ربما يعيدك عقلك إلى اللحظات المؤلمة والصدمات والأخطاء، وقد تدخل في جدل مع نفسك سواء لإبقاء نفسك مشغولاً أم للبحث عن أجوبة للهدف من الحياة وكيفية إدارة الأمور على نحو أفضل، أو ربما تطيل التفكير في قرار معين حتى تصل إلى حالة من التردد وعدم القدرة على اتخاذ قرار، فعلى الرغم من فائدة التفكير، فقد يزيد من ألمك وتعقيد حياتك، خاصة عندما تعلق في دوامة لا تستطيع الخروج منها إلى الواقع، وإذا كنت تشعر بهذا وتتساءل كيف تخرج من هذه الحالة، فهذا المقال يقدم لك طرائق مدعومة علمياً لمساعدتك.
ما هي دوامة التفكير السلبي؟
عندما تدخل في دوامة التفكير السلبي، فهذا يعني أنك تفكر باستمرار وتقيم نفسك والآخرين والعالم من حولك، ومن منظور إيجابي، قد يعني ذلك أنك شخص متأمل وتفكر بعمق، وقدرتك على التفكير تساعدك على التعلم وتقدير الأمور والتخطيط، ولكن عندما تطيل التفكير، فإنك تدخل في دوامة يصعب الخروج منها، ووجدت دراسة أن الإمعان في التفكير واجترار الأفكار والتحليل الزائد والنظر إلى الماضي والحاضر والمستقبل، كلها عوامل تؤدي إلى التعاسة.
ما هو سبب الدخول في دوامة التفكير السلبي؟
التفكير أمر طبيعي ومفيد، ولكن يصبح مضراً عندما تسيطر عليك أفكارك، وإليك أهم الأسباب التي تجعلك عالقاً في هذه الدوامة:
- لقد مررت بألم وصدمات، ولذا بوصفها آلية للتكيف، انفصلت عن جسدك أو الواقع، وأصبح عقلك مكاناً أأمن، كأنه ملاذ ترتاح فيه إلى الأفكار السلبية العميقة التي تراودك، أو تعتقد أن مراقبة حياتك من بعيد أفضل من عيشها وتحمل مسؤوليتها.
- قد تكون انطوائياً، أو خجولاً، أو تعاني من القلق الاجتماعي، لذا فإن التأمل الداخلي هو طريقتك في التكيف واستعادة النشاط.
- لقد تعلقت بأفكارك الشخصية، وأصبح حوارك الداخلي جزءاً لا يتجزأ من شخصيتك.
أضرار الدخول في دوَّامة التفكير السلبي:
ثمة عواقب سلبية للانشغال الدائم في أفكارك وعدم الانتباه للعالم الخارجي، فعندما يتشبث عقلك بالأفكار المقلقة والخوف والتكهنات السلبية، يصبح هذا هو وضعك الدائم، فقد تشعر بأنك حبيس أفكارك، وإليك بعض سلبيات هذا الأمر:
- نظراً لأن أفكارك مشبعة بالسلبية، فإنها تؤثر في مزاجك وسعادتك، ومن الشائع أن يؤدي التفكير الزائد إلى التعاسة.
- تؤثر أفكارك في شعورك ونظرتك إلى العالم وقراراتك وسلوكك، وعندما لا تفكر بوضوح، من السهل اتخاذ قرارات خاطئة والشعور بالارتباك عندما يتعين عليك التصرف.
- تقاوم التغيير وفرص النمو.
- تبقيك دوامة الأفكار عالقاً في الماضي أو قلقاً بشأن المستقبل وتحرمك متعة الحاضر.
- يؤثر التوتر والقلق في صحتك العامة بسبب الرابطة القوية بين الجسم والعقل، وتتأثر صحتك العقلية والجسدية، وهذا يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم والصداع، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب ومشكلات الهضم والأرق وغيرها.
- بسبب تدهور صحتك، تتأثر علاقاتك ووضعك الوظيفي والمالي أيضاً.
كيفية الخروج من دوامة التفكير السلبي والعودة إلى الواقع:
إليك اقتباسان من الفيلسوف "ماركوس أوريليوس" (Marcus Aurelius) عن قوة أفكارنا:
- "يمكنك السيطرة على عقلك لا على الأحداث الخارجية، فأدرِكْ هذا، سوف تجد القوة".
- "تعتمد سعادتك في الحياة على نوعية أفكارك".
7 طرائق للخروج من دوامة التفكير السلبي والعودة إلى الواقع:
1. التأمل:
علمياً، يزيد التأمل من نمو الأنسجة القشرية في الدماغ، وهذا يعزز قدرة الدماغ على التفكير المعقد والتعامل مع الضغوطات على نحو أفضل، وعند ممارسة التأمل بانتظام مع التركيز على اليقظة الذهنية، يتلقى الدماغ محفزات صحية، وهذا يجعل عمليات التفكير متوافقة مع أنماط تفكير أكثر انتظاماً، وتساعدك أنماط التفكير المنتظمة هذه على توجيه أفكارك، وإضعاف الأفكار السلبية التي تقيدك، ويجعلك التأمل تتوقف عن التركيز على الذات "أنا"، وهذا يعني أنَّك ترى صورة أشمل لما يجري وتتخلص من اجترار الأفكار.
