فبمجرد سماع صوت الإشعار نركض إلى الهاتف، وأول ما يفعله كثيرٌ منا لحظة استيقاظه مد أيديهم إلى الهاتف وتفقّد مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن برأيك، أليس لهذا الإدمان الرقمي الذي يتسلل إلى حياتنا عواقب؟
تابع القراءة لتعرف تأثير وسائل التواصل وتداعياته التي تستوجب الانتباه والحذر.
التأثيرات النفسية لمواقع التواصل الاجتماعي
مواقع التواصل الاجتماعي بيئة تؤثر على صحتنا النفسية بصورة كبيرة، ومن تأثيرات وسائل التواصل نذكر ما يلي:
1. القلق والاكتئاب
يرتبط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة بزيادة الاكتئاب والقلق، وخاصة بين المراهقين وفئة الشباب، فمثلاً عندما تنشر فيديو أو صورة أو منشوراً مضحكاً يعجب العائلة والأصدقاء ويعبّرون لك عن ذلك، تشعر بالسعادة، وهذا هو تنشيط مركز المكافأة في الدماغ، وعندما لا تتمكن من نيل إعجاب الآخرين يحدث العكس، أو عندما تتابع المشاهير والمؤثرين وترى حياتهم المليئة بالعمل والرحلات والتجارب المتنوعة، يزداد شعورك بالاكتئاب إن لم تتمكن من القيام بالأشياء ذاتها، وهذا ما يُسمى الخوف من فوات الشيء (FOMO)، حيث تشعر بأنه يفوتك شيء هام فتقلق.
2. تأثير على تقدير الذات
قد يكون تأثير وسائل التواصل على تقدير الذات إيجابياً أحياناً، ولكن كثيراً ما يكون سلبياً إن قارنت نفسك بالآخرين دون إدراك أنَّ ما تراه هو صور مثالية للعلاقات والنجاحات وجمال الوجه والجسد، حيث أصبح للجمال معايير غير واقعية كالخصر النحيف والأنف المنحوت والفم الممتلئ مثلاً، ومَن لا يمتلكها فهو غير جميل، وأصبح عدد المتابعين والإعجابات والتعليقات مقياساً للقيمة الذاتية، ويزداد الوضع سوءاً عند التعرض للمضايقات والتنمر الإلكتروني.
3. الإدمان الرقمي
هو إدمان سلوكي ناتج عن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، لأنَّ الدماغ ربط تلك النشاطات بمشاعر إيجابية، فتبحث عن ذلك الشعور باستمرار هرباً من الملل والوحدة أو ضغوطات العمل أو الفشل في الحياة الاجتماعية، وسهولة الوصول إليها تزيد من تأثير وسائل التواصل والتعلق بها.
4. اضطرابات النوم
أوضحت دراسة بريطانية أُجريت في 2018 أنَّ العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والنوم عكسية، فالضوء المنبعث من الشاشات يخدع الدماغ فيعتقد أنَّنا في النهار ويؤخر الشعور بالنعاس ويصبح النوم أكثر صعوبة، ووصول الإشعارات أثناء النوم يؤدي إلى نوم متقطع وغير مريح.
التأثيرات الاجتماعية لاستخدام مواقع التواصل
تأثير وسائل التواصل في حياتنا الاجتماعية كبير جداً، وفيما يلي مجموعة من أكثر التأثيرات انتشاراً:
1. العزلة الاجتماعية وضعف التواصل الحقيقي
يكثر اليوم استبدال التواصل الحقيقي بالتواصل الافتراضي، فبدلاً من تخصيص وقت يومي لرؤية عائلتك أو صديقك المقرب، تكتفي بالمحادثة معهم عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي ومشاركتهم الصور والفيديوهات التي تخبرهم من خلالها عن نشاطاتك، وتعتمد على الرموز التعبيرية في التعبير عن مشاعرك وأفكارك بدلاً من نبرة الصوت والتواصل الجسدي، وكل ما سبق يقودك إلى عزلة اجتماعية لتجنب المواجهات والنقاشات التي تتطلب تفاعلاً مباشراً، فكثيراً ما يزداد الشعور بعدم الأمان في التفاعلات الاجتماعية ويدفعك ذلك للانسحاب.
