وأيُّ خطابٍ تنويريٍّ حداثيٍّ نسويٍّ إنَّما يطمحُ في المُحصِّلةِ الكليَّةِ إلى تمكينِ المرأةِ من ممارسةِ الحقوقِ الاجتماعيَّةِ والسياسيَّةِ والقضائيَّةِ، ويظلُّ أحدُ أهدافِه المركزيَّةِ المناداةُ بضرورةِ إعادةِ النَّظرِ في قوانينِ الأحوالِ الشخصيَّةِ، وقراءةِ مُجملِ الأفكارِ التقليديَّةِ حول المرأةِ في الخطابِ السَّلفيِّ والشعريِّ، في ضوءِ أُطروحاتٍ نقديةٍ بنَّاءةٍ، مع التركيزِ على ضرورةِ مراعاةِ التطورِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ والاقتصاديِّ للمجتمعِ ومدى وضوحِ ذلك التطورِ في صورةِ المرأةِ في الكتبِ المدرسيَّةِ، من دونِ إهمالِ التعليمِ والصحةِ للمرأةِ والطفلِ، وتحقيقِ الرعايةِ النفسيَّةِ والثقافةِ الدينيةِ السليمةِ، وتذويبِ الفوارقِ الطبقيَّةِ بين النساءِ أنفسهنَّ، مع عدمِ استغلالِ أوضاعهنَّ الاجتماعيَّةِ القاسيةِ وعدمِ الاتِّجارِ بأجسادهنّ.
وفي واقعِ الأمرِ نجدُ أنَّ خطابَ "الحريم" في ظفارَ خطابٌ ينتصرُ بشكلٍ كبيرٍ ومبالَغٍ فيه لسلطةِ وثقافةِ العاداتِ والتقاليدِ البطريركيةِ الارتداديةِ، ذاتِ النهجِ الراديكاليِّ المنحازِ للرَّفضِ والانغلاقِ والتَّباعُدِ، والقابلِ على مضضٍ لنموِّ التغيرِ والتطورِ والتقاربِ والانفتاح؛ فمن ناحيةٍ لا تجرؤ "الحريم"، مهما كان شأنُهنَّ الثقافيُّ، على تفكيكِ ذهنيَّةِ المَتْنِ الفحوليِّ، وفضحِ الأمراضِ النفسيَّةِ والاجتماعيَّةِ التي أخذتْ تستشري في المجتمعِ وتؤثِّرُ على الجنسين، لأنَّ الهيمنةَ الاجتماعيَّةَ القَبَلِيَّةَ تقفُ حاجزًا أمامَ الثقافةِ التنويريَّةِ، فيظلُّ الصوتُ الثقافيُّ محصورًا بين حشدٍ منَ الحريمِ اللَّواتي يُشكِّلنَ قوةً اجتماعيَّةً رافضةً، وفي المقابلِ لا يسعى (الذُّكورُ)، لكونِهم مهيمنين اجتماعيًّا وثقافيًّا بقوةِ العاداتِ والتَّقاليدِ، لا يسعون إلى زعزعةِ ما قد ترسَّبَ من أفكارٍ ذهنيَّةٍ مؤدلجةٍ، لما قد يُشكِّلُه فعلُ الزعزعةِ من تبديلٍ في الوظائفِ والأدوارِ الثقافيةِ الجديدةِ مبعثُه الخوفُ من شروطِ الحداثةِ والمََدنيَّة.
إنَّ الناظرَ إلى بعضِ الأفكارِ المترسِّبةِ في الذهنيةِ المجتمعيةِ في ظفارَ يجدُ أنَّها، على الرَّغمِ من التطورِ في التعليمِ والعملِ الذي لامَسَ جوانبَ مُتعدِّدةً في مجالاتِ الحياةِ، يجدُها ذهنيَّةً متناقضةً تتعاملُ مع موضوعاتٍ تتعلَّقُ بالمرأةِ، بالقهرِ والاستلابِ، فعلى سبيلِ المثالِ: لا تزالُ مشاركةُ المرأةِ في الترشحِ لمجلسِ الشورى محفوفةً بالمخاطرِ والاستهانةِ، فمنطقُ العقليةِ القَبَلِيَّةِ للمكانِ ما زالَ ينظرُ إلى المرأةِ على أنَّها عقلٌ ناقصٌ ثقافيًّا، وبالتَّالي سياسيًّا.
