عندما نكون في أواخر العشرين، ونُسأل عن أعمارنا، ندخل في دوَّامة أفكارٍ قلقة لأنَّنا سنصبح بالثلاثين قريباً، فالوقت يمرُّ بسرعة كبيرة؛ بالأمس كُنَّا أطفالاً، نتطلَّع إلى الكبر، متخيِّلين حياةً مليئةً بالحريَّة والاستقلال، ولكن اليوم، ها نحن هنا، نتخيَّل أنفسنا عجائز متجعِّدين، مثُقَلين بالمسؤوليَّات والآلام والأوجاع.
يشعرُ معظم الأشخاص بخيبة الأمل بسبب خروجهم من مرحلة الشباب إلى الشيخوخة التدريجيَّة، ويربطون الشيخوخة بتلاشي الجمال، والفقدان العام للقيمة.
يخافُ كثيرٌ من الناس من أنَّ الشيخوخةَ تعني انخفاضاً لا مفرَّ منه في الصِّحة والوضوح العقلي.
هل يُشعرك المجتمع بالسوء بشأن الشيخوخة؟
معظم مشاعرنا تجاه الشيخوخة سلبيَّة، ويستند كثير منها إلى الخوف والقلق والحزن والخيبة، ولكن لماذا؟ على الرغم من كلِّ شيء، فإنَّ الشيخوخة تجعل الشخص أكثر خبرة وحكمة.
لنبدأ بالمجتمع الذي نعيش فيه، معظم المجتمعات لا تكونُ لطيفةً مع الشيخوخة، فتمجِّدُ معظم وسائل الإعلام الغربية الشعبية - الكتب والأفلام والموسيقى - وأصدقاؤنا وعائلتنا الشبابَ يسيئون إلى الشيخوخة، ويمكن أنْ يؤديَ هذا إلى شكلٍ من أشكال التمييز المعروف بـ "العنصرية العمرية"، فيُقيَّم الناس استناداً إلى عمرهم.
وفقاً لدراسةٍ استندت إلى استطلاع للرأي العام في المجتمع الأوروبي، تُعَدُّ العنصرية العمرية أكثر أشكال التمييز انتشاراً، أكثر من العنصرية العرقيَّة والتحيُّز الجنسي.
يمكن أنْ يسببَّ ذلك الإجهادَ المزمن الذي قد يؤثِّر سلباً في الصحَّة النفسيَّة للفرد، وهذا يؤثِّر في الأداء العقلي، إضافة إلى الحياة الاجتماعية للأشخاص المسنين أكثر.
بشكلٍ مؤسفٍ، يُصوِّر المجتمعُ الشيخوخةَ على أنَّها شيءٌ يجب ُمحاربتهُ أو تبطيئه، وتَستخدمُ معظم الإعلانات مصطلحَ "مكافحة الشيخوخة" لجذبك، وأحياناً لتوحي للعملاء بأنَّهم بحاجة ملحَّة إلى منتجاتها، مثل: "ابقَ شابَّاً إلى الأبد، إذا كنتَ تستطيع"، هذا ما تخبرنا به وسائل الإعلام.
من البوتوكس إلى الليزر إلى زراعة الشعر، يستمرُّ سوقُ مكافحة الشيخوخة في التوسُّع بشكلٍ لا نهائي، ومن المتوقَّع أنْ يبلغَ حجم سوق مكافحة الشيخوخة قيمة 88.30 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2026.
كيف يشعر الأشخاص الأصغر سنَّاً بشأن الشيخوخة؟
يستهدفُ الكثيرُ في سوق مكافحة الشيخوخة هذا الشباب المهووس بالجمال، بيدَ أنَّ خوف الشيخوخة متأصِّلٌ بشدَّة في شبابنا المهووس بالجمال، الذي يقيس قيمته الذاتيَّة بعدد نظرات الإعجاب (أو الإعجابات والنقرات والتعليقات).
على خلاف البالغين الأكبر سنَّاً (65 عاماً فأكثر) الذين تستند آراؤهم عن الشيخوخة إلى تجاربهم الشخصية، يدركُ الشباب (15-24 عاماً) الشيخوخةَ استناداً فقط إلى ما يراقبونه، فإذا كنت قد نشأتَ وشاهدتَ الأفراد المسنِّين يُعامَلون على أنَّهم عبء، فإنَّك ستكون أقلَّ حماسة للتقدُّم في العمر.