2. التنمر الإلكتروني
يتعرض كثيرٌ منا يومياً لنوع من أنواع التنمر، وهو التنمر الإلكتروني المرتبط باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فالآن من السهل نشر شائعات وأكاذيب مؤذية أو مشاركة صورة قديمة أو مقطع فيديو مُحرج بدون موافقة صاحب العلاقة، أو استخدام لغة عنصرية ومهينة عند التعليق لشخص، وكذلك انتحال الشخصية أو اختراق حساب شخص لنشر محتوى غير لائق به، كما كثر إنشاء علاقات الصداقة والعلاقات العاطفية المزيفة بقصد إحراج شخص وإذلاله.
3. تأثير على الإنتاجية والعمل
يضعف تأثير وسائل التواصل على الصحة النفسية والاجتماعية ومواجهة التنمر الإلكتروني الثقة بالنفس؛ مما يخفض الإبداع والابتكار، فتتراجع القدرة على تطوير العمل وحل المشكلات، كما أنَّ قضاء وقت طويل في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة آخر الأخبار يضيع الوقت، فيتأخر إنجاز المشاريع والمهام المطلوبة، بالإضافة إلى أنَّ التركيز ينخفض فالذهن مشتت، وهذا يعني وقوعك في كثيرٍ من المشكلات وارتكاب الأخطاء نتيجة تجاهل التفاصيل الهامة في العمل، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية.
شاهد بالفديو: 4 عادات للتخلص من التشتت بفعل الأجهزة الرقمية روبن شارما | Robin Sharma
كيفية التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي بوعي
يمكنك مواجهة تأثير وسائل التواصل على حياتك والتعامل مع سلبياته بحكمة ووعي لتتحكم بحياتك، وذلك من خلال اتباع ما يلي:
1. تحديد وقت الاستخدام
- استخدم تطبيقات لتتبع مقدار الوقت الذي تقضيه في مواقع التواصل الاجتماعي، أو مارس المراقبة الذاتية بالانتباه وتدوين وقت بدء التصفح والوقت الذي يجب عنده التوقف. استخدم المنبه ليخبرك بوصولك إلى الحد وحاول الالتزام بالخطة لتصبح عادة.
- في الصباح، حاول تأخير تفقد مواقع التواصل الاجتماعي. يفضل إزالة التطبيقات من الشاشة الرئيسية ووضعها في مجلد خاص لكي لا تراها في كل مرة تستخدم هاتفك.
- أثناء العمل، فعّل وضع "عدم الإزعاج" لتجنب المقاطعة.
2. تصفية المحتوى السلبي
- تخلَّص من تأثير وسائل التواصل السلبي بإلغاء متابعة مَن ينشر محتوى يغضبك أو يحزنك أو الصفحات التي تنشر أخباراً سلبية باستمرار.
- تابع فقط الأشخاص المفيدين، فكلما قل عدد الأشخاص الذين تتابعهم، قل المحتوى الذي ستراه.
- استخدم أدوات الإبلاغ المتاحة للإبلاغ عن المحتوى السيئ والمخالف لأخلاقيات المجتمع لتساهم في حماية الآخرين أيضاً.
3. تعزيز التواصل الحقيقي
- نظِّم وقتك وحدد وقتاً للقاء العائلة والأصدقاء شخصياً وبانتظام.
- حاول أن تشارك في نشاطات اجتماعية واقعية، مثل التطوع في الجمعيات أو الانتساب إلى النادي الرياضي.
- شارك في الفعاليات التي تحدث في حيك ومدينتك واستمتع بالتواصل البصري والتعبير بالإيماءات عن شعورك ومشاركة أفكارك بطريقة طبيعية دون محاولة تقديم صور مزيفة عن حياتك.
- إن كنت بعيداً عن العائلة مثلاً، اعتمد على المكالمات الصوتية والمرئية في التواصل أكثر من اعتمادك على مواقع التواصل الاجتماعي.
4. الابتعاد عن الهاتف قبل النوم
- تأثير وسائل التواصل على النوم خطير؛ لذلك توقف عن تصفحها قبل النوم بساعتين واستبدلها بقراءة كتاب أو الاستماع إلى الموسيقى أو القيام بحمام دافئ للاسترخاء أو تدوين اليوميات.
- اجعل غرفة نومك خالية من الأجهزة الإلكترونية. وإن كنت مضطراً لترك الهاتف في غرفة النوم، قم بإسكات الإشعارات والمكالمات حتى الاهتزاز لتغرق في نوم عميق.
