تسعى دول العصر الحالي، بكل قوتها وطاقاتها، إلى ترسيخ مبدأ الأمان الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، وتسخّر مواردها من أجل ذلك. من دون توفر الأمان لا يمكن للأمم أن تواكب التطور الحضاري، وأن تنهض بمجتمعاتها نحو تحقيق النجاحات في مختلف المجالات.
سنتحدث في مقالنا اليوم عن مفهوم حديث من مفاهيم الأمان، وهو الأمان الوظيفي؛ إذ بمجرد أن تقرأ هذه العبارة، ستدرك بفطرتك، ومن خلال معلوماتك العامة، أنّ هذا النوع من الأمان يُعنى بالاستقرار المالي والنفسي للموظفين الذين يعملون في الشركات والمؤسسات.
تعريف الأمان الوظيفي
يعتقد بعض الناس أنّ مفهوم الأمان الوظيفي هو مفهوم مادي ملموس، ولكنّه ليس أمراً ملموساً يمكننا معاينته بالعين المجرَّدة أو الإحساس به كواقع مادي، إلاّ أنّه موثَّق من خلال القوانين الناظمة للعمل. يمكن أن نفهم الأمان الوظيفي بأنّه امتلاك الموظف لثقته باستمرارية عمله وعدم فقدانه له في المستقبل القريب على أقل تقدير. عادةً ما يكون مستوى الأمان الوظيفي في قطاع الأعمال العام التابع لمؤسسات الدولة، أعلى بكثير من مستوى الأمان الوظيفي في القطاعات الخاصة، التي تتأثر تأثُّراً عميقاً بمختلف التغيرات الاقتصادية التي لا يمكن التنبؤ بها.
أهمية الأمان الوظيفي بالنسبة للشركات ومؤسسات الأعمال
تؤثر عوامل كثيرة في مفهوم الأمان الوظيفي. كيف لا وهو مصطلح مرتبط بالقطاع الاقتصادي الذي يُعد واحداً من أكثر القطاعات تقلُّباً وتأثراً بمختلف العوامل؟ نعلم جميعنا أنّ الاقتصاد يتأثر مباشرةً بالحالة السياسية، وحتى بتقلبات المناخ والبيئة وغيرها.
وفي السنوات القليلة الماضية ساهم تفشي فيروس كورونا في أنحاء العالم في تسليط الضوء مجدداً عليه، إذ لا يمكن أن ننكر أنّ كثيراً من القطاعات، وخلال أزمة تفشي الفيروس، وتطبيق حالات الحظر الجزئي والكلي في مختلف دول العالم، قد قلّصت أعمالها وتخلت عن موظفيها لتخفف عنها أعباء التكاليف الضخمة.
كما زادت مواكبة التطور التقني الحاصل، والاعتماد على الآلة ونظُم الأتمتة في قطاع الأعمال، من هشاشة مفهوم الأمان الوظيفي. على سبيل المثال، عندما تستيقظ صباحاً للذهاب إلى عملك هل فكرت يوماً في مدى تقدير المؤسسة لعملك؟
ولو كنت صاحب عمل ما، هل فكرت يوماً في كم الإنجازات التي يمكن أن تحققها فيما لو توفر الأمان الوظيفي لمن يعملون معك؟ والسؤال الأهم الذي يمكن أن يطرح الآن: "هل تدرك الشركات ومؤسسات الأعمال مدى الفوائد التي يمكن أن تحققها من جراء توفير الأمان الوظيفي لمن يعمل فيها؟".
الفوائد المحققة من تبعات تحقيق الأمان الوظيفي
تكون الإجابة على هذا السؤال، عزيزي القارئ، من خلال الاطلاع ومعرفة مدى الفوائد المحققة من تبعات تحقيق الأمان الوظيفي، وهذه الفوائد هي:
1. الارتقاء بأداء الموظفين ورفع كفاءتهم الإنتاجية
يدفع الشعور بالأمان والاستقرار في مكان العمل، الموظف تلقائياً نحو تقديم أفضل ما لديهم بما ينعكس إيجاباً على مستوى الحياة الشخصية وعلى مستوى الدخل المادي للموظف. تستخدم الشركات ومؤسسات الأعمال الناجحة مفهوم الأمان الوظيفي كعامل تحفيز لموظفيها، عندما تقوم بإيجاد رابط وثيق بين أداء الموظفين ومستقبل الشركة في قطاع الأعمال.
