وهنا يظهر جدل مستحق: هل كل (Networking) مفيد فعلاً؟ وعليه، إنَّ الاعتقاد بأنَّ الحضور في كل مكان يضمن النجاح، ليس سوى وهم مهني يستنزف طاقتك الإبداعية والقيادية.
في هذا المقال، نكسر هذه القواعد العامة ونقدم لك مصفوفة قرار شبكات العلاقات لمديري المشاريع، لتعيد توجيه بوصلتك نحو علاقات نوعية تخدم مرحلتك الوظيفية الحالية بدقة، بعيداً عن ضجيج النصائح المعلبة التي لا تراعي خصوصية إدارة المشاريع كمهنة تعتمد على النتائج لا على مجرد العلاقات السطحية.
لماذا يعتقد مديرو المشاريع أن أية شبكة علاقات أفضل من لا شيء؟
"يظنّ كثيرٌ من مديري المشاريع أنَّ الانضمام لأية شبكة علاقات مهنية سيؤدي تلقائياً إلى فرص أفضل، بغض النظر عن توافقها مع حالتهم المهنية أو أهدافهم الفعلية".
ينساق كثيرون وراء مفاهيم مغلوطة حول التشبيك المهني، وتتلخص دوافع هذا الاعتقاد في النقاط التالية التي تعكس حالة الضياع المهني لدى البعض:
1. الخوف من تفويت الفرص (FOMO)
يظنُّ المدير أنَّ غيابه عن أي محفل مهني أو مؤتمر سنوي يعني ضياع فرصة العمر أو وظيفة الأحلام التي قد لا تُعرض إلا هناك. ويحوّل هذا الضغط النفسي (Networking) من أداة نمو إلى مصدر قلق دائم.
2. انتشار ثقافة "كن حاضراً في كل مكان"
تضغط منصات التواصل، وخاصةً (LinkedIn)، لتعزيز فكرة أنَّ الكثافة العددية في العلاقات هي المعيار الوحيد للنجاح. يركز مديرو المشاريع على جمع "الاتصالات" (Connections) بدلاً من بناء "العلاقات" (Relationships).
3. الخلط بين كثرة العلاقات وجودتها
يتباهى البعض بامتلاك آلاف المتابعين، متجاهلين أنَّ مائة علاقة سطحية لا تضاهي علاقة استراتيجية واحدة مع صاحب قرار يثق في كفاءتك المهنية وقدرتك على تسليم المشاريع في موعدها.
4. الوهم الرقمي
الاعتقاد بأنَّ التفاعل مع المنشورات العامة سيؤدي إلى بناء سمعة مهنية، بينما الحقيقة أنَّ القيادة في إدارة المشاريع تُبنى داخل غرف العمليات وفي مواجهة تحديات التنفيذ، وليس فقط من خلال الإعجابات الافتراضية.
متى تكون شبكات العلاقات المهنية أداةً فعالةً لمديري المشاريع؟
"تصبح شبكات العلاقات المهنية فعالةً عندما ترتبط بهدف واضح، ومرحلة مهنية محددة، ونوع علاقات يخدم هذا الهدف مباشرةً".
تتجسد قوة التواصل حين تتحول من "تسلية اجتماعية" إلى "استثمار استراتيجي" مدروس بعناية؛ إذ يتم قياس كل علاقة بمدى مساهمتها في تحقيق أهدافك السنوية.
تظهر الفعالية الحقيقية عندما يدرك المدير أنَّ العلاقات ليست غاية، بل هي جسر ممتد نحو تطلعات محددة سلفاً في مسار تطوير المسار المهني لمدير المشاريع.
دعونا نستكشف كيف يعزز (Networking) لمديري المشاريع مسارك المهني عند استخدامه بذكاء:

1. تأثير شبكات العلاقات في فرص الترقية
تثبت لغة الأرقام أنَّ العلاقات الموجهة هي المحرك الأول للنمو الداخلي؛ إذ تهدف هذه العلاقات إلى بناء "تحالفات دعم" تضمن وصول اسمك إلى طاولات صناع القرار عند مناقشة الترقيات الكبرى.
يشرح الكاتب "كيث فيرازي" (Keith Ferrazzi) في كتابه الشهير "لا تأكل بمفردك أبداً" (Never Eat Alone) وكتابه الآخر "من يحميك؟" (Who's Got Your Back)، أنَّ الترقية لا تتعلق بما تفعله فحسب، بل بمن يعرف ما تفعله ويثق في قدرتك على تكراره.
