لذلك لا تعد آداب التعامل مع الثقافات قواعد جامدة تتطلع عليها؛ بل مفتاحاً لفهم الآخرين في مسيرتك المهنية ورحلاتك الشخصية.
أهمية فهم التنوع الثقافي
نحتاج إلى آداب التعامل مع الثقافات المختلفة أكثر من أي وقت آخر عند العمل في بيئات متنوعة والسفر لها، وفيما يأتي أسباب توضح أهمية فهم التنوع الثقافي:
تأثير العولمة في التفاعلات الثقافية
نعيش الآن تحت تأثير العولمة في حياتنا، والتي أصبح العالم بفضلها قرية كونية صغيرة كما يُقال، فلا تحتاج للسفر إلى أوروبا لتقرأ الكتب عنها أو لتتفاعل مع شعبها؛ بل يمكن أن تدرس عن بُعد بوجود الإنترنت وتتعامل مع مئات الأشخاص من دول مختلفة، أو قد يجمعك بهم مجموعة لرجال الأعمال أو للمهتمين بالأشياء ذاتها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
لذلك، فرضت علينا العولمة مواجهة اختلافات يجب التعامل معها بوعي وتفهُّم حتى لا تتحول إلى مشكلة غير مقصودة وتقع في الإحراج، وربما تضر علاقاتك الشخصية والمهنية نتيجة ذلك. يعزز إدراك هذه الحقيقة وآداب التعامل مع الثقافات الاحترام المتبادل بين الثقافات.
أمثلة عن سوء الفهم الثقافي الشائع
كثيرة هي الأمثلة التي توضِّح الحساسية الثقافية والتي قد تواجهها في التعاملات اليومية، وأبرزها ما يأتي:
- يعد رفع الإبهام في ثقافتنا العربية لإظهار الإعجاب والموافقة أمراً طبيعياً، ولكن في إيران وأفغانستان وبعض مناطق العراق تعد إشارة مهينة جداً وكفيلة لنشوب خلاف.
- تُعِدُّ الثقافات الغربية، مثل أوروبا وأمريكا الشمالية التواصل البصري المباشر والمتواصل في التحدث علامةَ صدقٍ وانتباهٍ وثقةٍ أيضاً، بينما في الثقافات الشرق أوسطية والآسيوية والأمريكية اللاتينية تدل على عدم الاحترام وفيها شيء من التحدي أو الوقاحة وخصيصاً من قبل النساء تجاه الرجال أو من قبل الشباب تجاه كبار السن.
- يعدُّ قول "ربما" أو "يمكن" لتجنُّب قول "لا" مباشرة تجنباً لإحراج الآخر أو مواجهته مباشرة كما يحدث في ثقافات شرق آسيا أمراً طبيعياً، ولكن في ثقافات أخرى يُعد ذلك نوعاً من الموافقة الحقيقية، فتقع في لَبسٍ، مثل الثقافات الأمريكية والألمانية.
- يعد إصدار صوت في تناول الطعام ورشف الحساء أو المعكرونة استمتاعاً بالطعام في الصين واليابان، ولكن في الثقافات الغربية يعد سلوكاً غير لبق.
- يعد استخدام اليد اليسرى في مصافحة الآخرين أو تناول الطعام أمراً غير مهذب في جنوب آسيا والشرق الأوسط.
نصائح للتعامل مع أشخاص من ثقافات مختلفة
تضمن آداب التعامل مع الثقافات مجموعة نصائح تندرج تحت إتيكيت التعامل الدولي أهمها ما يأتي:
1. استمِعْ بنشاط وتجنَّب الافتراضات
يعد الاستماع أبعد من مجرد سماعك للكلمات التي تقال، فهو التركيز الكامل مع مَن يتحدث لفهم المعاني الكامنة خلف حديثه وإدراك المشاعر، وذلك من خلال الانتباه إلى نبرات الصوت التي تنقل إلينا معاني لا تنقلها الكلمات، فتساعد على تجنب سوء الفهم الناتج عن الفروقات اللغوية.