ومن جانبٍ آخرَ إذا أمعنَّا النظرَ في وثيقةِ عقدِ الزواجِ التي تُمنحُ للزوجينِ نجدُها وثيقةً ناقصةً، إذْ لا يتمُّ التَّأكيدُ فيها أنَّ "للمرأةِ والرجلِ حقوقًا متساويةً عند إبرامِ عقدِ الزواجِ، وأثناءَ وجودِه ولحظةَ فسخِه"، والأمرُ نفسُه يحدثُ مع وثيقةِ الطَّلاق!. ويتَّضِحُ من هذا القصورِ "وبشكلٍ دقيقٍ فإنَّ غالبيةَ النساءِ يجهلنَ حقوقهنَّ أو يعلمنَها ولا يجرؤنَ على المطالبةِ بها، بسببٍ من رفضِ الرجالِ أو رفضِ العائلةِ. وحَرِيٌّ بالمحاكمِ الشَّرعيةِ في البلدانِ العربيةِ أنَّ تعتمدَ نموذجًا خاصًّا لعقدِ الزواجِ، تُوضَّحُ فيه الحقوقُ الممنوحةُ للزوجةِ والزوجِ، كي يكونا على بينةٍ من أمرِهما قبلَ توقيعِ العقد".
إنَّ المدينةَ- أيُّ مدينةٍ- إنَّما تُعبِّرُ عن مجتمعِها والعقليَّةِ التي تُنظِّمُه، والأشياءِ التي تُقالُ فيه وحولَه، وتلك التي تمَّ تجاوزُها تلعبُ دورًا مهمًّا في كشفِ المخبوءِ والمستورِ، والعيبِ الذي لا يُرادُ إظهارُه أو الإشارةُ إليه، أو حتَّى البوحُ به. وفي ظِلِّ هذه الصورةِ القاتمةِ لا يمكنُ أنْ يكونَ للعلاقاتِ بين فئاتِ المجتمعِ بعدٌ واحدٌ، فالنظرُ إلى المكانِ والتَّعاطي مع احتمالاتِه الممكنةِ، أو احتمالاتِه المأمولةِ، لا يمكنُه أنْ يكونَ تعاطيًا أُحادِيًّا يَقتصِرُ على فئةٍ دونَ أخرى، وكذلك ليستْ للحريمِ أوِ الذُّكورِ صورةٌ واحدةٌ، لكنَّ التَّعَمُّدَ يكونَ بأنْ تظلَّ للمكانِ هنا صورةٌ نمطيَّةٌ ومتكلِّسةٌ، فهذا أمرٌ خطيرٌ، وتتبدَّى خطورةُ الأمورِ الخطيرةِ في مجملِ التَّناقضِ الذي يحدثُ في العلاقاتِ البشريَّةِ في المجتمع، ففي بعضِ المناسباتِ الوطنيةِ يقتصرُ أداءُ الرَّقصاتِ الشعبيةِ على فئةٍ معينةٍ منَ النِّساءِ، ناهيكَ عن أنَّ توزيعَ تلك الفئاتِ على مِنَصَّةِ العرضِ يكشِفُ مدى التَّهميشِ، أو فلنقلْ: الازدواجيَّةِ في الطَّرحِ. وينطبقُ الأمرُ على المهرجاناتِ السياحيَّةِ التي بدأتْ تُقامُ في المحافظةِ منذ عشرِ سنواتٍ، فقد لاحظَ السَّائحُ أنَّه يتمُّ تخصيصُ يومٍ للنساءِ فقط، وهذا التَّخصيصُ شبيهٌ بتخطيطِ الغرفِ في المطاعمِ تحتَ دعاوى الخصوصيةِ الحريميَّةِ والشفافيةِ والحرية!، فكيف نُوفِّقُ في الفهمِ بين أبعادِ استراتيجيةِ هذا التخصيصِ والصورِ والممارساتِ المتناقضةِ للحريمِ أنفسهنَّ في الأيامِ العاديةِ؟: كيف نفهمُ ذهابَ الحريمِ للعملِ وهنَّ يرتدين العباءةَ والخمارَ، وما أنْ تدخلِ الموظفةُ مكتبَها حتَّى تقومَ بخلعِ الخمار؟. وكيف نفهمُ ذهابَ الحريمِ للخيَّاطينَ وهنَّ متَّشحاتٌ بالسَّوادِ، وما أنْ تبدأ في شرحِ التَّفاصيلِ المتعلِّقةِ بالقصِّ والحذفِ والإضافةِ للثوبِ أو العباءةِ للخياطِ الأجنبيِّ حتَّى تبدأ في التَّخلِّي عنِ الخمار؟، وكيف نفهمُ أنْ لا تخجلَ الحريمُ من إرضاعِ أطفالهنَّ أمامَ العاملِ الأجنبيِّ في المستشفى، ويخجلنَ من ذلك السلوكِ أمامَ ابنِ البلد؟، وكيف نفهمُ إقبالَ الحريمِ على الاعتناءِ بأنوثتهنَّ داخلَ محالِّ التجميلِ التي تتوافرُ فيها عاملةٌ أجنبيةٌ، في حين يخجلنَ رافضاتٍ أنْ تعتَني بأنوثتِهنَّ بنتُ البلد؟.
