المدن هي مراكز للفرص والتنوع والابتكار، فهي توفر وسائل الراحة والخدمات الأساسية والفوائد الاجتماعية، مما يجعلها في كثير من الأحيان أكثر جاذبية من المناطق الضواحي أو الريف. ومع ذلك، قد تطرأ تحديات قد تؤثر بشكل كبير على الرفاهية العقلية.
على سبيل المثال، تتضمن بعض جوانب الحياة الحضرية التلوث الصوتي والتفاوتات الاجتماعية ومشاعر العزلة الاجتماعية، ويمكن أن يسبب الإيقاع السريع، وأحياناً الفوضى، في المدن الإجهاد والقلق أيضاً.
يشرح هذا المقال الارتباط بين حياة المدينة والصحة العقلية، ويسلط الضوء على المخاوف الرئيسية، ويقدم استراتيجيات لتحقيق الازدهار.
هل تؤثر الحياة في المدينة على الصحة العقلية؟
العلاقة الشاملة بين الحياة في المدينة والصحة العقلية معقدة، ولكن الأبحاث الواسعة تربط بين البيئات الحضرية وانخفاض الصحة العقلية.
ومع ذلك، يختلف التأثير بشكل كبير بسبب عوامل فردية مثل التمييز الوراثي، والوضع الاقتصادي، وقوة الشبكات الاجتماعية الداعمة. يمكن أيضاً أن تؤثر سمات محددة للمنطقة الحضرية على تأثيرها على الرفاه العقلي، بما في ذلك الحجم وكثافة السكان ومستويات التلوث. بالإضافة إلى ذلك، يلعب الوضع الاقتصادي للبلد دوراً كبيراً.
كما أظهر استعراض بحثي عام 2020 ارتباطاً بين التحضر ومخاوف الصحة العقلية، حيث ترتبط بيئات المدن بمعدلات أعلى من التحديات الصحية العقلية.
ويمكن أن تؤثر العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الطبيعية للحياة الحضرية على الصحة العقلية. من ناحية أخرى، توفر المدن مجموعة واسعة من الموارد التي يمكن أن تدعم الصحة العقلية.
على سبيل المثال، يكون الوصول إلى محترفي الصحة العقلية ومجموعات الدعم ومختلف الأنشطة الصحية غالباً متاحاً بشكل أفضل في المناطق الحضرية.
هذا وتقدم الفعاليات الثقافية وخيارات الترفيه والمجتمعات المتنوعة فرصاً لتقليل التوتر وتحقيق الإشباع الشخصي.
المخاطر المحتملة لحياة المدينة
يمكن أن تقدم الحياة في المدينة ظروفاً وتحديات قد تؤثر على الصحة العقلية، وتشمل المخاطر المحتملة:
- التمييز الوراثي.
- التلوث الصوتي والجوي.
- العزلة الاجتماعية.
- نقص المساحات الخضراء.
- كثافة السكان العالية وتكلفة المعيشة.
- التفاوتات الاجتماعية.
- رحلات التنقل الطويلة.
- الازدحام المروري.
- سوء الإسكان وتصميم المدن.
أسباب تزيد من مشكلات الصحة العقلية لدى الأشخاص في المدن
1. عوامل الخطر القائمة مسبقاً
ينتقل العديد من الأشخاص إلى المدينة بحثاً عن خدمات أفضل وفرص اقتصادية واجتماعية، والابتعاد عن تجارب سلبية في الماضي.
وبعض الأسباب التي قد يبحث الأشخاص عنها قد تكون عوامل خطر لمشاكل الصحة العقلية، مثل:
- الفقر والبطالة في الشوارع.
- المشاكل الصحية الجسدية والعقلية
- التجارب الصدمات السابقة والأزمات الشخصية
- انهيار الأسرة والإدمان والهجرة.
هذا الانتقال الاجتماعي يؤدي إلى تكوين سكان عرضة بشكل خاص للاضطرابات العقلية.
2. العوامل الاجتماعية
يواجه الأشخاص الذين يحملون عوامل خطر قائمة مسبقاً، خاصة الفقر أو الأقلية أو وجود مشاكل صحية عقلية، تفاوتاً سلبياً في المدينة، ويمكن أن يتضمن ذلك التمييز الفعلي والنفسي في أحياء قد تتسم بالفقر والتحديات الاجتماعية، مما يولد مشاعر الظلم واليأس، وتجارب التحامل والتمييز التي قد تؤثر على الصحة العقلية.
ثم إن العثور على أن انخفاض التماسك الاجتماعي والتعرض للجرائم يزيدان من خطر الإصابة بالذهان في الطفولة.