كما أنَّه من الصعب تخيُّل نفسك عندما تكون في الـ 50 من العمر وأنت في سنِّ العشرين، مَنْ هذا الشخص المفترض أن يكون في عمر الـ 50؟ هل أنت متزوِّجٌ؟ هل لديك أطفال؟ ماذا عن عملك، وأينَ تعيش؟ يمكن أنْ يكونَ هذا الشخص المستقبليُّ مختلفاً تماماً عنك، ويصعبُ تخيُّله دون أن تتجه إلى دوَّامةٍ وجوديَّة.
وفقاً للدراسات، عندما يتعلَّق الأمر بأنفسهم، يتوقَّعُ الشبابُ أنْ يكونوا استثناءات من الصور النمطيَّة التي يحملونها عن المسنين، مثل هذه التوقُّعات غالباً ما تكون غير واقعية؛ ومن ثم مشكلة.
شاهد بالفيديو: نصائح صحية لكبار السن
هل تؤثِّر العنصريَّة العمرية في الأطفال أيضاً؟
نعم، تبدأُ هذه الانطباعات السلبيَّة في وقتٍ مبكر، فالتجارب التي نمرُّ بها في وقتٍ مُبكِّرٍ من الحياة تتركُ انطباعات دائمة على عقولنا، وتُشَكِّل مثل هذه التجارب تصوُّرَ الأفراد عن الشيخوخة، وغالباً ما تصبح جزءاً من الصُّور النمطيَّة الذاتيَّة، وهذا يجعل الأطفال الأكثر عرضةً للعنصرية العمرية.
عندما سُئِل الأطفال والمراهقين عن الكلمات التي سيستخدمونها لوصف شخصٍ من مجموعة عمريَّةٍ معيَّنةٍ، اتضحَ أنَّ الأكبر سناً كانوا الأكثر تقديراً سلبيَّاً، ووجدت دراسةٌ أخرى أنَّ معظم الأطفالِ الذين تتجاوز أعمارهم 8 سنوات ينظرون إلى الأشخاص المسنِّين ويصنِّفونهم على أنَّهم قبيحون ومرضى، كما يعدُّونهم الأقلَّ سعادةً، والأقلَّ تكويناً للصداقات.
غالباً ما يربطُ الأطفالُ بينَ الأشخاص المسنِّين وانخفاض الصحة الجسديَّة والنفسيَّة (سوء البشرة والوضعيَّة، وفقدان السَّمع، والانفعال، والغضب السيِّئ، وعدم القدرة على التعامل مع الضغوطات) ومع ذلك، فإنَّهم ليسوا مخطئين تماماً في إجراء هذه التمييزات.
تردِّي الصحة يُعقِّد عملية الشيخوخة:
غالباً ما يُصاحبُ الشيخوخة انخفاض في الصِّحة الجسديَة، إضافة إلى أَنَّ التَّشكيل السَّلبي المرتبط بالشيخوخة، يُعقِّد عمليَّة الشيخوخة.
قد يكونُ العمر الوسطى (40-65 سنة) - على وجه الخصوص - صعباً بالنِّسبة إلى الكثيرين، فهو يأتي مع إدارة العمل، والزَّواج، والوالدَين المسنِّين، والأطفال المتطلِّبين، فتزداد المسؤوليَّات، ويقلُّ وقت الاستمتاع بالنشاطات التي كانوا يستمتعون بها في السابق.
مع ذلك، يتغيَّرُ هذا السيناريو عندما يتعلَّق الأمر بالأشخاص المسنِّين (65 سنة وما فوق) بعد تجاوز سنِّ التقاعد، إذ يصبحُ لدى الأشخاص المسنِّين مزيد من الوقت الإضافي.