إنَّه تناقضٌ منشؤه الزَّيفُ والقهرُ والكبتُ من جهةٍ، وسذاجةُ العمامةِ القبليةِ من جهةٍ أخرى، فمَنْ يقدُّ القميصَ للآخرِ: المرأةُ أمِ الرَّجل؟.
*حريمُ الغارف والضَّواغي
إنَّهنَّ حريمُ الأجرِ اليوميِّ المقطوعِ، أو مَنْ يمكنُ تسميتُهنَّ بطبقةِ الحريمِ المُسْتَغَلَّةِ، أو بتعبيرٍ آخرَ ("الشَّغِّيلات")، وهُنَّ من ناحيةٍ أخرى شغِّيلاتٌ منتجاتٌ غيرُ مستهلِكاتٍ، لأنَّهنَّ طبقةٌ نسائيةٌ فقيرةٌ وكادحةٌ، تُناضلُ من أجلِ العيشِ بكرامةِ، وتحرصُ على إحداثِ الأثرِ والتَّبدُّلِ العميقِ في حياةِ عائلتِها المُعتمِدَةِ عليها في المعيشة.
في ظلِّ تواجدِ هذه الفئةِ منَ الحريمِ الشَّغِّيلاتِ والأُمَّياتِ اللَّواتي يُوزَّعنَ على قطاعاتٍ حكوميَّةٍ ولا يتمتَّعنَ بحقوقٍ مدنيَّةٍ تحميهنَّ منَ الفقرِ والمرضِ والجوعِ والبطالةِ المُقنَّعةِ، ويُناضِلنَ من أجلِ محوِ أُمِّيَّتِهنَّ كيفما تيسَّرَ لهنَّ، ويحرصنَ على توفيرِ أقساطِ المعيشةِ الاقتصاديَّةِ. نلحظُ في مقابلِ حضورِهنَّ وبروزهنَّ الغيابَ المطلقَ لأدوارِ ووظائفِ الحريمِ الأرستقراطيَّاتِ اللَّواتي يتمتَّعنَ بجميعِ الحقوقِ والواجبات. وهذه الصورةُ تكشفُ عنِ الوضعِ الاجتماعيِّ الفوقيِّ والاقتصاديِّ المأزومِ والمزخرفِ ظاهريًّا بأنَّ المكانَ بخير!.
إنَّ خروجَ الحريمِ للتَّعليمِ والعملِ، لاسيَّما لدى الفئاتِ الضَّعيفةِ قَبَلِيًّا، منَ الأمورِ التي يُمكِنُها أنْ تُؤسِّسَ التَّوازنَ في المجتمعِ، لما يُحقِّقُه العملُ من ضمانةٍ وحمايةٍ منَ الانهيارِ والانحرافِ والعبوديةِ، ولكنْ، مع تنامي فئةِ الحريمِ الشَّغِّيلاتِ، وقوةِ إصرارهنَّ على تعليمِ أفرادِ عوائلهنَّ، فإنَّ نظرةَ المكانِ إليهنَّ، أرستقراطيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا، ظلَّتْ عاجزةً عن وضعِ خِطَطٍ وبرامجَ تنمويةٍ حقيقيةٍ لهنَّ، أو لمَنْ يقُمنَ بإعالتِه، مع ملاحظةِ أنَّه في المراحلِ أو المنعطفاتِ المؤسِّسةِ للدَّوراتِ الانتخابيَّةِ يسعى إليهنَّ القاصي والدَّاني لاستغلالِ أصواتهنَّ في التَّرشيح!.