شاهد بالفديو: 7 مهارات للذكاء الاجتماعي
3. العوامل البيئية
يمكن أن تؤثر البيئة الحضرية على الأشخاص بطريقتين رئيسيتين: زيادة في التحفيز وتآكل العوامل الواقية.
4. الزيادة في المحفزات
يعيش الأشخاص في المدينة تحفيزاً زائداً بسبب الكثافة السكانية والازدحام والضوضاء وروائح ومظاهر فوضى والتلوث، حيث تم تصميم كل جزء من البيئة الحضرية بشكل متعمد لتأكيد المعاني والرسائل.
وتثير هذه المحفزات العمل والفكر على مستوى لاواعي، وتصبح أكثر فعالية عندما يحدث عجز في "التكيف"، ويمكن أن يكون لذلك تأثير في زيادة مستويات التنشيط والإجهاد والاستعداد، ولكن أيضاً دافع الأشخاص للبحث عن الراحة في الأماكن الهادئة والخاصة.
ومع مرور الوقت، قد تتطور هذه الرغبة إلى العزلة الاجتماعية المرتبطة بالاكتئاب والقلق، ويشكل أيضاً أساس فرضية البيئة لفهم الفصام.
5. تآكل العوامل الواقية
قد يجد الأشخاص الذين يعيشون في المدينة أن لديهم وصولاً أقل إلى العوامل التي تحمي الصحة العقلية بشكل جيد من أولئك في المناطق الريفية.
على سبيل المثال، قد يكون لديهم وصول أقل إلى الطبيعة، وفرص أقل لممارسة الرياضة كجزء من روتينهم اليومي، ووقت فراغ أقل نتيجة لقضاء وقت أطول في العمل والتنقل حول المدينة.
هذا وقد يجد الناس أنفسهم يشعرون بعدم الأمان، ويقللون من الخصوصية، وحتى النوم بشكل أقل، بسبب عوامل مثل الازدحام والإضاءة والضوضاء والضغط.
وفي حالة الهجرة من الريف إلى المدينة، يترك الناس في كثير من الأحيان خلفهم شبكاتهم الاجتماعية القوية من الأصدقاء والعائلة، ويستغرق الأمر وقتاً لتطوير رأس المال الاجتماعي المدعوم بنفس الطريقة في المدينة.
ويكون هذا خاصة في حالة السكان الحضريين المترددين في التفاعل الاجتماعي، لتجنب الإفراط في التحفيز، أو بسبب مخاوف الأمان، أو بسبب احتمالات التفاعل المستقبلي المنخفضة مع كل فرد يلتقون به. ومع تآكل هذه العوامل الواقية، يصبح الأفراد أكثر عرضة لتطوير مشكلات الصحة العقلية.
استراتيجيات التكيف في حياة المدينة
في وسط التحديات الحضرية، يمكن أن يساعد اعتماد استراتيجيات التكيف في بناء المرونة، وتحقيق التوازن، وتعزيز الرفاه العقلي، وتتضمن هذه الاستراتيجيات مجموعة من التقنيات التي يمكن أن تسهم في تحسين الصحة العقلية.
1. قضاء الوقت في الأماكن الخضراء
نظراً لأن قضاء الوقت في الأماكن الخضراء يمكن أن يؤثر إيجابياً على الصحة العقلية، فإن فكرة إيلاء الأمر أهمية يمكن أن تكون جيدة، ويمكن أن يساعد تضمين فواصل قصيرة للتواصل مع الطبيعة في الجداول الزمنية اليومية، مثل زيارة الحديقة، في إعادة الشحن وتحفيز الحيوية.
والأشخاص الذين لا يستطيعون الخروج أو يعملون في وظائف مكتبية يمكن أن يستفيدوا من المحفزات المتعلقة بالطبيعة. على سبيل المثال، يمكنهم محاولة مشاهدة عناصر الطبيعة على الشاشة أو وضع نباتات داخل المنزل.
وأظهر استعراض لعام 2019 أن رؤية محفزات الطبيعة، بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو للعناصر الطبيعية، قد تعزز الاسترخاء الفسيولوجي.
على سبيل المثال، أشار الاستعراض إلى أن التعرض لمحفزات الطبيعة مثل الزهور والنباتات الخضراء والمواد الخشبية، تؤثر إيجابياً على القشرة الدماغية الأمامية والأنشطة العصبية الودية، ويمكن أن تحسن هذه التأثيرات التنظيم العاطفي وكيفية تفكير الأفراد.
