نحن لا نقصد النجاح الآني في كل ما سبق؛ إنَّما نقصد السعي نحو تحقيق النجاح على الأمد الطويل الذي يمر الإنسان في سبيل تحقيقه بكثير من التحديات يخسر أمام بعضها وينجح أمام الأخرى، وهذا الأمر طبيعي كما يقول "بول كلوغ": "لا تخف من الفشل، يجب أن تخاف من عدم المحاولة"، ويقول "ألبرت أينشتاين": "المثابرة هي صفة ضرورية أكثر من الذكاء، لأنَّ الذكاء محدود بينما المثابرة لا حدود لها".
كل ذلك يوضِّح أنَّ الخطة الرئيسة أو سر النجاح هو السعي والمثابرة والمحاولة المستمرة للوصول إلى الهدف وإنشاء المستقبل الذي نحلم به، وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي الانضباط الذاتي الذي يجعل الإنسان سيد حياته ويمتلك مفتاح تحقيق ما يريد، ولكن ما هو الانضباط الذاتي وكيف يمكن بناءه؟
هذا ما ستعرفه في مقالنا الحالي فتابع القراءة.
ما هو الانضباط الذاتي؟
الانضباط الذاتي هو الفرق الأساسي والوحيد بين الشخص الاستثنائي والشخص العادي، وهو مهارة يمكن اكتسابها من خلال مجموعة من المواقف والعادات والتدريبات اليومية التي يعتاد الإنسان من خلالها على الالتزام بسلوكات معينة تجعله قادراً على التحكم بسلوكه وتفكيره وجسده أيضاً.
لا يعني الانضباط الذاتي أن تكون إنساناً صارماً غير مرن، بل يعني أن يكون تركيزك الكبير على الأهداف أو الصورة الأكبر والابتعاد عن المتعة الفورية واللحظية، وفي الوقت ذاته لا يعني الانضباط الذاتي غياب الحرية والقيود، على النقيض من ذلك تماماً فالإنسان الذي تحكمه شهواته ومزاجه وعواطفه هو الإنسان المقيد.
أهمية الانضباط الذاتي في تحقيق النجاح على المدى الطويل:
يؤدي الانضباط الذاتي دوراً هاماً في النجاح واستمراره مدى الحياة، ويحقق للإنسان ما يأتي:
1. التوازن في الحياة:
الإنسان القادر على تحكيم عقله في كل أمر من حياته يستطيع اتخاذ القرارات الحكيمة، وكذلك التحكم بردود الأفعال، والابتعاد عن الأخطاء قدر الإمكان، وتحقيق التوازن بين الحياة الشخصية والعملية، وتناول الطعام الصحي، والنوم الكافي، والحصول على الاسترخاء؛ فكل ذلك يجعل الإنسان أكثر اتزاناً.
2. الإنتاجية العالية:
هي نتيجة التفكير العميق والواضح والتركيز في مختلف الأمور الذي يساعد على التفوق في العمل وارتفاع الإنتاجية بشكل ملحوظ.
3. بناء علاقات صحية:
كما ذكرنا آنفاً، فإنَّ الانضباط الذاتي يعني التحكم بالعواطف، ونتيجة لذلك كسب الأشخاص المناسبين وتحقيق السعادة الداخلية باستمرارية العلاقات الصحية فقط.
شاهد بالفيديو: طرق تنمية الانضباط الذاتي
كيفية بناء الانضباط الذاتي:
يمكن تحقيق الانضباط الذاتي الذي يساعدك على تحقيق النجاح الدائم من خلال العمل على مجموعة من النقاط، وأهمها ما يأتي:
1. تغيير العادات السلبية:
تقف العادات غير الصحية عقبةً في وجه تحقيق الانضباط الذاتي؛ لأنَّها تمنع التقدم والوصول إلى الأهداف المرجوة، فمثلاً تريد أن تصبح صحتك جيدة وتمتلك جسماً رشيقاً ورياضياً ولكنَّك تحب تناول الحلويات المصنعة بكثرة، وهي عادة سيئة تقف بوجه الوصول إلى الهدف وعليك استبدالها بأخرى صحية وإيجابية، وينطبق الأمر ذاته على مختلف الأهداف في الحياة.