*رقصُ الطَّبلِ والرّبوبةِ والزُّنوج
يَصْعُبُ على "الحريم" في ظفارَ التَّعبيرُ عن همومهنَّ الاجتماعيَّةِ والنَّفسيَّةِ الخاصَّةِ، بينما يُحْكِمُ الذَّكرُ قبضتَه التاريخيةَ التي توارثها عبر التاريخِ والنُّصوصِ والكتابةِ على وجهِها وشفاهِها. وعلى الرَّغمِ من هذه الصورةِ القاتمةِ إلاّ أنَّ الظُّفاريَّةَ تتمتَّعُ بقدرٍ كبيرٍ منَ السيطرةِ على مقدراتِ الحياةِ الاجتماعيَّةِ والحُرِّياتِ الجماعيَّةِ، ويتبدَّى ذلك التَّمتُّعُ الفريدُ من خلالِ السيطرةِ الفعليَّةِ على الذكورِ من جهةٍ، والسيطرةِ المرتدَّةِ على الحريمِ أنفسهنَّ من جهةٍ أخرى.
لكنَّ الصعوبةَ المشارَ إليها منَ السهولةِ بمكانٍ للحريمِ أنْ يخترقنَها اختراقًا كُلِّيًّا، ويبرزُ ذلك الخرقُ بواسطةِ أمرين تؤمنُ بهما المرأةُ في المجتمعِ، هما: قوةُ السحرِ من ناحيةٍ، وقوةُ طقوسِ الرَّقصاتِ الشَّعبيَّةِ من ناحيةٍ أخرى.
(الطَّبل والرّبوبة والزّنوج) من أهمِّ الرَّقصاتِ النسائيةِ التي تشتهِرُ بها ظفارُ، وتزهو فيها المرأةُ بكاملِ حُِلِيِّهَا وزينتِها وحيويَّتِها وطاقاتِها الكامنةِ في داخلِها. وإذا كانَ رقصُ الطَّبلِ منَ الفنونِ النسائيةِ البحتةِ التي لا يُشارِكُ فيها جَسَدَ الرَّاقصةِ جَسَدُ أحدٍ آخرَ منَ الرَّاقصينَ الذُّكورِ فإنَّ (الرّبوبة والزّنوج) منَ الرَّقصاتِ الجماعيَّةِ القليلةِ التي يظهرُ فيها الأداءُ والفَنُّ الدّراميُّ الحيويُّ للعلاقةِ بين المرأةِ والرَّجلِ في المجتمع.
يسري وصفُ "مؤمنة" زوجةِ نقيبِ الأشرافِ في مسرحيَّةِ طقوسِ الإشاراتِ والتَّحوُّلاتِ لسعد الله ونّوس لجسدِ الغانيةِ الرَّاقصةِ، على جسدِ الراقصةِ في طبلِ النساءِ الظُّفاريِّ، فالطَّريقُ الذي تُخطِّطُه الجداتُ والأمهاتُ والمُوَلَّدَاتُ لبناتهنَّ اللَّواتي بلغنَ سنَّ الزَّواجِ سيظلُّ طريقًا وَعِرًا، إنْ لمْ يتزوَّجنَ مُبكِّرًا ولازمهنَّ شبحُ العنوسةِ حتَّى القبرِ، فعلى الراقصةِ اجتماعيًّا أنْ تعرفَ إلى أين يجبُ أنْ يُفضي بها جسدُها الرَّاقصُ؛ إنَّه سينقُلُها من مرحلةِ البنتِ إلى مرحلةِ الزوجةِ، وبمعنًى آخرَ: سوفَ يُحرِّرُها من مأزقِ العنوسةِ، ليُفضي بها زوجةً في حمايةِ الرجلِ؛ إنَّها بجسدِها الراقصِ تهتزُّ من جذورِها كاهتزازِ الشجرِ في الرِّيحِ العاصفةِ، فساعةُ الرَّقصِ في طبلِ النساءِ ساعةٌ للَّذَّةِ والانتشاءِ، فلا يتراءى لجسدِ الراقصةِ إلاّ جسدُها حُرًّا منطلِقًا ومنعتِقًا ممَّا يضيقُ به من قيودِ القبيلةِ. على