تشير الدراسات إلى أنّ جودة النوم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمستويات الاكتئاب والقلق. فالأشخاص الذين يعانون من قلة النوم أو اضطراباته غالباً ما يواجهون تحديات إضافية في إدارة مشاعرهم، مما قد يؤدي إلى تفاقم الاكتئاب.
سنستكشف في هذا المقال العلاقة بين النوم الجيد والاكتئاب، وسنقدم نصائح عملية لتحسين جودة النوم. من فهم العوامل التي تؤثر في النوم إلى استراتيجيات فعّالة لتعزيز الراحة، سنساعدكم على اتخاذ خطوات ملموسة نحو تحقيق نوم أفضل. دعونا نغوص في عالم النوم ونتعرف كيف يمكن أن يكون مفتاحاً لمواجهة الاكتئاب وتحقيق حياة أكثر توازناً وسعادة.
لماذا النوم هامّ في حياتنا؟
يُعتبر النوم جزءاً أساسياً من حياة الإنسان؛ حيث يقضي الفرد نحو ثلث عمره في هذه الحالة الطبيعية. قد يبدو للبعض أنّ هذا الوقت يُهدر، لكنَّ الحقيقة هي أنّ الجسم يؤدي عملاً جاداً خلال هذه الساعات في عالم الأحلام.
يدخل الإنسان، خلال فترات النوم العميق، في مرحلة حركة العين السريعة (REM)، التي تحدث كل 90 دقيقة تقريباً. في هذه المرحلة، يعمل الجسم وكأنه جهاز كمبيوتر؛ فيعزز قدرة الذاكرة على استعادة المعلومات. كما أن النوم يساعد في إفراز هرمونات النمو التي تُجدد نشاط الجهاز المناعي، مما يتيح للخلايا الدفاعية مواجهة الفيروسات والبكتيريا.
عندما يدخل الدماغ في مرحلة (REM)، يبدأ في مراجعة أحداث اليوم، ويُعدّ مساحة تخزين للمعلومات الضرورية ليوم الغد. بينما تغط في أحلامك، قد تجد نفسك في مواقف غريبة، كأن تصبح محققاً تطارد شخصاً ما، مما يعكس كيف يعالج دماغك المواقف والأفكار، حتى لو لم تكن مرتبطة بتجاربك اليومية. في النهاية، دون النوم الكافي، يصبح من الصعب على الجسم والدماغ أداء وظائفهما بفعالية. لذا، يُعد النوم استثماراً حيوياً في صحتنا ورفاهيتنا.
حاجتنا من الوقت للنوم
تتفاوت احتياجات النوم بحسب العمر؛ حيث توصي مؤسسة النوم الوطنية الأمريكية بأن يحصل الأطفال حديثو الولادة على ما يُقارب 14 إلى 17 ساعة من النوم يومياً. رغم ذلك، فإن النوم المتواصل لمدة 14 ساعة يبقى نادراً، وهو ما يدركه الآباء الجدد الذين يعانون من قلة النوم.
أما الأطفال في المدارس الابتدائية، فيجب أن يحصلوا على ما يُقارب 9 إلى 11 ساعة من النوم، بينما ينبغي للبالغين النوم بين 7 و 9 ساعات. على الرغم من أنّ هذه التوصيات تختلف من شخص لآخر، فمن الضروري ألا تقل ساعات نوم البالغين عن ست ساعات في الليلة. في المقابل، هناك من يحتاجون إلى 10 ساعات من النوم ليشعروا بالراحة.
لكن من الهامّ أن ندرك أن الكثير من النوم قد يكون ضاراً أيضاً. إذا كنت تحتاج إلى أكثر من 10 ساعات لتشعر بالانتعاش، فقد يكون نومك مضطرباً. أظهرت أبحاث من جامعة كامبردج أن النوم لأكثر من 8 ساعات يزيد من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية. لذا، من الضروري أن نبحث عن التوازن المثالي في ساعات النوم لضمان صحتنا ورفاهيتنا.
هل تعلم ماذا يحدث عندما لا ننام أبداً؟
شارك بعض الأشخاص كمتطوعين في تجارب علمية حيث ظلوا مستيقظين لمدة عشرة أيام متواصلة، مما أظهر مدى تأثير الحرمان من النوم في الصحة. فهذه الحالة تُعتبر شكلاً من أشكال التعذيب، ومع مرور الوقت، يواجه هؤلاء المتطوعون مشكلات صحية متعددة، مثل ارتفاع درجة حرارة الجسم، وانخفاض القدرة على التركيز، والشعور بالخمول، بالإضافة إلى فقدان جزئي أو كلي للقدرات المعرفية والحركية. يصبح التفاعل مع المحيط أبطأ في الليلة الثانية من عدم النوم، ويظهر على الشخص تأثيرات مشابهة لحالة السُكر.
