سنكشف في مقالنا اليوم الفرق بين الخوف والقلق وكيفية استجابة الجسم للتهديد، بالإضافة لأفضل الاستراتيجيات للتحكم بالخوف والقلق.
ما الفرق بين الخوف والقلق؟
نستخدم مصطلحَي الخوف والقلق في حياتنا ضمن الحديث اليومي عن الأحداث البسيطة أو المستقبلية على أنَّهما مصطلحات مترادفة، ولكنَّ الفروقات بينهما جوهرية.
فالخوف هو استجابة الجسم للتهديد الحقيقي والمحسوس في الوقت الحاضر؛ أي إنَّه آلية دفاعية يمتلكها جسم الإنسان للبقاء على قيد الحياة، فيدفعه الخوف للقتال أو للهروب من الخطر لحماية نفسه..
أمَّا القلق فشعور معقد، فهو الشعور بعدم الراحة بشأن أمر سيحدث مستقبلاً وغالباً هو شعور مرتبط بالخوف من النتائج السلبية دون وجود خطر أو تهديد حقيقي؛ أي باختصار القلق عبارة عن عدم اليقين بالرغم من الأمان الجسدي.
أمثلة واقعية لكل من الخوف والقلق
فيما يأتي مجموعة أمثلة توضح أعراض الخوف النفسي والقلق لتوضيح الفرق بينهما:
أمثلة عن الخوف
ظهَرَ خلال سيرك في الشارع كلب فجأة، ونبحَ بقوة ونظر إليك نظرة يهددك فيها بالهجوم، حينها ينتابك الشعور بالخوف وتتوتر عضلات جسدك وتفكر فوراً بإيجاد وسيلة تدافع فيها عن نفسك أو بالركض هرباً، والمسبب هنا واضح وهو الكلب المهاجم.
وأيضاً خلال مشاهدتك لفيلم رعب وفي ظهور الشخصية المخيفة فجأة قد تصرخ وتشعر بالارتعاش نتيجة الخوف والمسبب أيضاً واضح هنا.
أمثلة عن القلق
تشعر قبل امتحان هام بالقلق حول أدائك في الاختبار حتى إن كنت قد درست جيداً ولا يوجد تهديد مباشر لكنَّك تشعر بالقلق من النتيجة المستقبلية ربما تخشى الرسوب أو عدم حصولك على درجة جيدة.
أو إن كان لديك موعد هام في نهاية الأسبوع وتشعر بالتوتر كيف ستسير الأمور وماذا ترتدي وما هي التصرفات الصحيحة لتكسب الطرف الآخر حتى إن لم يشكل هذا الموعد خطراً على مستقبلك أو حياتك عامةً إلَّا أنَّ القلق حول الاحتمالات المستقبلية يسيطر عليك.
شاهد بالفيديو: 9 طرائق مدعمة علمياً للتوقف عن القلق
كيف يستجيب الجسم والعقل للتهديد؟
حان الوقت لنعرف كيفية تفاعل أجسادنا مع مشاعر الخوف والقلق بعد تعرفنا على الفرق بين الخوف والقلق.
دور الجهاز العصبي السمبثاوي
إنَّه محرك الطوارئ في جسدك، فعند الشعور بخطر يتولى زمام الأمور، فيرسل إشارات عصبية سريعة إلى كافة أعضاء الجسم، وبالتالي:
- يتسرع نبض القلب ليُضَخ الدم المحمَّل بالأكسجين إلى عضلات الجسم الرئيسة.
- يزداد معدل التنفس لزيادة دخول الأكسجين للجسم.
- العضلات تستعد للحركة بالإضافة للشعور بالبرودة في الأطراف أو التعرق.
وهذه التغيرات الفسيولوجية والتي تعد أعراض الخوف النفسي أيضاً تزيد قوة الجسم وقدرته على تحمل الخطر أو الفرار منه.
هرمونات القلق مثل الأدرينالين والكورتيزول
تطلق الغدد الصماء في الجسم بتوازي مع تفعيل الجهاز العصبي السمبثاوي مجموعة من الهرمونات التي تعزز استجابة الجسم للخطر على رأسها الأدرينالين المسؤول عن الشعور بالطاقة والاندفاع عند الخوف، فيزداد معدل ضربات القلب وضغط الدم.