لنتخيل السيناريو التالي: "سارة"، مديرة مشاريع في قطاع التجزئة، خصصت 20% من وقتها لبناء علاقات مع مديري الأقسام الأخرى (المالية، التسويق، الموارد البشرية).
عندما شغر منصب مدير العمليات، كان هؤلاء المديرون هم أول من رشح اسمها؛ لأنّهم فهموا كيف تخدم مشاريعها أهداف أقسامهم.
وفي هذا السياق، تشير دراسة من (LinkedIn) إلى أنَّ 85% من التعيينات في المناصب الإدارية العليا تتم عن طريق التوصيات الخاصة والشبكات الداخلية قبل نشر الإعلان الوظيفي.
2. دور (Networking) في الانتقال الوظيفي
يعدُّ الانتقال بين القطاعات (مثل الانتقال من إدارة مشاريع التشييد التقليدية إلى إدارة مشاريع البرمجيات المرنة) تحدياً يتطلب شبكة نوعية توفر لك "المعرفة الضمنية" (Tacit Knowledge) التي لا توجد في الكتب.
لتحقيق انتقال وظيفي ناجح، يمكنك اتباع الخطوات المنهجية التالية:
- رسم خريطة القطاع: حدد 5 شركات رائدة في القطاع المستهدف وحدد أسماء مديري المشاريع فيها.
- المقابلات الاستطلاعية: تواصل معهم لطلب 15 دقيقة من وقتهم ليس لطلب وظيفة، بل لفهم التحديات التي يواجهونها يومياً.
- المجتمعات التخصصية: انضم إلى منصات مثل (com) وشارك في النقاشات التي تخص المنهجيات الجديدة (مثل الانتقال من Waterfall إلى Agile) لتثبت قدرتك على التكيف.
مثال: انتقل "أحمد" من قطاع النفط والغاز إلى قطاع التكنولوجيا من خلال بناء علاقة مع (Mentor) في شركة برمجيات، ساعده على ترجمة مهارات إدارة المخاطر من المواقع الإنشائية إلى بيئة تطوير السحابة.
3. العلاقات المهنية وبناء السمعة القيادية
يساعدك الانخراط الذكي في بناء "علامة شخصية" (Personal Brand) تجعل الفرص تطرق بابك، بدلاً من البحث عنها. لذا، تذكر: يتطلب تطوير المسار المهني لمدير المشاريع أن يُنظر إليك كمرجع فكري يمتلك رؤيةً تتجاوز مجرد مراقبة الجداول الزمنية.
يوضح الجدول التالي كيفية تحويل الأنشطة التشبيكية إلى عوائد ملموسة على سمعتك:
| النشاط المهني المقترح | العائد المتوقع على السمعة القيادية | مثال تطبيقي |
| التحدث في مؤتمرات (PMI) | ترسيخ مكانتك كخبير معتمد ومؤثر. | تقديم ورقة عمل حول "إدارة الأزمات في المشاريع الكبرى". |
| نشر مقالات تقنية (LinkedIn) | جذب انتباه مديري التوظيف الدوليين. | كتابة تحليل أسبوعي حول أثر الذكاء الاصطناعي في الإنتاجية. |
| التطوع في لجان التحكيم | بناء ثقة مباشرة مع كبار صناع القرار. | تقييم مشاريع التخرج أو جوائز التميز المهني في قطاعك. |
ما المشكلة في اتباع نصائح التشبيك العامة؟
"يؤدي اتِّباع نصائح (Networking) العامة دون تمييز إلى علاقات سطحية لا تخدم الأهداف المهنية، خصوصاً لمديري المشاريع ذوي الأدوار المعقدة".
يتسبب الانسياق الأعمى خلف نصائح التشبيك التقليدية التي تنادي بـ "التواصل مع الجميع" في أضرار مهنية قد تعوق تقدمك، ونوجزها في النقاط التحليلية التالية:
1. هدر الوقت والجهد
إدارة المشاريع مهنة تتطلب تركيزاً ذهنياً عالياً. استهلاك الساعات في فعاليات "القهوة المهنية" العامة يقلل من الوقت المخصص لمتابعة مؤشرات الأداء (KPIs)، مما قد يؤدي لفشل المشروع الفعلي مقابل نجاح اجتماعي وهمي.
2. بناء علاقات غير ذات صلة
الانخراط في دوائر لا تتقاطع مع تخصصك أو طموحك المستقبلي يخلق شبكة من "الضجيج"؛ إذ تتلقى عروضاً أو معلومات لا تهمك، وتضيع وقتك في مساعدة أشخاص لن يستطيعوا رد الجميل مهنياً في مسارك المحدد.
