فبدافع الحماية، والدعم، والحفاظ على تماسك الفِرَق والمؤسسات، يتنازل القادة عن احتياجاتهم الخاصة، ويقدّمون مصالح الآخرين على أنفسهم، ولو على حساب سلامتهم الجسدية والنفسية.
ولا شك أنَّ القائد مسؤول عن رفاه الفريق، غير أنَّ تأدية هذا الدور بإتقان يتطلب القيادة من موقع التمكين، لا من موقع الاستنزاف الذاتي.
وفي ظل بيئة تتسارع فيها وتيرة المتغيرات المالية، والسياسية، والاجتماعية، والصحية، والبيئية، بات من الضروري إجراء مراجعة عميقة لمفهوم القيادة السائد، وتحريره من القوالب التقليدية التي تربطه بالتضحية المفرطة.
ما هو التناقض القيادي؟
القيادة بطبيعتها معادلة معقدة قائمة على التوازن بين النقيضين: فهي تتطلب اجتهاداً مستمراً وعملاً لا يعرف الكلل، وفي الوقت ذاته تستلزم الحفاظ على رفاه القائد وجودة حياته.
يتجلى هذا التناقض في مفارقة لافتة: يجب أن يكون القائد طموح ويسعى للإنجاز والتقدم المستمر، وفي الوقت ذاته يُفترَض أن يتروَّى، ويجيد التعلم من الأخطاء والتجارب الفاشلة، ويتحلى بالتواضع، ويتعاطف مع الآخرين.
ومع ارتفاع سقف التوقعات، يهمِّش كثيرٌ من القادة ذاتهم الحقيقية، ويصعب عليهم التمييز بين احتياجاتهم الإنسانية، وأدوارهم المهنية، والرسالة التي يسعون لتحقيقها، ومدى اتساقها مع منظومة قيمهم وأحلامهم الشخصية.
ومن هنا، لا يُستغرب أن يقعوا فريسة التضحية الذاتية، حين تتكاثف الضغوط وتضيق خيارات التوازن.
شاهد بالفيديو: كيف تتبنى أساليب قيادة حديثة؟
لماذا يضحي القادة بأنفسهم؟
في بيئة العمل الحديثة، ينشأ صراع داخلي دائم بين سحر الإنجاز ووعوده اللامعة، وبين غريزة البقاء التي تدفع الإنسان نحو الأمان المالي والمعيشي، كتوفر السكن وإعالة الأسرة.
وتُجسّد ما يُعرف بـ"الأصفاد الذهبية" هذه المفارقة بوضوح؛ إذ تُحاصر العقود التحفيزية القادة ضمن التزامات زمنية صارمة، تجعلهم رهن التضحية المستمرة في سبيل الأداء، حتى وهم يشعرون بالعجز أو الاستنزاف.
ويُضاف إلى هذه الضغوطات، تسارع التحولات التنظيمية، وتعقّد التحديات المتداخلة من صحة، وبيئة، واقتصاد، وسياسة، ومجتمع، ما يدفع القادة إلى تجاوز حدود طاقتهم في محاولة لاتخاذ قرارات صائبة، وإن كانت على حساب احتياجاتهم وعافيتهم.
وفي عالم تتسابق فيه المؤسسات لتكون "الأسرع، والأكبر، والأشهر"، ويُطلَب من العاملين تحسين أدائهم باستمرار، لا يُمنح القادة فرصة للتأمل والمراجعة، ويقتصر دورهم على العمل لتحقيق أهداف المؤسسة دون أن يعوا الغاية منها، ولا يدركوا تضحياتهم في سبيل تلبية مطالب المؤسسة حتى وقت متأخر من مسيرتهم المهنية، أو بعد مواجهة ما نسميه تقليدياً "أزمة منتصف العمر".
لكن في ظل تسارع وتيرة التطور وارتفاع سقف التوقعات، من يدري ما الشكل الذي ستتخذه هذه الأزمة في أجيال الغد؟
يتضح مما سبق أنَّ هناك حاجة ملحة إلى إعادة تعريف القيادة بأسلوب يُوازن بين المتطلبات والتناقضات، ويمنح القادة مساحة للتنفس، والتعافي، والاستمرار.

ما أثر هذا النسق المتسارع؟
يحاول كثير من القادة أن يتحملوا العبء كاملاً، دون أن يظهروا ضعفاً أو يعترفوا بالهشاشة. يضغطون أنفسهم لتحقيق نتائج مبهرة، والتكيف مع تغيُّر الأهداف، والعمل رغم نقص الكفاءات أو الموارد، وإرضاء أصحاب المصلحة – وكل ذلك على حساب صحتهم الذهنية وعافيتهم.
لكن لا يمكن مواصلة السير في هذا الطريق دون توقف.