قيل لنا - غالباً - إنَّ الشيخوخةَ هي الوقت الذي يمكنك فيه بدءُ ممارسة النشاطات أو الهوايات التي كان عليك التخلِّي عنها خلال بناء مسيرةٍ مهنية أو تربية الأطفال، للأسف؛ العمليَّة ليست بهذه البساطة التي نتمنى تخيُّلها، فإضافة إلى انخفاض الصحَّة الجسديَّة، غالباً ما تَتصاحب الشيخوخة مع الوحدة والملل والقلق.
يزدادُ عددُ الجنازات التي تحضرها مقارنة بعددِ الحفلاتِ التي تُدعى لحضورها، وفقدان الأحبَّة، والإعاقات الجسدية، وتدهور الجمال، وتغيُّرات أخرى في المظهر الجسديِّ تؤدِّي جميعها إلى تقليل متعة الحياة الاجتماعية.
يُعَدُّ الأشخاصُ المسنُّون - غالباً - "صلبين ومنعزلين"، ويرى ما يقرب من ثلث الأمريكيين أنَّ سن الستين وما بعد "أسوأ السَّنوات في حياة الفرد".
هل يجب أنْ تكونَ الشيخوخة مخيفة؟
هل الشيخوخة حقاً أسوأ وقت في حياتنا؟ لا يمكنُ أن ْيكونَ كل شيء سيئاً، فالأشخاص الكبار في السن أيضاً محبوبون جدَّاً، يمكن أن يكونوا نشطين، وغالباً لديهم القصص الأكثر إثارة للاهتمام ليشاركوها.
أغلبنا نشأ حول أجداده، وذهبَ في نزهاتٍ طويلة، وتخيَّل أشياء في عقله من خلال كلماتهم، واستمتعَ بكل دقيقة من وقته معهم، فرأيناهم يعيشون حياةً سعيدةً واجتماعيَّةً، ولهذا يجب القول: إنَّ تجاربَ الشيخوخة يجب ألَّا تكون جميعها سيئة أو مخيفة.
في الواقع، كيفيَّة تجربة الشخص للشيخوخة تُحدَّدُ من خلال العوامل الشخصية والبيئية؛ فاستقبالُ الحب والدفء من أفراد العائلة، والوصولُ إلى مرافق الرعاية الصحيَّة الجيدة، يضمن الرعاية الصحيَّة لكبار السن، والبنيةُ التحتيَّة الجيدة، ومن ذلك الوصول السهل إلى وسائل النقل العام، ضروريَّةٌ لراحتهم واحتياجاتهم.
يؤدي مكان الإقامة والثقافة المحليَّة أيضاً دوراً رئيساً في تحديد المشاعر لدى كبار السن تجاه الشيخوخة، على سبيل المثال، في هونغ كونغ، يُعَدُّ كبارُ السنِّ أكثر تسامحاً وانفتاحاً، وفي أماكن أخرى، يُعَدُّون أكثر تميُّزاً من حيث الخبرة والسلطة والحكمة.
"لافريتسكي" يصفُ الأشخاصَ المسنِّين بـ "نماذج المرونة"؛ لأنَّهم يواجهون سنواتٍ طويلةً من المخاطر والتهديدات خلال حياتهم الطويلة، ومع ذلك في بلدان مثل الولايات المتحدة، الاتِّجاهات المتعلِّقة بالشيخوخة مختلطةٌ إلى حدٍّ ما، فيُعَدُّ كبار السن دافئين (سمة إيجابيَّة) ولكن غير كفؤين (سمة سلبيَّة).
رغم الاتِّجاهات السلبيَّة بشأن الشيخوخة، فإنَّ تجربة أو عمليَّة الشيخوخة يمكن أنْ تكونَ غنيَّةً بالفعل، فإنَّ وجودَ شعور الفاعليَّة في الحياة يساعدُ على ضمان صِحَّةٍ عقليَّةٍ أفضل للأفراد، ويرتبط مباشرة بطول العمر.
تُفنِّد بعض الدراسات الاتِّجاهات السلبيَّة ضد الشيخوخة، فخلصت إحدى هذه الدراسات إلى أنَّه وعلى الرغم من انخفاض الصِّحة الجسديَّة، فإنَّ الأشخاص المسنِّين لديهم صحَّة عقلية أفضل من الأشخاص الأصغر سناً.