3. إرهاق مهني (Networking Burnout)
محاولة الحفاظ على مئات العلاقات السطحية تتطلب جهداً في المتابعة والردود الاجتماعية، مما يؤدي لنفاذ الطاقة النفسية التي يحتاجها المدير للتعامل مع النزاعات داخل فريقه.
4. فجوة المصداقية
التركيز المبالغ فيه على الحضور الاجتماعي قد يعطي انطباعاً بأنك "مسوق" أكثر منك "منفذ"، وهو ما يخشاه أصحاب العمل عند البحث عن مدير مشاريع صلب يعتمد عليه في الأزمات.
شاهد بالفديو: 10 نصائح للتشبيك في مجال الأعمال، كيف تُنمِّي شبكتك المهنية؟
تحتاج إلى مصفوفة قرار لاختيار شبكات العلاقات؟
"تحوّل مصفوفة قرار شبكات العلاقات لمديري المشاريع (Networking) من نشاط عشوائي إلى قرار استراتيجي مبني على الحالة المهنية والهدف الوظيفي".
لا يمكن معاملة المدير المبتدئ الذي يحتاج إلى بناء قاعدة معرفية كخبير قضى عشرين عاماً في إدارة المحافظ الدولية. وعليه، إنّ التسطيح في توزيع النصائح المهنية يغفل حقيقة أنَّ الموارد الزمنية للمدير محدودة للغاية وقيمتها السوقية مرتفعة.
دعونا نوضح لماذا تُعد مصفوفة قرار شبكات العلاقات لمديري المشاريع هي الحل الجذري لهذا التشتت من خلال تفصيل احتياجات كل مرحلة:
1. اختلاف احتياجات المدير المبتدئ عن الخبير
يوضح ديفيد بوركوس (David Burkus) في كتابه "أصدقاء الأصدقاء" (Friend of a Friend) أنَّ بنية الشبكة يجب أن تتغير جذرياً بتطور المسار المهني. لتحقيق ذلك، يجب فهم الفوارق التالية:
1.1 نهج المبتدئين (The Learning Phase)
في هذه المرحلة، يحتاج المدير إلى "شبكات واسعة ومفتوحة" توفر له تنوعاً في الأفكار والمناهج. الهدف هنا هو "الاستكشاف" واكتساب المهارات من خلال مراقبة كيفية عمل الآخرين وتجاوز عقبات البداية.
1.2 نهج الخبراء (The Power Phase)
هنا يجب أن تتحول الشبكة لتكون "ضيقة وعميقة". يحتاج الخبير إلى الوصول لدوائر مغلقة (Closed Clusters) إذ تُتخذ القرارات الاستراتيجية وتُوزع الميزانيات المليونية.
إقرأ أيضاً: دور الذكاء الاجتماعي في بناء شبكة علاقات قوية
2. الشبكات التعليمية مقابل الشبكات التنفيذية
يجب أن تميز بوضوح بين نوعين من التجمعات المهنية لضمان عدم ضياع مجهودك في المسار الخاطئ، وهو ما توضحه مصفوفة قرار شبكات العلاقات لمديري المشاريع:
2.1 الشبكات التعليمية (Educational Networks)
مثل المجموعات المهتمة بـ (PMP) أو (PRINCE2)؛ إذ تكمن فائدتها في تحديث المعلومات التقنية، لكنّها نادراً ما توفر فرص عمل قيادية؛ لأنَّ أغلب أعضائها في مستواك نفسه، أو يبحثون عن ما تبحث عنه نفسه.
2.2 الشبكات التنفيذية (Executive Networks)
مثل جمعيات مديري الشركات أو نوادي الاستثمار. وتُعد هذه بيئةً خصبةً لمن يريد أن يُنظر إليه كـ "شريك أعمال" (Business Partner) وليس مجرد موظف ينفذ المهام.
3. علاقات التعلم أم علاقات الفرص؟
توضح دراسات (Harvard Business Review) أنَّ القادة الناجحين يقسمون شبكاتهم إلى ثلاثة أنواع: (تشغيلية، شخصية، استراتيجية). ويعني بناء العلاقات المهنية حسب الهدف توظيف العلاقات بطريقة ذكية كما يلي:
3.1 علاقات التعلم
تُفعل عند البدء بمشروع في تقنية ناشئة (مثل Blockchain)؛ هنا تحتاج لزملاء تقنيين لتبادل الخبرة السريعة.