وذلك بالإضافة إلى الكورتيزول المعروف باسم "هرمون التوتر" والذي يساعد على التعامل مع المواقف العصبية ولكنَّه يزيد مستوى السكر لتوفير الطاقة، كما يغير من طريقة استقلاب الجسم ويقلل الهضم وبعض وظائف الجسم ليوجِّه الطاقة بهدف الاستجابة الفورية.
تأثير الاستجابة الممتدة في الصحة الجسدية
تعد استجابة الجسم لشعور الخوف والقلق بالقتال أو بالهروب ضرورياً لحماية الجسم، ولكنَّ المشكلة إن أصبحت هذه الاستجابة نظاماً دائماً، فيؤدي ارتفاع الكورتيزول والأدرينالين المزمن لمشكلات صحية متعددة أبرزها:
- ضعف الجهاز المناعي.
- ارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
- مشكلات في الجهاز العصبي كالحموضة أو عسر الهضم.
- اضطرابات في النوم، مثل الأرق أو صعوبة النوم.
- آلام العضلات والصداع التوتري.
متى يتحول القلق الطبيعي إلى اضطراب؟
قد يتحول الخوف والقلق خصيصاً إلى القلق غير المبرر وحينها تصبح المشكلة بحاجة لتدخل وعلاج:
القلق الوظيفي مقابل القلق المُعطَّل
القلق الوظيفي قلق صحي يدفع الإنسان للتفكير الدائم بالنمو والتطور والتغير، مثل:
- القلق الذي نشعر به قبل الامتحان والذي يحفزنا للدراسة الجيدة.
- القلق بشأن صحة الجسم والذي يدفعنا لممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي صحي.
- القلق بشأن سلامة الأطفال الذي يجعلنا نتخذ كافة احتياطات الأمان لسلامتهم.
لذلك يعد القلق الوظيفي حافزاً إيجابياً، بينما القلق المعطَّل وهو القلق غير المبرر الذي يعوق حياتنا الطبيعية؛ لأنَّه مفرط وغير متناسب مع الموقف وقد يستمر لفترة طويلة كأن تخاف من السمنة، فتمتنع عن تناول الطعام بكميات كافية.
القلق الاجتماعي، والعام، واضطراب الهلع
يمكن أن يتخذ القلق أشكالاً مختلفة، وأكثرها شيوعاً ما يأتي:
1. القلق العام
وهو عبارة عن خوف وقلق مستمر بشأن النشاطات والأحداث اليومية كالعمل والمدرسة وصحة الجسم ومسؤولية المنزل، فيستمر القلق طيلة أيام الأسبوع ويترافق مع أعراض جسدية أهمها التعب ومشكلات النوم وصعوبة التركيز والتوتر العضلي.
2. القلق الاجتماعي
ويعرف أيضاً بالرهاب الاجتماعي وهو الخوف المستمر من المواقف الاجتماعية، فيخشى الشخص من إحراجه أمام الآخرين، فيتجنب حضور المناسبات الاجتماعي أو تناول الطعام في مكان عام أو الذهاب لنادي رياضي وغيرها من النشاطات اليومية البسيطة، ويؤثر ذلك في قدرته على تكوين العلاقات المهنية والشخصية.
3. اضطراب الهلع
وهو عبارة عن نوبات متكررة وشديدة ومفاجئة، تبلغ ذروتها خلال عدة دقائق عادةً، فيشعر الشخص بخفقان في القلب وضيق التنفس ودوخة وآلام في الصدر، فتسبب أعراض الخوف النفسي هذه الشعور بالخوف من الموت أو الجنون وفقدان السيطرة على النفس.
متى تستدعي الأعراض التدخل المهني؟
يعد علاج القلق المزمن والقلق غير المبرر ضرورياً، ولكن ما يحدد ضرورة المساعدة المهنية والاستعانة بأخصائي نفسي هي النقاط التالية:
- شدة أعراض الخوف والقلق سواءً الجسدية أم العقلية.
- استمرار المشاعر السلبية لفترة طويلة تصل لعدة أشهر.
- تعطيل القدرة على ممارسة النشاطات اليومية البسيطة وأداء واجبات العمل والدراسة والعلاقات الشخصية.