يتم ذلك من خلال التفكير كثيراً وتحديد جميع العادات السلبية التي تتبعها في حياتك، ثم تحديد العادات الإيجابية التي يجب أن تحلَّ محلها والبدء بممارستها بانتظام والتسمك بها مهما بدا الأمر صعباً في البداية.
2. تحديد أهداف ذكية:
لا يمكن الاكتفاء بالأحلام والأمنيات، بل يجب أن تمسك ورقة وقلماً وتفكر بعمق بما تريد تحقيقه في الحياة بدءاً من الأهم إلى الأقل، أو يمكن تصنيف الأهداف إلى شخصية ومهنية ومادية، ونقصد بالأهداف الذكية أن تكون قابلة للقياس وواضحة وقابلة للتحقيق ومحددة زمنياً.
إنَّ تحديد الأهداف الواضحة والواقعية يجعل الإنسان في حالة من التركيز تجعل أفعاله تتجه نحو تحقيق الأهداف المحددة، كما أنَّ كتابة الأهداف تجعله في حالة من التحفيز، أما الأهداف القابلة للقياس فتساعد على تحديد ما تم إنجازه بمرور الوقت فيشعر أنَّه على طريق تحقيق الأحلام.
3. تصوُّر نجاحك:
لا تقلل من قيمة التصوُّر أبداً بالرغم من أنَّه عمل صغير لا يحتاج إلى جهد، فكل ما عليك فعله هو الجلوس يومياً والتأمل عدة دقائق وتخيُّل حياتك بعد تحقيق الأهداف ومشاعر الفخر والإنجاز والسعادة العارمة، إلا أنَّه عمل يساعد على إعطاء دافع قوي للالتزام والانضباط للاستمرار والمثابرة في الطريق ذاته.
4. التعلُّم من تجارب الآخرين:
يمكن للإنسان أن يأخذ الحكمة من قصص الآخرين وتجاربهم، فانظر حولك جيداً يوجد الآلاف الأمثلة من الناس ممن ثابروا ووصلوا إلى ما يريدون، منهم من استغرق وقتاً أكثر من المتوقع ومنهم من وصل بسرعة قياسية، وفي كل تجربة توجد حكمة معينة تساعدك على أخذ فكرة عن العقبات التي قد تعترض طريقك وكيفية التغلب عليها وكيفية الاستمرار برغم صعوبة الطريق ليطور ذلك الانضباط الذاتي الخاص بك ويطورك بشكل عام.
5. ممارسة اليقظة الذهنية:
هي عملية تسمح للإنسان بالتركيز في اللحظة الحالية، والانتباه العمد لما يحدث الآن، والقدرة على مراقبة الأفكار والعواطف جيداً؛ وذلك بهدف منع الانجرار وراء دوافع غير واعية، ويمكن تعزيز اليقظة الذهنية من خلال تمرينات تعزز التركيز، مثل التأملات الموجهة وأيضاً دمج اليقظة الذهنية في مختلف النشاطات اليومية حتى تناول الطعام والاستحمام وتنظيف المنزل.
6. تنظيم وقتك:
لا يمكن أن تحقق الأهداف وتصبح شخصاً استثنائياً في الوقت الذي تهمل فيه مهامك أو تنسى مواعيد القيام بكل نشاط يومياً؛ لذلك من الأفضل إنشاء جدول تحدد فيه المهام اليومية بدءاً من طقوس الصباح الهامة التي تبدأ بالاستيقاظ في الوقت المناسب وممارسة بعض الرياضة، من ثم تحديد الأولويات خلال العمل ووقت إنجاز كل مهمة لتجد الطاقة الكافية لكل عمل وتتمكن من منح كل مهمة الوقت الذي تحتاجه.
حدد أوقات الراحة خلال اليوم، والتزم جيداً بهذه الفترات؛ لأنَّها تساعد على إعادة شحن طاقتك لتكمل يومك بنشاط، وابتعد قدر الإمكان عن المشتتات التي تمنعك من التركيز فتسبب ضياع الوقت، ولا تنسَ تحديد وقت للقاء الأصدقاء والعائلة ووقت لممارسة الهوايات ربما مرة أسبوعياً، فتعد هذه النشاطات هامة جداً لتعزيز الالتزام.