يقترحُ الخبراء مع تقدُّم الأشخاص في السن، أن يستثمروا مزيداً من مواردهم النفسية في النشاطات ذات الدلالة العاطفيَّة، بدلاً من السلبيَّة.
مكافحة الصور النمطيَّة السلبيَّة ضد الشيخوخة يمكن أن تكون تحدياً كبيراً للمجتمع، ولكنَّها ضرورية لضمان جودة حياة جيِّدة لكبار السن، وتوفُّرُ الرعاية، وأماكن العمل الترحيبيَّة، والترابط الجيد مع أفراد العائلة، وفهم العمليَّة العامََّة للشيخوخة يمكن أنْ تساعدَ جميعها في إنشاء بيئةٍ أكثرَ صحة لكبار السن.
5 أشياء يخاف الناس منها عند التقدم بالعمر ولا داعي للقلق منها:
1. يصابُ المسنون دائماً بالأمراض، ويعانون من الألم المزمن:
هذا ليس بالضرورة صحيحاً؛ فتقلِّلَ التغذية السليمة، والتمرينات الرياضيَّة، والرعاية الطبيَّة من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بالعمر والألم، توجد أيضاً علاجات طبيعيَّة ومكمِّلات غذائيَّة يمكن أنْ تساعدَ على إدارة الألم وتخفيفِ التوتر.
2. فقدان الذاكرة هو جزء لا مفر منه من الشيخوخة:
هذا أيضاً غير صحيح، فيمكن تجنُّب أو تأخير فقدان الذاكرة من خلال الحفاظ على نشاط وصحة الدماغ، وتوجد عدة طرائق لتحفيز الدماغ، مثل تعلُّم مهارات جديدة، واللعب، والقراءة، والتواصل الاجتماعي.
3. تتجعَّدُ البشرة وتصبحُ قبيحةً مع التقدُّم في العمر:
هذا خوفٌ نسبيٌّ، فالجمال في عيون المشاهدين، فالشيخوخة لا تعني فقدان جاذبيَّتك أو ثقتك بنفسك، وتوجد عدة طرائق لتقبُّل مظهرك والشعور بالرضى عن نفسك، مثل: ارتداء الملابس الأنيقة، والاهتمام بالمظهر الشخصي، والابتسام.
4. لا يمكنُ للمسنِّين تعلُّم أشياءً جديدة:
هذه خرافة، فالتعلم هو عملية تستمرُّ مدى الحياة ولا تعتمد على العمر، ويمكن للأشخاص المسنِّين تعلُّم أشياء جديدة والتكيُّف مع الوضعيَّات الجديدة، ما دام لديهم الدافع والفضول، ويمكن أنْ يجلبَ التعلُّمُ الفرحَ والإشباعَ للحياة.
5. يعاني المسنون من الوحدة والمزاج السيئ:
هذه نمطيَّة، فيمكن أن يكون لدى الأشخاص المسنين حياةً اجتماعيَّةً غنيَّةً وذات معنى، فالوحدة والمزاج السيِّئ لا تسبِّبهما الشيخوخة، بل ينجمان عن عوامل أخرى، مثل العزلة، والاكتئاب، ونقص الدعم.
يمكنُ للمسنِّين التغلُّب على هذه التحديِّات من خلال البقاء مع الأصدقاء والعائلة، والانضمام إلى الجمعيَّات والأندية، والتطوُّع، والبحث عن المساعدة المهنية إذا لزم الأمر.
في الختام:
هذه بعض الأسباب والتفسيرات التي تُظهِرُ لماذا يخافُ الناس من التقدُّم بالسن، لكن في النهاية، الشيخوخة ليست شيئاً مخيفاً، بل يجب الاحتفاء بها، فالشيخوخة هي جزء طبيعي ولا مفرَّ منه من الحياة، لكنَّها لا تحتاج إلى أن تكون سلبيَّة أو مخيفة، وثمة العديد من الفوائد والفرص التي تأتي مع الشيخوخة، مثل الحكمة، والخبرة، والنضج، والحريَّة.
يمكن أنْ تكونَ الشيخوخة أيضاً مصدر إلهام وإبداع، فقد تألَّق العديد من كبار السن من خلال إنجازاتهم ومساهماتهم في المجتمع.
أضف تعليقاً