الجسدِ هنا أنْ يتدفَّقَ، يتماوجَ، يمتدَّ، يضحكَ، ويشهقَ، يترُكُها حُرّّةً كالهواء. وأمَّا ثوبُها البَرَّاقُ المصنوعُ منَ الحريرِ أو الدَّيباجِ، أوِ المخملِ، أو الزُّبدةِ، فإنَّها تودُّ أنْ يتساقطَ عنها، ويتركَها تجمعُ وتضيءُ اللَّيل. إنَّ جسدَها، أثناءَ التقاطِه لإيقاعِ الطَّبلِ وإنشادِ المديحِ، يُستفزُّ ويَطرَبُ وَيقفزُ أمامَ مَنْ يستفزُّهُ ويُطرِبُه ويُقفِّزُه، لدرجةٍ يجعلُها قادرةً على الرقصِ حتَّى الصَّباحِ، وإنَّها ستظلُّ طائرةً كالرِّيشةِ في الهواءِ، وتُحِسُّ بأنَّها ستكونُ حُرَّةً للأبد.
أمَّا في رقصِ (الرّبوبة والزّنوج) فإنَّ الحواريَّةَ بين المرأةِ والرجلِ حواريةٌ ليستْ عاديَّةً، ففي الوقتِ الذي تتحرَّكُ فيه الرَّاقصاتُ بأجسادهنَّ، وكلُّهنَّ شموخٌ واعتدادٌ وثقلٌ واتِّزانٌ، على الأرضِ كالأميراتِ فإنَّ أجسادَ الذُّكورِ الراقصين كالأفعى عليها أنْ تلتوي، وأنْ تلتفَّ، وترقصَ وتتلاعبَ وتنكسرَ، مرَّةً بالسَّيفِ ومرةً بالجسدِ. ويُشبِه هذا المشهدُ الدّراميُّ الرَّاقصُ العلاقةَ القائمةَ على الكَرِّ والفرِّ بين القطِّ والفأرِ، وهذا هو حال العلاقةِ بين الجنسين، ليس في ظُفارَ فحسبُ، وإنَّما في المجتمعاتِ البشريَّةِ كافَّةً.
لعلَّ أظهرَ ما يتبدَّى لظاهرةِ الكَرِّ والفرِّ بين المرأةِ والرجلِ اجتماعيًّا يكونُ من خلالِ المطالباتِ اليوميَّةِ المعيشيَّةِ للحريمِ، التي تبدأُ ولا تنتهي، فلا بدَّ أنْ تذهبَ المرأةُ للسوقِ حتَّى تشتري آخرَ ما وصلتْ إليه أطقمُ وألوانُ ثيابِ ("أبو ذيل") الخرافيّ، ولا بدَّ أنْ يكونَ بيتُها مكوَّنًا من طابقينِ يُزيِّنُهما الرُّخامُ والنَّقشُ من أفخرِ الموادّ، ولا بدَّ أنْ تقلَّ "صوغتها" و"دخنتها" عمَّا يتمُّ تخصيصُه من "مصاغٍ وبخورٍ" للفتاةِ المقبلةِ على الزواجِ حديثًا. في مقابلِ ذلك الإسرافِ والتبذيرِ، اللَّذين تُفسِّرُهُمَا عبوديةُ الجهلِ وحبُّ المظاهرِ، يتبدَّى الحرصُ الكاملُ على تعليمِ وتثقيفِ البنتِ بثقافةٍ اجتماعيَّةٍ واحدةٍ، هي ثقافةُ الزواجِ، فالقاعدةُ التي يُؤمنُ بها العربُ اجتماعيًّا في الأمثالِ الشعبيَّةِ تقولُ: البنتُ إمَّا للزِّوجِ أو للقبر. أو كما يقولونَ: ظِلُّ رجلٍ ولا ظلُّ حائط. وبرغمِ كلِّ التَّدابيرِ التي تبدأُ من ساحةِ لعبِ الطَّبلِ في "المدارة"، وتنتهي عندَ الساحرِ والمشعوذِ والطِّبِّ الشَّعبيِّ، إلاّ أنَّ نسبةَ العنوسةِ والطلاقِ والتَّعدُّدِ مرتفعةٌ للغايةِ!، فأين يكمُنُ الخلل؟.