2. الحفاظ على الكادر الوظيفي
يفيد تحقيق الأمان الوظيفي، في الحفاظ على الكادر الوظيفي داخل العمل، وبالتالي الاستفادة من الخبرة التراكمية التي يكتسبها الموظفون من جراء الاستمرار في العمل لفترة طويلة.
3. تحفيز الإبداع لدى الموظفين
يعني الأمان الوظيفي الاستقرار النفسي والمالي للموظفين، وبمجرد تحقيق الاستقرار النفسي والمالي لأي موظف، فيدفعه ذلك تلقائياً نحو مزيد من الاهتمام بعمله، فهل يوجد عاقل لا يهتم بعمله الذي يلبِّي له احتياجاته المادية؟
ينعكس هذا الاهتمام من خلال الالتزام في العمل والمشاركة في اتخاذ القرارات، والأهم من ذلك كله هو المشاركة في تقديم الاقتراحات التي تفيد الشركة وتأخذها نحو مزيدٍ من الإنتاج، والكفاءة، والجودة.
4. سمعة الشركة في قطاع الأعمال
عندما يقرر عميل ما التعامل مع شركتك، فاعلم أنَّه لم يصل إليك إلا بعد أن اطلع على قائمة طويلة من الشركات، ولم يتخذ قرار التعامل مع شركتك إلا بعد أن سمع عنها ما هو إيجابي. تأتي السمعة الطيبة، لأي مؤسسة أو شركة، من قدرتها على تحقيق الأمان الوظيفي لموظفيها الذين يعدون آلة دعائية مجانية تنشر أخبار الشركة للمحيط الذي يعيشون فيه، ويعززون من إيجابيات قطاع العمل الذي يعملون فيه.
شاهد بالفيديو: كيف تخلق أماناً وظيفياً مدى الحياة؟
كيف يعزز أصحاب قطاع الأعمال الأمان الوظيفي في شركاتهم ومؤسساتهم؟
من الهام أن يدرك أصحاب المؤسسات وشركات الأعمال الخاصة أنّه يحب أن يكون تحقيق الأمان الوظيفي، لمن يعمل في المؤسسات والشركات، مقروناً باتّباعهم مجموعةً من الخطوات التي تساعدهم في ترسيخ مفهوم الأمان الوظيفي، وهذه الخطوات هي:
1. إيجاد بنية تحتية لتحقيق الأمان الوظيفي
يتطلب تعزيز الأمان الوظيفي في قطاع الأعمال من أرباب العمل أن يهيئوا الأرضية المناسبة لمثل هذا الأمر؛ إذ لا يمكن إجبار الموظف على الشعور بالأمان الوظيفي ما لم تتوفر لديه الأدوات التي تساعده على أداء وظيفته جيداً.
على سبيل المثال، يعزز توفُّر الميزانية النقدية في الشركة من الشعور بالأمان الوظيفي، وكذلك، مثلاً، يُعد توفر نظام التقاعد ونظام الرعاية الصحية، وصندوق التكافل داخل المؤسسة كلها من البنية الأساسية التي يجب على أصحاب قطاع الأعمال العمل على توفيرها من أجل تعزيز مفهوم الأمان الوظيفي لدى الموظفين وحثّهم نحو استشعار ذلك الأمان.
2. القدرة على التنبؤ ومعالجة المشكلات
يجب لترسيخ مفهوم الأمان الوظيفي أن يكون مقترناً بمدى قدرة الشركة على بناء التوقعات المستقبلية لقطاع الأعمال الذي تنشط فيه. يعطي هذا المفهوم للشركات القدرة على التنبؤ بما سيأتيها لاحقاً، والوقت الكافي لمواجهة التغيُّرات والتعامل معها، إضافةً إلى حل المشكلات الجديدة التي يمكن أن تعترض طريقها.