بالإضافة إلى ذلك، يساعد تجنُّب تفسير التصرفات التي تراها بناءً على خلفيتنا الثقافية على تجنب سوء الفهم وفتح الباب أمامنا للتعلم واكتشاف الثقافة الجديدة، وذلك من خلال آداب التعامل مع الثقافات التالية:
- التركيز بكامل حواسك مع الشخص من الثقافة الأخرى وتجنُّب المشتِّتات وعدم المقاطعة.
- طرح أسئلة واضحة عندما تشعر بوجود أشياء غير مفهومة.
- تجنُّب التفسيرات الأولية والتشكيك بكل ما تسمع وترى من أشياء جديدة ومحاولة فهم المعنى من خلال السياق.
شاهد بالفيديو: 6 مفاتيح أساسية للتواصل بشكل فعّال مع الآخرين
2. راعِ اللغة وتواصَل تواصلاً غير لفظي
يعد التواصل غير اللفظي هاماً عند التعامل مع التنوع الثقافي، فلا يقتصر التواصل على الكلمات؛ لذلك تحدَّث ببطء عند وجود حاجز لغوي وتجنَّب المصطلحات العامية أو المعقدة واعتمِد على الكلمات البسيطة، ولا تفترض أنَّ الشخص الآخر فهِمَ رسالتك، واطرح أسئلة تؤكد فهمك.
هناك ثقافات تحترم الصمت، فإن واجهتَ صمتاً في المحادثة لا تتحدث؛ بل لاحِظ ما يفعله الآخرون وكيف يتفاعلوا في حديثهم:
- هل تُستخدَم إيماءات؟
- هل يوجد تواصل بصري مستمر؟
- ما المسافة بينهم وبين المتحدث؟
- هل يصافحون أو يعانقون أو يُربِّتون على الظهر؟
ابحث بحثاً بسيطاً من خلال الإنترنت قبل السفر أو اجتمِع مع شخص من ثقافة أخرى لكي لا تصدر إشارات تبدو بسببها أنَّك غير منفتح أو متوتر.
إقرأ أيضاً: آداب التعامل مع الزملاء في مكان العمل
3. احترِم العادات والتقاليد المحلية
يبدأ الاحترام المتبادل بين الثقافات من احترام عادات وتقاليد الآخر، فيبني ذلك جسر الاتصال بين الثقافات، فالعادات والتقاليد جزء من هوية أي مجتمع، وعندما يرى أفراده جهدك المبذول لفهمهم واحترامهم ستحظى بمكانة فريدة لديهم. مثلاً، من آداب التعامل مع الثقافات أن تستخدم أدوات تناول الطعام على طريقتهم وإن تُركَت بعض البقايا في الطبق فافعل ذلك.
وإن كانت أدواتهم صعبة الاستخدام كالعيدان عند الصينين، اعترِف بعدم قدرتك على استخدامها واطلب تعلم ذلك.
وكذلك اللباس ففي حال زيارتك لمنطقة لديها زي مخصص أو محتشم ارتدِ ما يشبه ملابسهم وخصيصاً في أماكنهم المقدسة، وأيضاً عند التحدث ابدأ برسمية حتى يُطلب منك أن تكون على طبيعتك.
أمثلة عن الاختلافات الثقافية وتأثيرها
كثيرة هي الأمثلة عن التنوع الثقافي والتي تفرض علينا تعلُّم إتيكيت التعامل الدولي وآداب التعامل مع الثقافات لمراعاة الحساسية الثقافية، وفيما يأتي أبرز الأمثلة:
1. التحية والتواصل الجسدي
تبني لحظات التواصل الأولى العلاقات والاجتماعية؛ لذلك من آداب التعامل مع الثقافات فهم الفروقات الثقافية في التحية والتواصل الجسدي؛ لذا نبدأ بالمصافحة الشائعة في بلداننا العربية ولكن تختلف قوتها ومدتها إن كانت بيد واحدة أو باليدين من بلد إلى آخر.