7. طلب الدعم:
نحتاج جميعاً في وقت ما إلى دعم شخص نثق به لنستمر، فكثيراً ما نضعف أمام مشاعرنا ورغباتنا؛ لذلك اطلب الدعم من شخص تثق بحبه لك ورغبته في نجاحك وشاركه لحظات الضعف، واطلب منه أن يساعدك على الالتزام والابتعاد عما يتسبب بفشلك ويقلل من انضباطك الذاتي.
8. تحمُّل المسؤوليات:
يعد ذلك أساس الانضباط الذاتي، فلا يمكن أن تقول سأفعل ذلك غداً دون أن تفعله، وهنا يجب أن ننوِّه لفكرة هامة أنَّ عليك فعل ذلك فقط من أجلك وليس لإثبات نفسك أمام الآخرين أو خوفاً من محاسبتهم، فأنت من ستحاسب نفسك إن لم تلتزم.
9. الصدق:
يجد بعض الناس الصدق أمراً صعباً، فلا يرغبون بشرح رغباتهم الحقيقية للآخرين، بل يكذبون أو يبقون غامضين قدر الإمكان، ولكن الصدق والصراحة أساس العلاقة الصحية والمتينة والدائمة أيضاً، فلا تخش قول الحقيقة ولا تعتقد أنَّ قولك للحقيقة سيظهر ضعفك مهما كان الأمر محرجاً بالنسبة إليك.
10. تعلُّم قول "لا":
كثيراً ما يدفع الخجل الإنسان ليوافق على طلبات غير مناسبة له بهدف إرضاء الآخرين أو خوفاً من ضياع فرصة هامة، فيتسبب ذلك باضطرابات في حياته وضياع وقته؛ لذلك يجب عليك أن تقول "لا" عندما لا تتناسب الطلبات مع أهدافك وألوياتك ومهامك، ويفضل أن تقدِّم العذر حفاظاً على علاقاتك مع الآخرين.
11. المرونة والاستعداد للتغير:
ربما تكون هذه النقطة هي الأصعب بالنسبة إلى بعض الأشخاص ممن لا يرغبون بحدوث أشياء غير متوقعة وبعيدة عن الحسابات المستقبلية، ولكن لا يوجد شيء في حياتنا سيبقى على حاله، فلا يمكن التنبؤ بالمستقبل، فربما تفقد أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء، وربما ينهار الاقتصاد وتخسر عملك وأموالك، وربما تحدث كارثة طبيعية تفقد بسببها منزلك، ومن الضروري التدرب لتكون مستعداً وتكون الصدمة أقل تأثيراً سلبياً ولا تتسبب بتدمير حياتك بشكل نهائي كما حدث مع الكثيرين.
12. الاحتفاء بالإنجازات:
لا تنتظر تحقيق أهداف كبيرة أو تغيير حياتك لتحتفل؛ إنَّما عليك الاحتفال عند اجتياز مهمة صعبة أو القيام بإنجاز بسيط وإحراز تقدم نحو الهدف، فيعد الاحتفاء بمنزلة مكافأة على الالتزام وتشجيع للمتابعة والمثابرة، ويمكنك تحديد كيفية الاحتفاء بالطريقة التي تشعرك بالسعادة، مثل حفلة مع الأصدقاء أو رحلة لمكان جديد.
في الختام:
الانضباط الذاتي هو أحد أهم مبادئ النجاح في الحياة وأهم شروط استمرار النجاح على الأمد الطويل، وهو مهارة كأي مهارة أخرى يمكن تعلُّمها واكتسابها لتسير الحياة بأفضل شكل، ولقد قدَّمنا في مقالنا مجموعة من النقاط المساعدة على بناء الالتزام الذاتي مثل تحديد أهداف ذكية واضحة وقابلة للقياس، وتغيير العادات السلبية بتحديدها واستبدالها بعادات صحية، والالتزام بالصدق دائماً وتحمُّل المسؤوليات، ومن الضروري أيضاً تنظيم الوقت وقول كلمة "لا" لكل ما يتسبب بتخريب نظام الحياة أو تغيير الأهداف، ولا تنس أن تكافئ نفسك عند كل إنجاز مهما كان صغيراً لتمتلك دافع لاستمرار.
انفوغرافيك: بناء الانضباط الذاتي لتحقيق النجاح على المدى الطويل

أضف تعليقاً