الولادة والنشأة والتحصيل العلمي لمحمد ابراهيم:
ولد محمد فتحي إبراهيم بتاريخ الثالث من شهر أيار من العام 1946 ميلادي، في مدينة حليفا القديمة في السودان، ثم غادرت عائلته إلى مصر بسبب عمل والده حيث كان يعمل بالتجارة، ونشأ وترعرع في مصر، وحصل على الدرجة الأولى في الثانوية العامة؛ حيث كرم من قِبل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر آنذاك.
التحق محمد بجامعة الإسكندرية، وتخرَّج فيها حاصلاً على شهادة الهندسة الكهربائية، وفي العام 1974 ميلادي حصل على قبول من جامعة برادفورد في إنكلترا، وبالفعل التحق بها وحصل على شهادة الماجستير في الهندسة الإلكترونية والكهربائية.
لم يكتفِ محمد بذلك؛ بل تابع في جامعة برمنغهام وحصل على شهادة الدكتوراه في مجال الاتصالات، وكان موضوع رسالته عن "إعادة استخدام الترددات الراديوية" وفي أثناء دراسته الدكتوراه كان يُدرس أيضاً في جامعة برمنغهام.
حياة محمد إبراهيم العملية:

بدايات عمله:
في أوائل الثمانينات وبعد أن تمكَّن محمد إبراهيم من الحصول على درجة البروفيسور عمِل مدرِّساً لمواد الاتصالات في جامعة " Thames Polytechnic" والتي تُعرَف حالياً باسم جامعة "Greenwich"، وفي العام 1983 ميلادي قرَّر محمد ترك مجال التدريس، وتمكَّن من شغل منصب المدير التقني في شركة "Greenwich"؛ حيثُ كان مسؤولاً عن إدارة العمليات اللاسلكية فيها، وكانت هذه الشركة تابعة لشركة الاتصالات البريطانية "British Telecom" وكانت من أكبر شركات الاتصالات البريطانية آنذاك.
وفي العام 1989 ميلادي قرَّر إبراهيم ترك العمل في شركة "British Telecom" بعد أن اكتسب خبرة عميقة جدا في مجال الاتصالات، ويقول إبراهيم عن تلك المرحلة: "عندما تركتُ وظيفتي في كبرى الشركات في لندن، أصبت بالإحباط، فقد فقدت معها سيارتي، وسكرتيرتي، وهاتفي النقال، وكل المميزات الجميلة، وأمام هذا الوضع البائس قررتُ أن أصبح مستشاراً".
تأسيس شركته الخاصة:
وبالفعل لم ييأس محمد وقرَّر تأسيس شركته الخاصة "Mobile Systems International" ومن الجدير بالذكر أنَّه افتتح شركته بداية الأمر في منزله وتحديداً في غرفة الطعام، وكانت هذه الشركة عبارة عن شركة استشارات وبرمجيات، ومختصة اختصاصاً أساسياً بتصميم شبكات الهواتف النقالة.
ومع تزايد التطور والتقدُّم في مجال الاتصالات اللاسلكية في جميع أنحاء العالم، لاحظ محمد النقص الشديد الذي تعاني منه قارته إفريقيا في هذا المجال، فقرر في العام 1998 ميلادي سدَّ هذا النقص، وتقديم جميع احتياجات المستهلكين، وعلى الرغم من تحذيرات الخبراء بألا يفعل ذلك لكنَّه أسَّس شركة "MSI Cellular Investments" والتي سميت فيما بعد باسم "Celtel".
وكانت هذه الشركة عبارة عن مزوِّد خدمة وليست مختصة باستشارات التصميم، وبدأت شركته هذه في أوغندا، ثم توسَّعت وافتتح فروعاً لها في سيراليون، والجابون، والكونغو، ومالاوي.
وقال إبراهيم عن تلك المرحلة: "في فترة التسعينات، وحين أردت أن أجلب الاتصالات النقالة لإفريقيا، نصحني الخبراء بألا أفعل ذلك، فاسم هذه القارة كان مرادفاً لعدم الاستقرار، والانقلابات، والثورات، والفساد، والرشاوى، وحتى لو تخطَّيت ذلك فسيكون عليَّ أن أقرض الناس المال ليشتروا به الهاتف النقال ليستخدموا خدمات شبكتي، لكنَّني قررت أن أفعل ذلك، على الرغم من هذه النصائح".
