تُعدّ مرحلة المراهقة من أكثر المراحل غرابة وصعوبة بالنسبة للأهل والمدرسين؛ لكونها مترافقة بالكثير من التغيرات الجسدية والنفسية التي تؤثر في نفسية المراهق، وتجعله يبحث أحياناً عن مكانه في هذا العالم. يشعر المراهق أحياناً بعدم القدرة على إيصال أفكاره ومشاعره للبيئة المحيطة به، وغالباً ما يصعب عليه فهم أفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم، فتُشعره تلك العادات بالتقييد، ويرغب في العيش بحرية أكبر. فكيف يمكن للآباء أو المعنيين تحمل تلك التغيرات والتعامل معها بطرائق صحيحة؟
تختلف التحديات والصعوبات التي تواجه الآباء في تربية المراهقين، ويؤدي الوضع العائلي دوراً هاماً. فالحالة ضمن الأسرة المستقرة تختلف عن حالة المراهق في أسرة مفككة وأبوين مشغولين، أو ضمن منطقة نائية ومستوى التعليم والانفتاح على العالم متدنٍ. ولكن عموماً، التحديات التي تواجه تربية المراهقين هي نفسها، ومقالنا الحالي سيوضح لك أبرزها وكيفية تعامل الأهل مع المراهقين بأفضل شكل أيضاً، فتابع القراءة.
التحديات التي تواجه الآباء في تربية المراهقين
يواجه المراهقون مجموعة من التغيرات التي تُعدُّ تحديات بالنسبة للآباء، وفيما يأتي أهم هذه التحديات:
1. التغيرات الهرمونية والنفسية
تُعدّ هذه التغيرات بمنزلة عنوان لمرحلة المراهقة لكونها تغيرات رئيسة، فتزداد هرمونات النمو، ويتغير شكل الجسم، وتزداد مستويات الإستروجين عند الإناث والتستوستيرون عند الذكور، فتظهر علامات البلوغ عليهم. كما تؤثر تلك الهرمونات في مناطق معينة في الدماغ، فتحفز العواطف. وأهم التغيرات النفسية المصاحبة للتغيرات الهرمونية ما يأتي:
- التقلبات المزاجية: ينتقل المراهقون من الغضب للفرح، ثم للحزن وغيرها من المشاعر بسرعة لا يفهمها المحيطون عادة.
- استكشاف الذات: يحاول المراهقون تحديد هويتهم بتجربة أنماط مختلفة من السلوك والتفكير بطريقة مختلفة، باحثين عما يشبههم.
- زيادة الحساسية: يصبح المراهق حساساً جداً للانتقادات السلبية، ويغضب بسرعة عند سماعها.
- تحدي السلطة: يحاول المراهقون القيام بكل ما يزعج المدرسة والمعلمين والأهل، وتحديهم بكافة الطرائق.
- الاهتمام بالأصدقاء: يصبح الأصدقاء محور حياة المراهق، ويركز بكلامهم أكثر مما يركز بكلام أبويه.
- الاهتمام بالمظهر: يحاول المراهق أن يظهر دائماً بأجمل صورة، فيقضي ساعات أمام المرآة لتسريح شعره بطريقة مميزة، ويحاول التفوق على غيره بجمال المظهر.
- التفكير الفلسفي: يبدأ معظم المراهقين بالتفكير تفكيراً معقداً، وطرح أسئلة فلسفية على المحيط.
شاهد بالفيديو: 9 نصائح لمساعدة المراهقين الذين يعانون الاكتئاب
2. التحديات الاجتماعية
يصبح المراهق أكثر حساسية لكل ما يدور حوله وتأثراً فيه، فيُعاني الآباء من السلوكات والأفكار التي يتبناها ابنهم المراهق نتيجة انخراطه مع علاقات غير صحية مع المحيط، ونتيجة وسائل التواصل الاجتماعي التي تُسيطر على حيز كبير من حياة المراهقين حالياً، وتؤدي لمشكلات مثل التنمر الإلكتروني، وإدمان الإنترنت، والمقارنات الاجتماعية. فيحاول المراهق التشبه بغيره واتباع عادات غير صحية كالتدخين، وربما تعاطي المخدرات، وصولاً إلى علاقات عاطفية تصل بهم أحياناً إلى علاقات جنسية مبكرة.