5. التعامل مع التنمر الإلكتروني بحكمة
- واجه التنمر الإلكتروني بوعي من خلال حماية نفسك بجعل ملفاتك الشخصية خاصة قدر الإمكان للحد من وصول المتنمرين إلى صورك.
- احظر مَن يسيء إليك وتحدث عن تلك المضايقات لشخص موثوق لتحصل على الدعم العاطفي الذي تحتاجه.
- يفضل ألا تجابه المتنمر لكي لا يستنزف طاقتك، بل تجاهله واعتنِ بصحتك النفسية. فكلما تضايقت، أغلق الهاتف ومارس الاسترخاء وقم بأنشطة تستمتع بها.
شاهد بالفديو: سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي
دور الوعي الرقمي في تحقيق التوازن
يساعدك استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بوجود الوعي الرقمي على تحقيق التوازن، فلا يؤثر سلباً على حياتك وصحتك النفسية والعقلية، ويتم ذلك من خلال ما يلي:
1. تعلُّم مهارات التفكير النقدي
يُعدُّ تعلُّم مهارات التفكير النقدي أحد أهم أدوات مواجهة تأثير وسائل التواصل السلبي؛ إذ يساعدك على التشكيك فيما تراه وتقرأه عليها، وفهم وجهات النظر والطرائق التي يؤثر بها المؤثرون على سلوكياتنا وحياتنا عامة. وتتعلَّم التفكير النقدي بطرح الأسئلة باستمرار والبحث عن زوايا مختلفة ترى منها الموضوعات وتقييم الأدلة لتحديد درجة مصداقيتها، وذلك بقراءة الكتب ومناقشة الأصدقاء وأشخاص تثق برأيهم فيما تراه، واستخدام الألعاب والألغاز المخصصة لتطوير مهارات التفكير النقدي.
2. استبدال العادات الرقمية السلبية بعادات إيجابية
لا تحاول تغيير جميع العادات دفعة واحدة، بل حدد ما تريد تغييره وفكر في الأنشطة الإيجابية المتناسبة مع حياتك وابدأ بأهداف صغيرة واربط العادات الإيجابية بمكافأة، وقم بالتخطيط المسبق لتحديد وقت كل نشاط ومهمة خلال يومك، فلا تجد وقتاً يدفعك فيه الملل إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
فمثلاً، مارس التأمل وبعض الرياضة صباحاً، ثم انطلق إلى العمل وقم بالتسوق وإعداد وجباتك بنفسك ومارس هواياتك أو الرياضة عصراً، واقرأ أو استمتع مع الأصدقاء أو العائلة مساءً وتجنب استخدام هاتفك أثناء تلك النشاطات.
3. تطبيق مبدأ "التوازن الرقمي"
يشير المبدأ إلى إنشاء علاقة صحية مع التكنولوجيا، فلا تمتنع عنها بل استخدمها بطريقة تخدم حياتك المهنية والشخصية، وذلك باتخاذ إجراءات عملية لتحديد كيفية استخدامها، كأن تحدد أوقاتاً تكون فيها غير متصل كوقت قضاء العطلة الأسبوعية وتناول الطعام والقراءة والعمل، وقبل فتح أي تطبيق اسأل نفسك عن سبب فتحه والوقت الذي ستقضيه باستخدامه، وتحديد المواقع التي يُمنع فيها استخدام التكنولوجيا كغرفة النوم.
في الختام
لا تسمح للإدمان الرقمي بالسيطرة عليك، فالآن تتحكم مواقع التواصل الاجتماعي بحياة الكثير منا؛ لذلك تحدثنا عن تأثير وسائل التواصل على الحالة النفسية والاجتماعية لتكون واعيًا بالمخاطر المحيطة بك كالقلق والعزلة الاجتماعية والتنمر الإلكتروني، وتحدثنا عن كيفية مواجهتها بتحديد وقت الاستخدام وتعزيز التواصل الحقيقي مثلاً، كما تحدثنا عن كيفية تحقيق التوازن الرقمي فاستفد من نصائحنا لتسيطر على حياتك وتستفيد من مواقع التواصل الاجتماعي دون السماح لها بالتأثير سلباً عليك.
أضف تعليقاً