وتمكن إبراهيم من جعل "Celtel" من أكبر مزودي خدمة الاتصالات في القارة الإفريقية، وحقق نجاحا ضخما، عندما انتشرت خدمته في حوالي 12 بلداً إفريقياً، ومن الجدير بالذكر أنَّه وفقاً للإحصاءات زاد عدد مستخدمي الهواتف النقالة في هذه القارة من 7.5 مليون مشترك في العام 1999 ميلادي، ليصل نحو 76.8 مليون مشترك في العام 2004 ميلادي، وقال إبراهيم في إحدى مقابلاته: "لقد غيَّرت صناعة المحمول في إفريقيا".
التحديات والصعوبات التي واجهت مو ابراهيم:
ومن العوائق الكبيرة والصعوبات التي واجهت مسيرة محمد إبراهيم العملية؛ الفساد، والرشاوى التي كانت مستفحلة في الدول الإفريقية، ولكنَّه على الرغم من كل ذلك قرر عدم الموافقة على إعطاء أو قبول أي رشوة من قِبله أو من قِبل المساهمين في شركته، واستطاع أن يفرض ذلك على جميع مَن تعامَل معه.
ومن هذه العوائق أيضاً كيفية إقناع المواطنين الأفارقة بشراء الهاتف النقال وشحن الرصيد في ظل الفقر الذي كان سائداً، ولكنه تمكن أيضاً من التغلب على هذا العائق من خلال البدء بالإنتاج بتقنياتٍ غير مكلفة كثيرا، وبيع خطوط الاتصالات بعقود شهرية؛ حيثُ كان البيع مقتصرا على البطاقات المسبَقة الدفع.
بيع شركاته الخاصة والاتجاه نحو الأعمال الخيرية:
في العام 2000 ميلادي قرر بيع شركته "Mobile Systems International" لشركة "Macroni" مقابل 900 مليون دولار أمريكي، وكانت شركته آنذاك تضم 17 شركة تابعة لها، وكان عدد الموظفين في جميع هذه الفروع مع الشركة حوالي 800 موظفاً، يملكون 30% من حصة الشركة.
وفي العام 2005 ميلادي وتحت ضغط المساهمين وعلى الرغم من عدم رغبته، باع محمد شركة "Celtel" لصالح شركة الاتصالات الكويتية "Kuwait’s Mobile Telecommunications" مقابل 3.4 مليار دولار أمريكي.
وفي العام 2006 ميلادي قرر إبراهيم التوجه نحو الأعمال الخيرية فأنشأ مؤسسة "Mo Ibrahim foundation" بجهد خاصٍ منه لتنمية القارة الإفريقية واختار لندن مقرا لها.
جائزة الحكم الرشيد:
تواجه القارة الإفريقية الكثير من التحديات، ويواجه قادتها قضايا يريدون أن يخرجوا بشعوبهم من ظلالها، مثل: قضية الفقر، والجهل، والكهرباء، فنجاح هؤلاء القادة أمرٌ ضروريٌ لحياة الملايين من البشر في إفريقيا.
لذا وفي العام 2007 ميلادي أطلقت مؤسسة "Mo Ibrahim foundation" جائزة الحكم الرشيد، وهي أكبر جائزة عالمية تطبقها مؤسسة خيرية تُمنح لرؤساء الدول والحكومات في إفريقيا لتشجيع الحكم الرشيد وإشاعة الديمقراطية، والتنمية، والعدالة، وتبلغ قيمة الجائزة 5 ملايين دولار أمريكي، وراتبا شهريا قيمته 200 ألف دولار أمريكي مدى الحياة.
من الجدير بالذكر، هنا أنَّ مو إبراهيم هو المموِّل الوحيد لهذه الجائزة، وقد قال إبراهيم في إحدى مقابلاته التلفزيونية عن أهمية وجود مثل هذه الجائزة:
"لقد وصلنا لقناعة؛ دون الحكم الرشيد لن نحلَّ أي مشكلة في إفريقيا؛ حيثُ إنَّ حجم المساعدات لإفريقيا كان 70 ألف مليون دولار في السنة، بالإضافة إلى الدخل القومي الخاص بالـ 35 دولة في إفريقيا، فإذاً لماذا نحن لم نستطع المشي قدما؟ وما هي المشكلة؟ إفريقيا قارة غنية جداً بل ومن أغنى قارات العالم، والأفارقة قليلون؛ كلهم حوالي (940 إلى 950) مليون نسمة أي حوالي ثلثي الهند، إذا لماذا نحن فقراء وحالنا بهذا الشكل؟ الحجج المقدمة هي الاستعمار، ودائماً ما نلقي بالأخطاء على الآخرين".
رحب قادة عالميون بارزون بهذه الجائزة التي حدد مو إبراهيم ملامح الدليل الذي يتم بموجبه قياس التميز في ممارسة السلطة، فهي تمنح لرؤساء انتهت فترة حكمهم وكانوا متميزين، ومن أقوالهم عنها نذكر لكم ما يلي:
كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة السابق:
- "تُسهم جائزة مؤسسة مو إبراهيم بتركيزها على الجيل الجديد من القادة، وإبراز خطواتهم الجادة في بناء قيادة إفريقية مُستنيرة".