3. التحديات الأكاديمية للمراهقين
يواجه الآباء أيضاً تحديات أكاديمية في حياة المراهق ناتجة عن التغيرات سابقة الذكر، أبرزها التالي:
- تغيّر في الأولويات: يميل معظم المراهقين للاهتمام بالأصدقاء والإنترنت والشكل الخارجي والعلاقات العاطفية، فيخفضون التركيز على الدراسة ويهملون واجباتهم.
- ضرورة تغيير أساليب التعليم: يحتاج المراهقون في هذه المرحلة إلى التعامل معهم بأساليب مختلفة ومراعاة مشاعرهم، وهذا لا يحدث غالباً.
- صعوبة إدارة الوقت: غالباً ما يضيع وقت المراهقين لصعوبة تنظيمه نتيجة تغير الأولويات.
كيف يواجه الآباء تحديات المراهقين؟
تتطلب هذه المرحلة اتباع عدة نقاط هامة بحكمة وصبر لتقوية العلاقة بالمراهق، ليشعر بأنَّه في البيئة المناسبة له وتمر تلك التغيرات بسلام. أهم هذه النقاط:
1. التواصل الصادق والمفتوح
يُعد التواصل من أهم الوسائل التي تقوي علاقتك بابنك المراهق؛ لأنَّه يشعر بأنَّه قادر على التحدث معك في أي وقت وبكل ما يجول في عقله من أفكار، فلا يلجأ للأشخاص الخطأ أو المصادر الخاطئة ليأخذ إجابات عن تساؤلاته الكثيرة في هذه المرحلة. لذلك، شجعه دائماً على طرح الأسئلة من خلال تخصيص الوقت للجلوس معه، والتحدث الصريح عن أهم التغيرات التي تطرأ على الإنسان في فترة المراهقة، وذكر القصص المميزة من فترة المراهقة التي تخصك أو تخص أصدقاءك، ليشعر بأنَّه صديق، فيعبر عن أفكاره بسهولة وحرية وعن تطلعاته ومشاعره.
من ضروريات نجاح التواصل مع المراهق الاستماع الفعال له؛ فلا تقاطع حديثه، ولا تمنعه من إكمال فكرته لأنها مخالفة للعادات. أظهر رغبتك في سماعه فانظر إليه عندما يتحدث، وكن قدوة له ليتعلم التحدث والاستماع بطريقة فعالة، فيتمكن دائماً من التعبير عن نفسه تعبيراً صحيحاً في المنزل أو المدرسة وأي مكان آخر.
2. احترام خصوصيته
لا تعتقد بأنَّ الأهل لهم الحرية بالتدخل في شؤون ابنهم الخاصة، والتجسس على حياته بسؤال أصدقائهم عن سلوكه خفية عنه، أو التجسس على رسائله وهاتفه الشخصي، أو البحث في غرفته في وجوده خارج المنزل، أو الدخول فجأة لغرفته لمعرفة ما يفعله. بل عليك أن تطرق الباب وتحصل على الإذن، وعليك احترام خصوصيته وعدم محاولة معرفة كل ما يدور في حياته، لكي لا يشعر بأنَّه مقيد فيتمرد عليك.
3. تجنب السيطرة الزائدة
يجب أن يشعر المراهق بأنه مسؤول عن حياته أيضاً. لا تفرض رأيك وتجبره على اتباعه، بل شجعه على المشاركة في اتخاذ القرارات، سواء ما يتعلق بالمنزل أم بحياته الخاصة. دعه يختار ملابسه وهواياته والتخصص الدراسي الذي يرغب به لاحقاً. فالمراهق قد يتمرد يوماً ما لتحقيق ما يريد، كما حدث مع أحد معارفي الذي هيّئ ليصبح طبيباً منذ صغره، فأصبح طبيباً، لكنه قدم شهادة تخرجه لوالديه، وحزم أمتعته وسافر ليتعلم الموسيقى ويحقق أحلامه بعيداً عن أحلام والديه.
لا نقصد بترك المراهق دون مراقبة، بل عليك تحقيق التوازن من خلال مساعدته على الاستقلال والتفكير بمستقبله، بتعريفه على مختلف جوانب الحياة، والتحدث عن إيجابياتها وسلبياتها.