لا يمكن لهذا كله أن يتم ما لم يمتلك أصحاب الشركات والمؤسسات مقدرة على التخطيط الاستراتيجي بعيد الأمد، والذي يعزز الأمان الوظيفي لدى الموظفين العاملين.
3. التفاعل والتعاطف مع الموظفين
يمكن تعزيز ثقافة الأمان الوظيفي بالنسبة لأرباب العمل الساعين إلى التحسين في شركاتهم ومؤسساتهم من خلال التفاعل والتعاطف مع الموظفين، والإنصات إلى أسئلتهم، ومناقشة متطلباتهم الوظيفية، والاستماع إلى اقتراحاتهم، ودفعهم نحو المشاركة في اتخاذ القرارات.
يمكن أن يتعدى الأمر هذا ليصل إلى تفاعل أرباب العمل مع قضايا الموظفين الخاصة الأسرية منها، والاجتماعية، والاقتصادية، وينعكس كل ذلك إيجاباً على تحقيق وتعزيز مفهوم الأمان الوظيفي داخل الشركات والمؤسسات.
4. تحقيق العدل والمساواة بين الموظفين
مرّ معنا في تعريف الأمان الوظيفي أنّه مفهوم غير ملموس، لكن يمكن توثيقه من خلال القوانين الناظمة للعمل؛ إذ إنّ تطبيق القوانين واللوائح الناظمة للعمل من دون محاباة أحد الموظفين على حساب الآخر، يساعد على تعزيز الأمان الوظيفي داخل المؤسسات والشركات. كلما كانت الأنظمة والقوانين واضحة وصريحة تجاه واجبات الموظفين وحقوقهم، تعزز مفهوم الأمان الوظيفي وشعر به الموظفون أكثر وأكثر.
عزيزي القارئ، لا يقتصر تحقيق مفهوم الأمان الوظيفي على أصحاب الشركات والمؤسسات فقط، إذ إنّ هناك دور كبير للموظفين أنفسهم في تعزيز أمانهم الوظيفي وترسيخ هذا المفهوم في المؤسسات التي يعملون بها، وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال هام، وهو:
كيف يمكن للموظفين تعزيز الأمان الوظيفي في المكان الذي يعمل فيه؟
في ظل التطور التكنولوجي الكبير، والتقدم المعرفي الهائل، باتت جميع قطاعات الأعمال لا تهتم بالموظفين الذين ينجزون الأعمال؛ بل على العكس فإنّهم يلهثون نحو استقطاب موظفن متميّزين. لا يمكن لأي أحد أن ينال درجة التميُّز من دون أن يقدم مجهودات كبيرة.
إنَّ تعزيز مفهوم الأمان الوظيفي من مسؤولية أصحاب الأعمال، إلا أنّه لا ينفي مسؤولية الموظف في ترسيخ أمانه الوظيفي من خلال رفع قيمته في مكان العمل، والذي لا يمكن أن يتحقق من دون اكتسابه مهارات جديدة، وتعزيزه معلوماته ومعارفه، ومواكبته التطور التقني والمعرفي الحاصل.
يجعل كل ذلك أصحاب الأعمال يتمسكون بذلك النموذج من الموظفين، ولا يسعون إلى الاستغناء عن خدماتهم.
في الختام
يجب على كل صاحب عمل، وعلى كل موظف أن يدرك أنَّ غياب الأمان الوظيفي داخل الشركة أو المؤسسة سيعرضها لمشكلات عديدة، مثل التقصير في العمل، وعدم الالتزام بالتعليمات، وانخفاض معدل التواصل بين الموظفين على اختلاف المستويات الوظيفية، ودفع تكاليف ضخمة لتدريب الموظفين الجدد.
الحاصل نتيجة التسرّب الوظيفي للموظفين الذين لا يشعرون بالأمان، إضافةً إلى غياب شعور الرضا، والانتماء، والولاء للمؤسسة، وغيرها من المشكلات التي تهدد وجود الشركة واستمراريتها في عالم الأعمال.
أضف تعليقاً