نظراً لأن التأمل يستهدف الأفكار الدخيلة تحديداً؛ فهو طريقة رائعة لتصبح أكثر وعياً بالذات، وأقدر على ملاحظة الأفكار غير المفيدة، والتفاعل معها بوعي، فعندما تتخلص من الأفكار غير المفيدة والدخيلة، يمكنك الخروج من دوامة التفكير والعيش بوعي أكبر.
اجلس بهدوء، وراقب تنفسك، وعندما تستنشق الهواء، انتبه إلى الأفكار التي تدور في عقلك، وليس عليك سوى مراقبة تلك الأفكار، وأعد توجيه انتباهك إلى تنفسك، وعندما تشعر براحة أكبر، يمكنك اتخاذ قرار بالتخلص من تلك الأفكار دون أن تنتقدها.
2. مواجهة الأفكار السلبية:
علمياً، عندما تتقبل أفكارك، فإنك تخدع دماغك وتعيد ضبطه، فتصبح أفكارك أقل تركيزاً على المآسي وأكثر سلاماً، ولقد ثبت أن الطفو (تقنية من تقنيات الاسترخاء) يحفز عملية إعادة ضبط العقل، والتخلص من القلق والتوتر، ولِحسن الحظ، جسمك وعقلك متصلان، وعندما يرتاح الجسم، يرتاح العقل، فأن تتركَ جسمك يطفو فوق نهر أو في الطبيعة هو وسيلة لإعادة ضبط القلق لديك بلطف حتى تكون مستعداً لاتخاذ الخطوات الأولى للتخلص من التفكير السلبي أو الأفكار الدخيلة.
فكر في الطفو بمساعدة معالج يحلل أفكارك عندما يسترخي عقلك ويصبح جاهزاً للنقاش، وجزء من الارتياح الذي تشعر به هو قبول وجود هذه الأفكار، والإقرار بأنها مؤلمة، والاستعداد للتخلص منها، فعندما تتحدث مع معالج نفسي، يجري حوار يتيح لك اكتشاف ذاتك، وقبول الحديث عن أنماط تفكيرك المدمرة، وابتكار استراتيجيات جديدة للصفاء الذهني، فلا تقاوِمْ أفكارك، بدلاً من ذلك، تقبل الأفكار بوصفها جزءاً منك، وعندما تكون جاهزاً، يمكنك التخلص منها.
شاهد بالفيديو: 5 طرق لمحاربة التفكير السلبي في الحياة
3. التركيز على الآخرين:
علمياً، يضع العمل التطوعي والخيري مخاوفك في منظورها الصحيح، ويعيد توجيه طاقاتك، ويجعلك تشعر بتحسُّن، ولهذا السبب يساعد التركيز على الآخرين على محاربة الأفكار الدخيلة، وعندما تشغلك أفكارك السلبية، من المرجَّح أن تفقد اتصالك بالعالم الخارجي لأن عقلك يجعل كل شيء يدور حولك، ما يفسد نظرتك إلى العالم، وهنا يساعدك العمل التطوعي حقاً، فعندما تهتم بشخص آخر غير نفسك، تستعيد توازنك وتفهم الحياة فهماً أفضل.
يساعدك الاهتمام بالآخرين على الشعور بالرضى تجاه نفسك والاستمتاع بنشاطاتك اليومية، وهذا بدوره يساعدك على استعادة التركيز على واقعك، ويساعدك فعل الخير على عيش الحاضر والتركيز على الآخرين بدلاً من التركيز على نفسك طوال الوقت.
4. ممارسة الرياضة:
علمياً، السعادة والحركة الجسدية أمران متلازمان، وعن طريق الحركة، ينتج الجسم هرمونات الشعور بالسعادة، ويحرر عوائق الطاقة، ويعيد ربط الدماغ بالجسم، ويؤدي الانشغال في التفكير السلبي واجترار الأفكار إلى فقدان اتصال دماغك بجسده المادي، وتتجلَّى نتيجة ذلك في تدهور العمليات الفيزيولوجية، مثل الدورة الدموية والتنفس والهضم، وبممارسة الرياضة، يتذكر الدماغ وجوده الجسدي، وتتعزَّز المسارات العصبية أكثر، ويبدأ الدماغ بإعادة التركيز على ما يهم وظيفته في السيطرة على جسمك.
لا يتعين عليك الانضمام إلى صالة الألعاب الرياضية، فالنشاط البدني المنتظم، خاصة النشاطات التي يمكنك القيام بها تلقائياً، له فوائد هائلة على صحتك العقلية، فالمشي والجري وركوب الدراجات، هي نشاطات ممتازة تساعد عقلك على إعادة التركيز والسيطرة على جسدك، واجمَعْ هذا مع التأمل واليقظة الذهنية وستحصل على مجموعة تمرينات مفيدة جداً.