كما تَعُدُّ بعض البلاد مصافحة الرجال والنساء طبيعية، ولكنه أمر مرفوض في عدد من الدول العربية والأجنبية.
في كوريا الجنوبية لا يسمح إطلاقاً بالمصافحة، بينما يمكن تقبيل شخص في المرة الأولى للقائكم على خده بأجزاء من أوروبا وأمريكا اللاتينية وشمال أفريقيا والشرق الأوسط ولكن في إسبانيا يعد ذلك وقاحة.
أمَّا الانحناء بوصفه نوعاً من التحية، فهو شائع في ثقافات شرق آسيا ولكن تختلف الدرجة وفق مكانة الشخص وعمره، وضم اليدين شائع في جنوب آسيا كالهند وفي بعض المناطق يعد ضمهما على مستوى الصدر مع الانحناء الخفيف تحية تدل على الاحترام.
2. مفاهيم الوقت والمواعيد
يختلف تقدير الوقت والمواعيد من ثقافة إلى أخرى، ففي ثقافات، مثل سويسرا وألمانيا وأمريكا الشمالية يعد الجدول الزمني هاماً جداً ويجب الالتزام به بصرامة، فلكل وقت مهمة؛ لذلك لا يمكن التأخر؛ لأنَّ تأخرك يُفهَم على أنَّه عدم احترام للآخرين.
بينما في ثقافات أخرى، مثل الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا يُعامَل الوقت بمرونة أكبر ويمكنك تغيير الجدول الزمني بناءً على التغيرات الطارئة في الحياة الشخصية.
فيمكن أن تتداخل المواعيد فتغير إحداها بسهولة، كما أنَّ التعامل مع التأخير، يختلف من ثقافة إلى أخرى، فمثلاً التأخير 5 دقائق يعد طبيعياً في الدول الملتزمة التزاماً صارماً بالوقت، بينما في ثقافات أخرى يمكن التأخر من 15 إلى 30 دقيقة دون عدِّ ذلك إهانة.
لذلك اكتشِف مفاهيم الوقت في ثقافة من تتعامل معه، وإن كنت مرناً في التعامل مع الوقت واضطررت للتأخر عن اجتماع لا تفترض أنَّ الآخرين مثلك؛ بل اتَّصِل واعتذِر وأخبِر الطرف الآخر بالموعد المتوقع لوصولك.
3. أساليب اتخاذ القرار والتفاوض
يتطلب إبرام الصفقات وعقد الاجتماعات اهتمام بهذه النقطة في ثقافة الطرف الآخر، فتختلف طريقة تناول عملية اتخاذ القرار من ثقافة إلى أخرى. ففي أستراليا والولايات المتحدة يتَّخذ الأفراد والمدراء القرارات بناءً على السلطة التي يمتلكها الفرد، بينما في عدد من دول الشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية يعتمد اتخاذ القرار على التشاور بين جميع الأطراف للحصول على الموافقة الجماعية.
كما أنَّ الثقافات التي تولي الوقت اهتماماً مخصصاً، تركز في الاجتماعات على شروط الصفقات وأي حديث آخر يعد مضيعة للوقت، بينما في ثقافات أخرى تعد العلاقة الشخصية كافية للثقة بالطرف الآخر وبناء العلاقات الشخصية هام خارج نطاق التفاوض وقد يُتجاهَل التركيز على التفاصيل القانونية، فيعد العقد مجرد اتفاق شكلي ليس أكثر من ذلك؛ لذلك اسأل عن خطوات اتخاذ القرار وعدِّلْ جدولك الزمني وتوقعاتك قبل الاجتماع وخصِّص وقتاً لبناء رابط شخصي إن تطلَّب الأمر.
في الختام
اتَّبِعْ قواعد إتيكيت التعامل الدولي التي تضمن الاحترام المتبادل بين الثقافات لتجنُّب الإحراج عند التعامل مع شخص لديه ثقافة مختلفة خلال عملك في فرق عمل متنوعة أو عند السفر إلى بلد لأول مرة.
أضف تعليقاً