراحة.
سيطرت مفاهيم النجاح والمثابرة للأسف إلى حدٍّ جعل كثيراً من الناس عاجزين عن الراحة، حتى حين يُمنحون إياها، وخلال جائحة "كوفيد-19"، عندما توقفت عجلة الإنتاج حول العالم، ومكَثَ الناس في منازلهم، واجهَ كثيرون أزمة حقيقية، ولم يحتملوا فكرة التوقف عن "الفعل"، و"الإنجاز"، و"الإنتاج"، وبدلاً من أن يكون الأمر استراحة جماعية، شهِدَ العالم انفجاراً في معدلات الاضطرابات النفسية، وبدا وكأنَّ لا أحد يعرف كيف يعيش دون الركض والسعي المستمر.
نعيش اليوم عصراً تفتح فيه التكنولوجيا أبواباً لا تُحصى من المعرفة والمعلومة، فماذا لو استثمرنا هذه المعرفة في شفاء أجسادنا المنهكة، بدلاً من الاستنزاف المستمر الذي ينهك العقل والجسد؟ يبدأ الأمر من إعادة ضبط الجهاز العصبي، ومساعدته على الدخول في إيقاع متوازن يُراعي العمل، والراحة، والعلاقات، والتربية، وسائر جوانب الحياة.
شاهد بالفيديو: 7 استراتيجيات للتعافي من إرهاق العمل
أدوات لتنظيم الجهاز العصبي
إليك 3 أدوات فعالة لتنظيم الجهاز العصبي، تُمكِّنك من عيش حياة مفعمة بالبهجة والطمأنينة بعيداً عن شبح الاحتراق الذاتي:
1. تنفُّس "المربَّع الرباعي"
من خلال النصائح التالية:
- خذ شهيقاً ببطء حتى تعدُّ إلى 5.
- احبِس النفس حتى 5.
- أخرِجْ النفس بهدوء حتى 5.
- احبِس النفس مجدداً حتى 5.
- كرِّر العملية 10 مرات.
تُهدِّئ هذه الطريقة الغدد الكظرية (في أسفل الظهر)، والتي تضخُّ هرمونات التوتر في الأزمات.
2. زفير الجهاز اللاودي (Parasympathetic Sigh)
- خذ نفساً عادياً، ثم في نهاية الشهيق، خذ شهيقاً صغيراً إضافياً.
- أخرِِج زفيراً طويلاً وبطيئاً، مع إطلاق "زفرة صوتية" إن أمكن.
- كرِّر التمرين 5–10 مرات.
يخفف الشهيق المزدوج الضغط حول القلب، ما يحفز استجابة مهدئة، كما أنَّ الزفرة الصوتية تنشِّط العصب المُبهَم (Vagus Nerve)، والمسؤول عن تهدئة الجسم.
3. "نعم" و"لا" الصادقتَين
تبدأ كثير من مشكلاتنا حين نقول "نعم" لأمور نود قول "لا" بشأنها، سواء كان الأمر يتعلق بتقليص ساعات العمل أم عدم الانخراط في مناسبات اجتماعية مرهقة، فمن الضروري الإصغاء إلى حاجات الجسد والعقل، لكنَّ العقل كثيراً ما يسعى وراء القبول والانتماء، فيُشوِّش علينا تمييز الحقيقة.
الحل
اعتمِد على الجسد؛ لأنَّه لا يكذب، وأغمِض عينيك وتخيَّل طعامك المفضل، وراقِب إشارات الجسد من دفءٍ، وخفةٍ، وارتياح، فهذه تكون "نعم" الصادقة، والآن تخيَّل طعاماً لا تفضله، هل تشعر بتوتر أم نفور؟ هذه "لا" الصادقة، ومارِس التمرين أولاً مع الطعام، ثم طبِّقه على العلاقات، والقرارات الكبرى، والرغبات العميقة.
في الختام
لا وقت أفضل من الحاضر لصياغة علاقتك مع الراحة، وستجد أنَّ حياتك أصبحت أكثر عمقاً، واتزاناً، ومعنى من خلال وضع حدود صحية، ورعاية جهازك العصبي، والتركيز على الصحة الذهنية والجسدية على الأمد الطويل.
أضف تعليقاً