5. الوعي:
علمياً، إذا كانت أفكارك تتشتت باستمرار وتواجه صعوبة في تهدئتها، يمكنك استخدام اليقظة الذهنية لإعادتها بلطف إلى التفكير المنطقي، وتعني اليقظة الذهنية التأمل والتركيز على الحاضر دون انتقاد، وعندما تدخل في دوامة التفكير السلبي، قد يساعد التركيز على الجسم على إعادة اتصال العقل به، ويمكن تحقيق ذلك بممارسة نشاطات مثل التدليك واليوغا والعزف على آلة موسيقية وغيرها، وتساعد هذه النشاطات على تهدئة العقل وإعادة توجيه طاقته، ويساعد استخدام عبارات التأكيد الإيجابية أيضاً على التركيز وإعادة ترتيب أفكارك.
مثلاً عندما تشعر أن أفكارك تتزاحم في عقلك، يمكنك قَول عبارة تأكيد مثل: "أنا أستنشق ببطء وأستعيد السيطرة على تفكيري"، تساعد هذه العبارات على تهدئة التفكير الفوضوي وتجذب انتباهك إلى الحاضر، وهذا يُعيد التركيز للعقل ويساعدك على الخروج من دوامة التفكير السلبي.
6. ممارسة تمرينات التنفس:
علمياً، التركيز على التنفس هو أمر هام، وذلك لما له من تأثيرات فيزيولوجية تعمل على تهدئة مشاعر القلق فوراً، ووقف الأفكار الدخيلة؛ لذا مارِسْ تمرينات التنفس يومياً، فترتبط أنفاسك ارتباطاً وثيقاً بأشياء مثل ضغط الدم، وإنتاج الهرمونات، ومستويات الطاقة، وإشارات الجهاز العصبي وغيرها، فعندما تركز على التنفس، يمكنك التحكم في حالة اليقظة لديك، وهذا يساعدك على تنظيم أفكارك.
يساعد التنفس البطيء على تخفيف النبضات العصبية، والتي عادة ما تحفز الأفكار الدخيلة والقلق؛ لذا خذ نَفَساً عميقاً واحبسه، ثم أطلقه ببطء، وانتظر، واستنشق مرة أخرى، وكرر ذلك بضع دقائق، وحاول أن تتذكر تلك الأفكار السلبية، ستجد أنها لم تعد قوية كما كانت.
يساعدك التركيز على التنفس على إعادة تهيئة الدماغ، فيمكنك اختيار ما تفكر فيه، وتجاهل الأفكار الدخيلة، والعودة إلى التفكير الواقعي، بالطبع، إذا كنت تتنفس بسرعة وبطريقة غير منتظمة، فقد تحصل على نتائج مناقضة، وفي الواقع، يتنفس معظمنا بسرعة بدلاً من الاستمتاع بالتنفس ببطء وبعمق.
جرب تنفس اليوغا، أو التركيز على التنفس العميق، فيساعد التنفس البطيء على استرخاء الدماغ، وإنتاج مزيد من السيروتونين (الذي يساعدك على الشعور بالراحة)، ويقلل أيضاً من إنتاج الكورتيزول (ما يعني تقليل هرمونات التوتر).
7. تدوين الأفكار في مفكرة:
علمياً، أظهرت الدراسات أن الكتابة يومياً قد تساعدك على السيطرة على أفكارك، وتهدئة التفكير السلبي، والتعامل مع الألم على نحو أفضل، فعندما تكتب في المفكرة، فإنك تنقل أفكارك السلبية إلى الورق، ويمكنك فحص كل منها على حدة، وتقييم قيمتها، وتحديد الأفكار التي تريد التخلص منها، فالكتابة عملية تطهيرية، وفي غياب الحديث إلى معالج نفسي، فإن الاحتفاظ بمفكرة يمثل مكاناً آمناً، فيمكنك تفريغ الأفكار الدخيلة.
عند الكتابة، قد تجد أيضاً طريقة للتعامل مع الأفكار المتكررة، مثل الخوف أو محفِّزات القلق، ومع وضع خطة محكمة، تستطيع تسخير قوة عقلك لخدمتك والسيطرة على أفكارك، وتعد كتابة اليوميات أيضاً طريقة رائعة للتعامل مع صدمات الماضي التي ما تزال تؤثر في حياتك اليومية، فإذا لم تحل هذه المشكلة، فقد تعاني القلق والاكتئاب ومشكلات شخصية في حياتك، فيساعدك التدوين على مواجهة المشكلة مباشرة، والعثور على طرائق إبداعية فريدة للتعامل معها.
في الختام:
عندما تدخل في دوامة التفكير السلبي وتفقد السيطرة على أفكارك بسبب انفصالك عن الواقع، عليك ممارسة التأمل واليقظة الذهنية والرياضة وتمرينات التنفس، ولا تنسَ أيضاً الخروج إلى الطبيعة والاستمتاع بأشعة الشمس وتدوين يومياتك.
انفوغرافيك: عندما تدخل في دوامة التفكير السلبي، فهذا يعني أنك!

أضف تعليقاً