يبرر القادة تضحياتهم بحجة أنَّهم يدفعون عجلة النمو، أو يحمون الآخرين، غير أنَّ كثيراً من المؤسسات تضحي بالجودة في سبيل زيادة الإنتاجية. وغالباً ما تفشل في تحقيق نتائج المبادرات المكلفة، وتخفق في الوصول إلى الأهداف، ولا تحقق العائد المنشود على الاستثمار، إذا لم تكن هناك أولويات واضحة وتركيز فعال – لا سيما مع محدودية الوقت والموارد وارتفاع مستوى توقعات العملاء.
وهكذا تتحول مطالب "افعل ما يلزم بأي ثمن" إلى ثقافة تتحكم في سير عمل المؤسسات، وتستنزف القادة حتى الرمق الأخير.
ووفقاً لبيانات المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum - WEF)، فإنَّ 275 مليون شخص حول العالم – أي ما يعادل 4% من سكان الأرض – عانوا من اضطرابات القلق في عام 2019 وحده.
ورغم الدعوات المستمرة من كليات الأعمال وخبراء الإدارة لتبنّي سلوكيات تركز على الأهداف، والمرونة، والتعاطف، والتواضع، والرعاية الذاتية والجماعية – فإنَّ كثيراً من القادة لا يزالون يشعرون بالتيه، ويجدون أنفسهم أسرى لنمط لا يرحم.

كيف يتحرر القادة من حلقة التضحية الذاتية؟
التحرر من نموذج القيادة القائمة على "النتائج بأي ثمن" ليس بالأمر الهيّن، بل يتطلب تحولاً ثقافياً عميقاً. ومع ذلك، يُنصَح بتطبيق بعض الخطوات العملية التي تمهد الطريق نحو التغيير:
1. التمييز بين "الهام" و"العاجل"
في المؤسسات، يبدو كل شيء مستعجلاً، غير أنَّ العجلة لا تعني الأهمية دائماً. يساعد التمييز بينهما في توجيه الطاقة نحو ما يُحدث أثراً حقيقياً، وينبغي توضيح الهدف من العمليات والإجراءات عن طريق إفساح المجال لتحديد المحاور الاستراتيجية وتوحيدها، ومعرفة التحديات والمعوقات.
2. تمكين القادة من استعادة قرارهم الذاتي
يشعر عديدٌ من القادة بأنَّهم عالقون في دوامة لا تسمح لهم بالتفكير أو حتى ملاحظة أثر الضغوط في صحتهم. يؤدي إحساس العجز عن الاختيار أو التأثير إلى قبول تنازلات تناقض قِيَم القائد ومصالحه دون وعي. لذا، فمن الضروري إفساح المجال للقادة للتوفيق بين أهدافهم الشخصية ومطالب المؤسسة بوعي وإدراك.
3. فهم شامل للذات
الإنسان ليس عقلاً فقط، ولا جسداً فقط، بل مزيج غني من الفكر، والمشاعر، والاحتياجات. ومن دون وعي شامل بهذا الكيان، يصعب وضع حدود صحية بين الحياة المهنية والشخصية. وهذه رحلة قد تكون مرهقة، لكنَّها شرط للنضج والتوازن الحقيقيين.
4. فسحة لليقظة الذهنية (Mindfulness)
قد تبدو الممارسات التأملية كترف في عالم يركض وراء الأرقام، لكنَّ تخصيص لحظات للصمت والتأمل – ولو عن طريق نزهة قصيرة في الهواء الطلق – يمكن أن يُحدث فرقاً هائلاً في صفاء الذهن وتجديد الطاقة.
تمنح الطبيعة، ببساطتها القادة منظوراً جديداً يوقظ فيهم الإحساس بالحياة، بعيداً عن ضغوطات العمل.
في الختام
لقد آن الأوان لنُعيد النظر في الصورة النمطية للقيادة، التي ارتبطت طويلاً بالتضحية المفرطة والتصلّب في وجه الضغوط. لا يُقيَّم القائد الحقيقي بمدى تحمله، بل بقدرته على التوازن، وبوعيه بذاته، وبحرصه على رعاية من يقودهم دون أن يهمل نفسه.
الانتقال من نموذج الاستنزاف إلى نموذج القيادة الواعية ليس خياراً، بل ضرورة يفرضها الواقع بتعقيداته وتحولاته.
فمستقبل المؤسسات رهين بقادة أصحاء، يُحسنون الإصغاء لأنفسهم كما يُحسنون قيادة الآخرين، ويعرفون أنَّ الثبات الحقيقي لا يكون إلا بالمرونة، والنجاح المستدام لا يتحقق إلا بالرحمة المتبادلة بين الإنسان ودوره القيادي.
أضف تعليقاً