شاهد بالفيديو: ماذا تفعل عندما يعاني ابنك المراهق من الاكتئاب؟
4. الاحترام المتبادل
كما ترغب بأن يحترمك ابنك، عليك احترامه والتحدث إليه بطرائق مهذبة، مهما اختلفتم في الآراء ووجهات النظر. قد يكون محقاً لأن الحياة تتغير، وأفكاره مناسبة للعصر الحالي. ربما يمكنه تعليمك وإكسابك مهارات جديدة. وعند الخطأ، لا تتردد بالاعتذار منه؛ فلا يوجد إنسان لا يخطئ.
5. تعزيز السلوك الإيجابي
يجب أن تدعم المراهق ليُظهر أفضل ما لديه، وذلك بالتحدث عن المواقف الإيجابية والتصرفات والسلوكات الصحيحة التي يتبعها، ومدحه أمام الجميع، والثناء عليه عندما يحصل على علامة مميزة في مدرسته أو يحقق نجاحاً معيناً، ليشعر بالسعادة وبأهمية سعيه باتجاه التميز، فيحاول دائماً أن ينال إعجاب والديه والمحيطين، ويشعر بفخرهم به.
6. فهم التغيرات النفسية
لا يمكن فرض حالة نفسية معينة على المراهق؛ لذلك تفهّم مشاعره السلبية تجاه شيء تحبه أو نشاط لا يرغب بالقيام به، ودعه يعيش مشاعره بحرية، ويعبر عن كرهه لنوع من الحلويات مثلاً، أو عدم استمتاعه بوجبة معينة، أو عدم حبه لصديق أو قريب.
من الضروري تشجيعه على اتباع حياة صحية تساعده على تجاوز تلك التقلبات المزاجية والتعايش مع التغيرات الجسدية، مثل:
- إعداد الوجبات الصحية الغنية بالفيتامينات والمعادن الضرورية لجسده.
- تخصيص الوقت يومياً لممارسة الرياضة، ويمكنك اختيار نشاط رياضي مختلف كل يوم.
- التأكيد على أهمية حصوله على قسط كافٍ من النوم يومياً.
- تعليمه تقنيات الاسترخاء ليتعامل مع غضبه وتوتره بأفضل طريقة.
7. تجنب المقارنة
مقارنة المراهق مع غيره ودفعه ليصبح مثل أحد أقرانه يولد الكره تجاه الأقران والمحيطين عموماً، ويدفعه تجاه التمرد على المدرسة والوالدين. لذلك، عليك أن تشعره بأنه مميز ولا يجب أن يشبه أحداً، بل يجب أن يُكون نفسه فحسب؛ لأنَّ كل فرد هو حالة خاصة.
8. المحافظة على الهدوء
من الضروري تجنب العصبية في التعامل مع المراهق، بالرغم من أنَّ الكثير من سلوكاته مستفزة ومثيرة للغضب. لكن عليك البقاء هادئاً حتى في أكثر النقاشات صعوبة، والبحث عن طرائق تُقرب وجهات النظر، والصبر قدر الإمكان عندما يعبر عن نفسه بغضب أو بصوت عالٍ. ومهما كنت غاضباً، تجنب التعامل معه بعنف وحرمان؛ لأنَّ ذلك الأسلوب يزيد الأمر صعوبة.
9. توفير بيئة دراسية مناسبة
يشمل ذلك توفير مكان مريح ضمن المنزل للدراسة، وتشجيعه على تنظيم وقته، وخلق روتين في يومه للدراسة. بالإضافة إلى التواصل مع المدرسة ومتابعة تقدمه، ومعرفة المشكلات التي تعترض ذلك.
في الختام
تربية المراهقين من المراحل الصعبة والحساسة التي يمر بها الآباء، فالمراهق يواجه تغيرات نفسية وهرمونية، وتحديات اجتماعية وأكاديمية. يكون المراهق في هذه المرحلة حساساً جداً وذا مزاج متقلب، ويجب التعامل معه بطريقة مدروسة لتجاوز المرحلة بأمان.
لا تنس أنَّ الصبر والهدوء والحكمة في التعامل أفضل من العنف، لتحافظ على اتزان المراهق وعلاقتك الجيدة معه، وتمر هذه المرحلة بسلام.
أضف تعليقاً