- فشل محاولات السيطرة على القلق ومحاولات تهدئة النفس.
- تجنُّب المناسبات والأماكن والمواقف والنشاطات التي تسبب القلق.
- وجود أعراض جسدية مستمرة، مثل آلام الصدر وضيق التنفس.
شاهد بالفيديو: 5 طرق تحول بها الخوف إلى حافز يدفعك للأمام
استراتيجيات فعالة للتحكم في الخوف والقلق
تعلَّم كيفية استعادة السيطرة على نفسك وتخلَّص من المشاعر السلبية المختلفة:
1. تمرينات تنفس فوري لتقليل التوتر
إنَّها مفتاحك للهدوء السريع عند الشعور بأعراض الخوف النفسي والجسدي، فكما يزيد التنفس السريع معدل استجابة الجسم للتهديد، فإنَّ التنفس البطيء والعميق يفعل خلاف ذلك لتهدئة الجهاز العصبي السمبثاوي.
ويُطبَّق التنفس البطيء باستنشاق الهواء من الأنف ببطء مع العد للأربعة حتى يمتلئ البطن بالهواء وليس الصدر، ثم حبس النفس مع العد للأربعة ومن ثم الزفير ببطء مع العد للأربعة وإخراج كافة الهواء من الرئتين ومن ثم تكرار العملية عدة مرات إلى أن تسترخي والهدوء تدريجياً، فمثلا عند الشعور بالتوتر في اجتماع، استرِح عدة دقائق وافعل ذلك.
2. إعادة صياغة الأفكار (Cognitive Restructuring)
يتغذى العقل على أفكارك السلبية، فعندما تقول "حتماً سأفشل" لن تسيطر على مشاعر الخوف والقلق؛ لذلك من الضرورة العمل على صياغة الأفكار، وذلك بالتعرف على الأفكار السلبية أولاً ثم تحديها، ويمكن ذللك من خلال:
- اسأل نفسك عن الفكرة التي تدور في رأسك في القلق وسجلها.
- اسأل نفسك حول حقيقية هذه الفكرة والدليل الذي يدعم صحتها.
- اسأل نفسك وحول وجود طرائق أخرى للنظر إلى الموضوع لتحديد أسوء وأفضل سيناريو.
- قم بصياغة الفكرة باختيار الفكرة الواقعية والمتوازنة والإيجابية بدلاً من السلبية.
مثال:
تقول لنفسك "سأفشل غداً في العرض الذي سأقدِّمه في العمل وسأُطرَد" والتحدي هنا هو أن تسأل نفسك:
- هل فشلت في العروض السابقة؟
- هل تدرَّبت جيداً؟
- هل يمكن طردك لخطأ واحد؟
ومن ثم تصيغ الفكرة الإيجابية، وتقول "تدربت جيداً على العرض وسأبذل قصارى جهدي في التغلب على التوتر وإن لم أكن جيداً فهذا طبيعي لأتعلم من تجاربي".
3. استخدام اليقظة الذهنية لتقليل التفاعل المفرط
تساعد ممارسة اليقظة الذهنية على التركيز على اللحظة الحالية وملاحظة الأفكار والمشاعر، ويتم ذلك بـ:
- الجلوس بهدوء أو الاستلقاء والتركيز على التنفس لعدة دقائق.
- ملاحظة ما يحدث في جسدك من برودة أو دفء أو خدر دون محاولة تغيير ما يحدث ودون قمع مشاعر الخوف والقلق.
- توجيه الانتباه لشيء آخر وكأنَّك مراقب خارجي لجسدك، فمثلاً تقول لنفسك: "ألاحظ ازدياد نبضات قلبي وأشعر بالضيق في صدري، لكن لا بأس فهي أحاسيس جسدية وستمر وتنتهي".
في الختام
الخوف والقلق مشاعر طبيعية ليست عيباً أو ضعفاً، ولكنَّ الضعف هو السماح لها بمنعك من أن تعيش حياتك عيشاً طبيعياً؛ لذلك تحدثنا عن الفرق بين الخوف والقلق وكيفية استجابة الجسم للتهديد وأعراض الخوف النفسي لنعالج القلق بكافة أشكاله.
أضف تعليقاً