أما في ما يتعلق بمدى خطورة نقص النوم الحاد، فتختلف الآراء بين الباحثين حول ما إذا كان يمكن أن يؤدي إلى الوفاة. على سبيل المثال، في حالة الأرق الوراثي المميت، يموت المرضى بعد فترة تتراوح بين 6 إلى 30 شهراً، لكن السبب المباشر للوفاة هنا هو فشل عدة أعضاء في الجسم. لذلك، يبقى تأثير الحرمان من النوم موضوعاً معقداً يستدعي مزيداً من البحث لفهم جميع أبعاده.
شاهد بالفيديو: 7 نصائح مضمونة للحصول على نوم أفضل ليلاً
هل النوم الجيد يحارب الاكتئاب؟
أوصت دراسة أمريكية حديثة بضرورة دمج النوم الجيد ليلاً في علاج الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب، وذلك وفقاً لبحث أجراه علماء من جامعة بينجهامتون ونُشر في المجلة العلمية ScienceDirect.
تشير الدراسة، التي تأتي كاستمرار للأبحاث حول فوائد النوم الكافي، إلى أنّ النوم لأقل من 8 ساعات ليلاً يمكن أن يزيد من فرص التفكير السلبي المتكرر المرتبط باضطرابات القلق والاكتئاب. للوصول إلى هذه النتائج، خضع المشاركون، الذين ناموا لساعات أقل أو أكثر من 8، لاختبارات تتضمن النظر إلى مجموعة من الصور التي تحفز الاستجابات العاطفية.
أظهرت النتائج أن انخفاض ساعات النوم يرتبط بصعوبة في تحويل الانتباه بعيداً عن المعلومات السلبية. يعني هذا أنّ عدم الحصول على كفاية من النوم يعزز الأفكار السلبية، مما يؤدي إلى تفاقم اضطرابات مثل القلق والاكتئاب.
كما دعا الباحثون مختصي علم النفس إلى استخدام هذه النتائج لتعزيز عدد ساعات نوم المرضى كوسيلة لطرد الأفكار السلبية وتحسين حالاتهم. من الجدير بالذكر أنّ قلة النوم ليست وحدها المسؤولة عن المشاعر السلبية؛ إذ يرتبط أيضاً النوم لأكثر من 8 ساعات بالأعراض نفسها. لذا، يُفضَّل الحصول على قسط كافٍ من النوم ليلاً دون زيادة أو نقصان، للوقاية من اضطرابات القلق والاكتئاب.
تؤكد أبحاث سابقة أنّ النوم الجيد، والذي يتراوح بين 7 إلى 8 ساعات يومياً، يُحسّن الصحة العامة ويقي من عديدٍ من الأمراض، مثل السكري، والسمنة، والزهايمر. كما ربطت الدراسات بين اضطرابات النوم وزيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية والنوبات القلبية وضعف الجهاز المناعي.
كيف يمكننا النوم جيداً؟
إلى جانب الالتزام بقاعدة "لا هاتف في غرف النوم"، من الهامّ أيضاً تقسيم أنشطتنا بصورة صحيحة داخل المنزل، إذا كانت المساحة تسمح بذلك. من الأفضل أن نخصّص أماكن معينة لكل نشاط: العمل في المكتب، مشاهدة التلفاز في غرفة الجلوس، وتناول الطعام في غرفة الطعام. بهذه الطريقة، نربط غرفة النوم بالنوم والراحة فقط.
كما يجد الأشخاص الذين يلتزمون بمواعيد نوم ثابتة، حتى في عطلات نهاية الأسبوع، أنفسهم ينامون بسرعة وسهولة، مما يعزز جودة نومهم. لضمان نوم هادئ وعميق، يجب أن تتوفر في غرفة النوم ظروف ملائمة، مثل الهدوء، والظلام، ودرجة حرارة تتراوح بين 15 و18 درجة مئوية، بالإضافة إلى استخدام وسادة وسرير مريح. هذه العوامل جميعها تساهم في تحسين جودة النوم وراحة الجسم.