*الوأدُ اللُّغويُّ والاجتماعيُّ والعاطفيّ
كيف تُعبِّرُ المرأةَ في مجتمعٍ منغلقٍ، وليسَ مدينيًّا، عمَّا يعتملُ في داخلِها من تناقضٍ تلحظُه يتمثلُ في زيفِ الأنوثةِ والذكورةِ والحداثةِ والمدنيَّةِ، وفي ظلِّ غلبةِ القهرِ والعنصريَّة كيف تقولُ وتكتبُ المرأةُ (لا) في منظومةِ القبيلةِ التي تقول: (نعم)، أوِ العكس؟!. كيف تحتالُ على منطقِ اللُّغةِ الذُّكوريِّ السائدِ تاريخيًّا وثقافيًّا في المجالِ الاجتماعيِّ والوظيفيّ؟، فلماذا هي على سبيلِ المثالِ: زوجُ فلانٍ، وليس (زوجةُ) فلان؟، ولماذا هي عضوٌ في مجلسٍ، وليستْ (عضوةً)؟، ولماذا هي مديرٌ في شركةٍ وليستْ (مديرة)؟، ولماذا هي رئيسُ قسمٍ وليستْ (رئيسة)؟، ولماذا هي أستاذٌ مساعدٌ وليستْ (أستاذةً مساعدةً)؟، ولماذا هي مُحاضِرٌ في جامعةٍ وليستْ (محَاضِرة)؟.
لعلَّ بعضَ الحريمِ المتعلِّماتِ والمثقَّفاتِ في ظفارَ يُدركْنَ أنَّ الاقتصادَ هو أحدُ أهمِّ العواملِ التي ستؤدِّي إلى تبديلٍ في الأدوارِ والمراكزِ اللُّغويَّةِ والاجتماعيَّةِ، لأنَّ "النِّظامَ الأُسَرِيَّ في أيِّ مجتمعٍ منَ المجتمعاتِ ما هو إلاّ انعكاسٌ للظُّروفِ المادِّيَّةِ والشروطِ الذاتيَّةِ التي يمرُّ بها المجتمعُ، وإنَّ أيَّ تغيُّرٍ في هذه الظروفِ أو تلك الشروطِ ينعكسُ بالضرورةِ سلبًا أو إيجابًا على وضعِ الأسرةِ، وبالتَّالي على مراكزِ وأدوارِ أفرادِها"، لكنَّ هذا الطَّرحَ غيرُ مقبولٍ وهو منطقُ العقليَّةِ القبليَّةِ المتصلِّبِ والمتكلِّس.
عَبْرَ انتقالِ المجتمعِ- انتقالاً ليس كليًّا من مرحلةِ الزراعةِ وصيدِ الأسماكِ (الغارف والضّاغية)- إلى مرحلةِ العملِ في المؤسَّساتِ والشركاتِ والمصارفِ الكبيرةِ انتقلتِ الأسرُ والعائلاتُ الممتدَّةُ في ظفارَ اجتماعيًّا واقتصاديًّا، مستجيبةً على مضضٍ لحركةِ التَّغيُّرِ والنَّقلِ، من مرحلةِ المجتمعِ التَّقليديِّ إلى مرحلةِ المجتمعِ المدنيِّ المزيَّفِ، وأخذتِ المرأةُ- ما بين النَّقلتين- تحرصُ على إثراءِ حياتِها اليوميَّةِ بما يُعزِّزُ مكانتَها القبليَّةَ أو الاقتصاديَّةَ، فحرصَ بعضُ الحريمِ على تنميةِ الذهبِ، بينما حرصتْ فئةٌ أخرى على صناعةِ المباخرِ والاتِّجارِ بالبخورِ، وكان قديمًا لا يُعرفُ التنافسُ الخفيُّ ولا يُذاعُ الصِّيتُ ما بين حريمِ بعضِ العائلاتِ إلاّ بما تملكُه العائلةُ الممتدَّةُ في المجتمعِ من ذهبٍ وجواهرَ نفيسةٍ، وكان يُعزِّزُ هذا التنافسَ والصِّيتَ الحظوةُ في القربِ من أصحابِ القرارِ سياسيًّا.