كما يمكن للأشخاص استخدام حلول إبداعية لتجاوز قيود المساحة المحدودة أو الرؤى غير المرغوب فيها. على سبيل المثال، يمكنهم استخدام المرايا والألوان المتناغمة والديكور لجعل المناطق الداخلية هادئة ومهدئة.
ويُشار إلى أن الزراعة في المنزل والمشاركة في الزراعة المجتمعية قد تعزز الشعور بالاتصال بالطبيعة. فوفقاً لدراسة لعام 2021، فإن الزراعة المنتظمة خفضت فرص المشاركين في تجربة الاكتئاب.
2. قطع الاتصال والاسترخاء
السماح بوقت للراحة النقية، وقت خالٍ من المحفزات الخارجية مثل التلفزيون أو الموسيقى أو البودكاست، قد يكون مهماً للصحة العقلية. حيث تجسد هذه الممارسة مفهوم اليوغا المعروف بـ "براتياهارا"، ويتضمن سحب الحواس من التشتيتات الخارجية لزرع السكينة الداخلية.
وتهدف "براتياهارا" إلى تهدئة العقل، وتقليل حمل الحواس، وتحسين الصحة العقلية. لممارسة ذلك، يمكن للشخص استخدام تقنيات عازلة مثل السماعات وآلات الضوضاء البيضاء، ويمكنهم أيضاً الاستماع إلى أصوات الطبيعة، والتي يمكن أن تساعد في خلق جو هادئ.
الاستراتيجيات الإضافية لتعزيز الرفاه العقلي تشمل:
- تعزيز الروابط الاجتماعية.
- إنشاء شبكات الدعم.
- المشاركة في الفعاليات المجتمعية.
- استخدام تقنيات تقليل التوتر.
- تطوير مهارات اليقظة الذهنية.
- ممارسة التمارين الرياضية بانتظام.
- القيام بأنشطة التأمل.
- إعطاء الأولوية لممارسات الرعاية الذاتية.
شاهد بالفديو: 6 عادات لتحسين الصحـة العقلية
3. المناطق الحضرية مقابل الريفية
تتمتع كل من المناطق الحضرية والريفية بفوائدها وتحدياتها الخاصة للصحة العقلية.
على سبيل المثال، تتميز المدن بتنوعها الثقافي وتقديم خيارات عمل أكثر، بينما تتميز المناطق الريفية بالسكينة والاتصال بالطبيعة، حيث تحتوي المناطق الحضرية على بنية تحتية أفضل، مما يوفر المزيد من الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم وفرص ثقافية واجتماعية وفكرية أكثر.
ومن ناحية أخرى، تقدم المناطق الريفية اتصالاً وثيقاً بالطبيعة، وشعوراً بالمجتمع، وإمكانية العيش بأسلوب حياة أبسط.
هذا وقد أظهر استعراض لعام 2020 أن الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية أبلغوا عن مستويات أعلى من الرضا بالحياة. ومع ذلك، قد تكون التقارير ذات طابع شخصي عالي، وغالباً ما يعتمد الرضا بالحياة على رغبات واحتياجات الشخص وخلفيته.
متى يجب الاتصال بمحترف الصحة العقلية؟
إذا كان يعاني سكان المدن من التوتر المستمر الذي يؤثر على حياتهم اليومية وعلى الرفاهية العامة، قد يرغبون في النظر في التواصل مع محترف الصحة العقلية، ويمكن أن يظهر هذا التوتر على هيئة مشاعر الحزن والقلق والاكتئاب.
ويُشار إلى أنه يمكن لمحترف الصحة العقلية وضع خطة علاجية لتحديد التحديات والتغلب عليها، مما يؤدي إلى تحسين الصحة العقلية وجودة الحياة.
وعندما تستمر مشاعر الحزن أو القلق أو التوتر وتتداخل مع الحياة اليومية، قد يكون التواصل مع خبير الصحة العقلية مفيداً.
في الختام
في نهاية المطاف، تظهر الحياة المدنية كمزيج تعقيدات وفرص، حيث ترتبط بتحديات قد تؤثر سلباً على الصحة العقلية، ولكنها أيضاً تقدم إمكانيات للتطور والازدهار الشخصي.
حيث يجب أن نتبنى استراتيجيات تكيف فعّالة للتغلب على ضغوط الحياة الحضرية، والتمتع بالفوائد التي تقدمها المدن من خلال استغلال الموارد الثقافية والاجتماعية والترفيهية.
وبالتوازن بين الحياة المدنية واهتمامات الصحة العقلية، يمكننا تحقيق رفاهية شاملة تسهم في جعل تلك التحديات جزءاً من رحلة تطويرنا الشخصي.
أضف تعليقاً