- "إنَّ الحكم الرشيد والديمقراطية من الأمور الهامة فمن دونهم سيكون من الصعب إن لم يكن مستحيلاً أن تصل أي دولةٍ إفريقية إلى أهداف التنمية في الألفية الجديدة حتى عام 2050".
- "نأمل أن تعمل مبادرة مو إبراهيم على إلهام القادة الأفارقة، وتقدير أفضلهم وتزويد القادة القادمين بالعلم، والمعرفة، والخبرة، التي يحتاجون إليها في المستقبل".
بيل كلينتون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق:
- "إنَّ المهام والصعاب التي تواجه القادة الأفارقة كثيرة، وتتوقف حياة الملايين من البشر على هؤلاء القادة؛ لذا يجب تقديم هؤلاء الناجحين الذين حققوا نتائج ملموسة لشعوبهم".
- "أشكر مو إبراهيم على روح القيادة التي يظهرها من خلال الجائزة التي تمكنا جميعاً من العيش في مستقبلٍ أفضل".
نيلسون مانديلا رئيس جنوب إفريقيا السابق:
- "تعمل جائزة مؤسسة مو إبراهيم على رفع معيار الحكم على الحكم الرشيد".
- "نأمل أن تعمل هذه الجائزة على تشجيع أجيالٍ جديدة من القادة الأفارقة للسير على خطى الفائزين بها".
جواكيم سيبسانو رئيس موزمبيق السابق وأول فائز بجائزة الحكم الرشيد:
- "أود بدايةً أن أعبر عن جزيل شكري للجنة المؤسسة التي منحتني الجائزة لما حقَّقته في إطار القيادة الإفريقية".
- "يجب علينا أن نحارب الفساد، وندعم التكامل والحكم الرشيد".
الجوائز التي نالها محمد ابراهيم:

لقد حصد محمد إبراهيم الكثير من الجوائز تكريماً له على ما قام به من ثورة في مجال الاتصالات في القارة الإفريقية، ومن أهم هذه الجوائز والتكريمات التي نالها ما يلي:
- منِح درجة الدكتوراه الشرفية في الاقتصاد من قِبل جامعة كلية لندن للدراسات الإفريقية والشرقية.
- منح جائزة "GSM Association Chairman's Award" الفخرية في العام 2007 ميلادي.
- جائزة "BNP Paribas Prize" للأعمال الخيرية في العام 2008 ميلادي.
- جائزة "Clinton Global Citizen" في العام 2010 ميلادي.
- منح الدكتوراه الشرفية في القانون من قِبل جامعة بنسلفانيا في العام 20011 ميلادي.
- منح جائزتي "Africare Leadership Award" و"Kiel Institute Global Economy Prize" في العام 2011 ميلادي.
- منح في العام 2012 جائزتين عن أعماله التي قام بها لتنمية إفريقيا وهما: "Millennium Excellence Award" و"David Rockefeller Bridging Leadership Award".
- منِح لقيادته وخدماته المتميزة ميدالية أيزنهاور "Eisenhower Medal".
- منِح ميدالية "Foreign Policy Association Meda".
حياة محمد ابراهيم الشخصية:
زوجته الأولى هي المستشارة والاختصاصية السابقة في العلاج بالأشعة في "ناشيونال هيلث سيرفيس" هنية المرسي، وله منها ابنة اسمها هديل وهي المديرة التنفيذية لمؤسسة "Mo Ibrahim"، وابن اسمه هوش وهو ممثل.
وحالياً محمد إبراهيم متزوج من سكرتيرته الإنجليزية. كما أنَّ محمد إبراهيم معروف بأعماله الخيرية؛ حيث بنى المستشفيات والمدارس وساعد الفقراء كثيراً في معظم دول القارة الإفريقية.
أغنى رجل في السودان:
يعتبر محمد فتحي ابراهيم الملقب بـ مو ابراهيم أغنى رجل في السودان، حيث قدرت ثروته الصافية بـ 1.2 مليار دولار أمريكي سنة 2023. فقد امتلك واحدة من أكبر شركات الاتصال في قارة إفريقيا والتي تقاضى ثمنها عام 2005 حوالي 3.4 مليار دولار.
في الختام:
تناولنا في هذا المقال قصة حياة محمد فتحي ابراهيم الملقب بـ مو ابراهيم وهو أغنى رجل في السودان، الرجل الذي استثمر في الهواء (شركات الاتصال) ومنه حقق نجاحا لا مثيل له.
أضف تعليقاً