الشروطُ الذَّاتيةُ التي مرَّتْ بها وضعيةُ (الحريمِ) في ظفارَ تجاوبتْ إلى حدٍّ كبيرٍ معَ حركةِ التَّعليمِ وتغيُّرِ استراتيجياتِ القُوَى التي تُؤثِّرُ في المنطقةِ، فالتحقتِ الحريمُ بالكتاتيبِ والمدارسِ والمعاهدِ والكُلِّيَّاتِ والجامعاتِ، من أجلِ تحقيقِ أكبرِ الدرجاتِ العلميَّةِ، وأخذنَ يُوجِّهنَ أفكارَهُنَّ وعقولهنَّ نحو إثراءِ حياتِهنَّ بكلِّ ما هو جديدٌ، لكنَّ الاستجابةَ الفعليَّةَ، أوِ الجوهريَّةَ، ظلَّتْ منقطعةً، بمعنى أنَّ التَّأثيرَ المطلوبَ منَ الحريمِ المتعلِّماتِ والمثقَّفاتِ ظلَّ مقصورًا على أدوارٍ ووظائفَ تُعزِّزُ من هيمنةِ المنظومةِ القَبَلِيَّةِ في المجتمعِ، وأبرزُ مِثالٍ على ذلك نجدُه في قاعدةِ الوأدِ الاجتماعيِّ والعاطفيِّ الذي يَمنعُ- بقوةِ قانونِ القبيلةِ- الاختلاطَ في الزَّواجِ بين الفئاتِ الاجتماعيَّةِ المتعلِّمةِ والمثقَّفةِ بالمجتمعِ، كما ويمنعُ الإقبالَ على مناقشةِ موضوعِ الزواجِ منَ الخارجِ، إلاّ في ظلِّ شروطٍ تعجيزيَّةٍ، ويحدثُ ذلك تحتَ مظلَّةِ قانونِ الأحوالِ الشَّخصيَّةِ. ونتيجةً لذلك القهرِ، والكبتِ، وعدمِ نقدِ الذَّاتِ، وعدمِ الحوارِ المبنيِّ على التَّعارُفِ والتسامحِ بين الفئاتِ، أخذَ بعضُ العلاقاتِ غيرِ المقبولةِ اجتماعيًّا يتفشَّى في مجتمعِ الحريمِ، وهي علاقاتٌ لا تقلُّ خطورةً عمَّا يحدثُ في مجتمعِ الذُّكور.
ومنَ الملاحظِ أيضًا أنَّ بعضَ الحريمِ اللَّواتي يعملنَ في هيئاتٍ حكوميَّةٍ وخاصَّةٍ يحرصنَ على عدمِ الاختلاطِ بالرِّجالِ، على اعتبارِ أنَّ اختلاطهنَّ يُؤدِّي بالضرورةِ إلى انحلالِ المجتمعِ من جهةٍ، أو أنَّهنَّ ذواتُ حَسَبٍ ونَسَبٍ عريق. وفي مقابلِ ذلك يعلو نداءٌ آخرُ يقولُ: إنَّ المكانَ المناسبَ لعملِ المرأةِ إمَّا البيتُ وإمَّا المدرسةُ وإمَّا المستشفى، مع ملاحظةِ أنَّ العملَ في المهنتين الأخيرتين تُقبِلُ عليه فئاتٌ اجتماعيةٌ محدَّدة!.
ومجتمعُ المدرسةِ، في المُحصِّلةِ النِّهائيَّةِ، مجتمعٌ حريميٌّ بحتٌ، قائمٌ على تبادلِ الخبراتِ في الحسدِ والغيرةِ والسحرِ والثرثرةِ (والتقرقار) وأخبارِ الزواجِ والطلاقِ وموضةِ الملابسِ الحديثةِ والعباءةِ (المُخَصَّرَةِ) والفيديو كليب، والأمرُ يقتربُ إلى حدٍّ كبيرٍ أيضًا من مجتمعِ مجلسِ الأُمَّهاتِ في المدارسِ ومجالسهنَّ في الجمعيَّات، فأيُّ صورةٍ سنختارُ لظفار؟.
المصدر: بوابة المرأة
أضف تعليقاً