3.2 علاقات الفرص
تُفعل عندما يستقر مشروعك وتبدأ في البحث عن "الموجة القادمة" أو ترغب في الحصول على تمويل لمشروع داخلي جديد؛ هنا تحتاج لصناع قرار ماليين وإداريين.
إقرأ أيضاً: 10 نصائح فعالة لمديري المشاريع الجدد كي يتفوقوا في عملهم
الخلاصة: مصفوفة قرار شبكات العلاقات لمديري المشاريع بحسب حالتك
"يعتمد اختيار شبكة العلاقات المناسبة على مرحلتك المهنية، وهدفك الحالي، ونوع القيمة التي تبحث عنها، لا على كثرة العلاقات".
لتطبيق مصفوفة قرار شبكات العلاقات لمديري المشاريع عملياً، حدد حالتك الحالية، واتبع التوصية المقابلة:
الحالة (أ): مدير مشاريع ناشئ (0-3 سنوات خبرة)
- الهدف: بناء المصداقية الفنية.
- الشبكة المقترحة: مجموعات ممارسة المنهجيات، منتديات حل المشكلات التقنية، وشبكات الزملاء المباشرين. وركز أيضاً على شبكات العلاقات المهنية للمدير التي تمنحك "إرشاداً" (Mentorship) حقيقياً.
الحالة (ب): مدير مشاريع يسعى للترقية (4-8 سنوات خبرة)
- الهدف: الظهور القيادي (Visibility).
- الشبكة المقترحة: لجان العمل العابرة للأقسام، وجمعيات الإدارة العليا، وبناء علاقات مع "رعاة" (Sponsors) داخل المؤسسة يمكنهم الدفاع عن ملفك في غيابك.
الحالة (ج): خبير يخطط للاستقلال أو الاستشارة (8+ سنوات خبرة)
- الهدف: بناء شبكة عملاء ونفوذ سوقي.
- الشبكة المقترحة: الاتحادات الصناعية، وغرف التجارة، وشبكة الخبراء الدوليين. هنا يصبح اختيار شبكات العلاقات المهنية استثماراً في علامتك التجارية الشخصية كخبير مستقل.

في الختام
لا يُعد تبنّي مصفوفة قرار شبكات العلاقات لمديري المشاريع مجرد استراتيجية مهنية، بل هو فلسفة لإدارة حياتك بذكاء. العلاقات المهنية هي وقود النجاح، لكن تذكر أنَّ جودة الوقود أهم بكثير من كميته.
ولا تكن متاحاً للجميع في كل وقت، بل كن متاحاً لمن يقدر قيمتك ويدفع بمسارك نحو الأمام. ابدأ اليوم بتدقيق قائمة اتصالاتك، واحذف "الضجيج" لترك مساحة للعلاقات الحقيقية التي ستصنع مستقبلك في عام 2026.
الأسئلة الشائعة
1. هل يحتاج كل مدير مشاريع إلى نفس نوع (Networking)؟
لا؛ يختلف نوع الشبكة المناسبة باختلاف المرحلة المهنية والهدف الوظيفي؛ فالمبتدئ يبحث عن المعرفة، والخبير يبحث عن النفوذ.
2. ما الفرق بين الشبكات التعليمية والتنفيذية؟
التعليمية تركّز على تبادل المعرفة والأدوات (مثل كيفية استخدام Jira)، بينما التنفيذية تركّز على الفرص والتأثير الاستراتيجي (مثل كيفية الفوز بعقود حكومية).
3. كيف أعرف أنّ شبكة العلاقات لا تناسبني؟
عندما تجد أنَّ الوقت المستثمر فيها لا ينتج عنه تعلّم جديد، ولا يفتح أبواباً لفرص مهنية، ولا يعزز من مكانتك كخبير بعد فترة زمنية معقولة (6 أشهر مثلاً).
4. هل كثرة العلاقات أفضل من قلتها؟
في إدارة المشاريع، تكون الجودة والتوافق أهمّ بكثير من العدد. لذا، فعلاقة واحدة متينة مع "مؤثر" في قطاعك أفضل من ألف متابع سلبي.
5. متى أراجع استراتيجية (Networking) الخاصة بي؟
يجب مراجعتها فور حدوث تغير في هدفك المهني، أو عند الانتقال لشركة جديدة، أو كل عام لضمان توافق شبكتك مع تطلعاتك المستقبلية.
أضف تعليقاً