ما هو الوقت المناسب للنوم؟
أظهرت دراسة شاملة شملت 840 ألف شخص أنّ الأفراد الذين يحملون جينات مرتبطة بالنوم المبكر، كانوا أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب. وفقاً لنتائج الدراسة، فإنّ الشخص الذي يذهب إلى الفراش في العاشرة مساءً ويستيقظ في الخامسة صباحاً لديه خطر أقل بنسبة 23% للإصابة بالاكتئاب الشديد. على النقيض من ذلك، فإنّ من يخلدون إلى النوم في منتصف الليل ويستيقظون في السابعة صباحاً يواجهون زيادة في خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 23% مقارنة بالشخص العادي. تعزز هذه النتائج أهمية تنظيم مواعيد النوم وتأثيرها في الصحة النفسية.
هل الاستيقاظ باكراً والنوم باكراً يقلل خطر الإصابة بالاكتئاب؟
إذا كنت تنام باكراً وتستيقظ باكراً، فهذا لا يعني بالضرورة أنّك ستشعر بسعادة أكبر. مع ذلك، إذا كنت معتاداً على النوم متأخراً في الساعة الواحدة صباحاً وقررت التوجه إلى الفراش في الساعة الحادية عشرة، فإنّك ستقلل من خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة تصل إلى 40%، وفقاً للدراسة.
يجب أن تتعرض لضوء الشمس للحصول على فوائد الاستيقاظ المبكر؛ إذ غالباً ما يحصل من يستيقظون مبكراً على ضوء الشمس خلال النهار، مما يؤثر إيجاباً في حالتهم المزاجية. لذا، تأكد من التعرض لأشعة الشمس؛ لأنّه إذا استيقظت مبكراً وجلست في غرفة مظلمة، فلن تشعر بأي فائدة من الاستيقاظ في الوقت المناسب.
أيضاً، أظهرت دراسة أخرى صدرت في يونيو 2021، استندت إلى بيانات جينية لـ 85 ألف شخص، أنّ الالتزام بنفس جدول النوم طوال الأسبوع مرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب؛ حيث إنّ الأشخاص الذين يفضلون النوم متأخراً، يميلون غالباً إلى الاستيقاظ متأخراً في أيام العطلات مقارنةً بأيام العمل. لذا، من الهامّ الالتزام بجدول نوم ثابت يشمل الاستيقاظ مبكراً حتى في أيام الإجازة لتحقيق الفوائد المرجوة.
ماذا يحدث عند النوم ساعة إضافية؟
يعتقد الباحثون أنّ إضافة ساعة من النوم باكراً تؤدي إلى زيادة الشعور بالسعادة وتقليل التوتر. يساعد استيقاظك مع شروق الشمس في تنسيق ساعتك البيولوجية مع الإيقاع الطبيعي للحياة. علاوةً على ذلك، يُحسّن النوم المبكر من مظهرك الخارجي؛ حيث لا يمكن لأفضل روتين للعناية بالبشرة أن يخفي الهالات السوداء تحت عينيك الناتجة عن قلة النوم. أكّدت دراسة سويدية حديثة أنّ الصور التي تُظهر أشخاصاً مرتاحين تُصنف على أنّهم أكثر جاذبيةً وصحةً، بينما يُعد الأشخاص المحرومون من النوم أقل جاذبيةً وأقل قابليةً للتواصل الاجتماعي. لذا، فإن الحصول على قسط كافٍ من النوم ليس فقط مفيداً للصحة النفسية؛ بل يُضيف أيضاً توهجاً طبيعياً لبشرتك، مما يعزز شعورك بالسعادة.
في الختام
يؤدي النوم الجيد دوراً حاسماً في محاربة الاكتئاب وتعزيز الصحة النفسية عموماً. يمكننا، من خلال تحسين عادات النوم وتخصيص الوقت الكافي للراحة، تعزيز مزاجنا وتقليل مستويات التوتر والقلق.
تدعم الأبحاث العلمية هذا الارتباط، مما يجعل من الضروري أن نضع النوم في مقدمة أولوياتنا. إذا كنت تسعى لتحسين صحتك النفسية، فابدأ بتقييم عادات نومك واستثمار الوقت اللازم للحصول على قسط كافٍ من الراحة. تذكر أنّ نوماً جيداً هو مفتاح لحياة أكثر سعادة وإيجابية.
أضف تعليقاً