يأتي كثير من الناس إلى العلاج يحملون معهم خيبة الأمل من علاقاتهم الفاشلة، فقد يقولون أشياء مثل:
- "ما زلت أعاني من الصدمة، ولقد بدا كل شيء مثالياً، كما كان من المفترض أن يكون، والآن صرت أشكِّك في كل شيء، وكيف يتحوَّل ما كنت أظنه عين الصواب إلى خطأ فادح؟".
- "اعتقدت أنَّني وجدت توأم روحي، والآن أرى ثغرات في علاقتنا، فلقد أصبحنا نعيش يومياً في حالٍ من الجدال، وسوء الفهم، وبرود المشاعر، كيف أتخطى هذا؟".
في المراحل الأولى من العلاقة الرومانسية، من الشائع أن يفتتن الناس بشرارة الانجذاب واللحظات الحميمة التي تؤثر في حسن تقديرنا للأمور، ولكن لا تقتصر العلاقة على هذا الافتتان الآسر فحسب؛ بل يلزمها التوافق، وهو مزيج معقَّد من المعتقدات والتطلُّعات المشتركة وأساليب التواصل التي تحافظ على العلاقة بمرور الوقت.
يعدُّ إدراك الفرق الجوهري بين الانجذاب والتوافق أمراً ضرورياً لبناء علاقات سليمة ومُرضية، فبينما يُشعل الانجذاب العاطفة، فإنَّ التوافق يغذِّي جوهر الرابطة الدائمة، فقد يؤدِّي الفشل في التمييز بين الاثنين إلى عواقب مختلفة، بدءاً من العلاقات المضطربة المليئة بالخلاف إلى الإدراك المؤلم بأنَّ العاطفة كانت مجرد شرارة مؤقتة، وهذه التجارب لها تأثير عميق، وتترك ندوباً تبقى مدة طويلة بعد شفاء الجروح الأولية، إليك:
3 طرائق لاكتشاف الفرق بين الانجذاب والتوافق
1. تحيُّز الانجذاب الجسدي
نميل غريزياً إلى إعطاء الأولوية للانجذاب الجسدي عند اختيار الشركاء، وهذه الغريزة، المتأصِّلة في ماضينا التطوري، كانت تضمن في يوم من الأيام بقاء نوعنا، وكانت توجِّه أسلافنا نحو الشركاء الذين يبدون أصحَّاء ومناسبين للإنجاب، واليوم على الرغم من أنَّ مخاوف البقاء أصبحت أقل إلحاحاً، فإنَّ الانجذاب الجسدي ما يزال قوياً، وقد تكون تلك الشرارة الأولية بين شخصين لا تقاوَم، فتجذب انتباهنا وتلهب عواطفنا.
تؤيِّد الأبحاث فكرة أنَّ كلَّاً من الانجذاب الجسدي والتوافق يسهمان في مسار العلاقة، بدءاً من اللحظة التي يلتقي فيها الشركاء أول مرة، ويتماشى هذا مع النظريات التطورية للترابط الزوجي البشري، وهذا يشير إلى أنَّ الأفراد يسعون إلى شركاء يتمتعون بصفات مفيدة لنجاح العلاقة، وهذا يعني أنَّ الانطباعات الأوَّلية تتجاوز الانجذاب الجسدي وقد تؤثر إلى حدٍّ بعيد في كيفية تطور العلاقات مع مرور الوقت.
قد يجعلنا التركيز فقط على الانجذاب الجسدي الفوري نغفل عن عوامل التوافق الحاسمة مثل القيم المشتركة، وأساليب التواصل، وأهداف الحياة، وعندما تكون العاطفة في أوجها، من السهل إعطاء الأولوية للإثارة التي يوفِّرها الانجذاب الجسدي على الاعتبارات الأعمق للتوافق على الأمد الطويل.
قد يؤدي تفضيل الانجذاب الجسدي على التوافق إلى عواقب وخيمة على العلاقات، ويؤدي بناء الروابط بناءً على الانجذاب السطحي فقط إلى أساس غير مستقر، وفي حين قد تكون العاطفة موجودة، إلَّا أنَّ التوافق الحقيقي قد يكون مفقوداً، ودون الأساس المتين للقيم المشتركة والتفاهم، قد تواجه العلاقات صعوبات عندما تصطدم مع وقائع الحياة اليومية.
شاهد بالفيديو: 8 قواعد لاستمرار مشاعر الحب بعد الزواج
2. التنافر المعرفي والتبرير
عندما يشعر الناس بانجذاب شديد تجاه شخص ما، تطغى عواطفهم على أية شكوك بشأن التوافق على الأمد الطويل، وقد يُعمي هذا الانجذاب بصائرهم عن إشارات التحذير أو التناقضات في العلاقة، معتقدين أنَّ ارتباطهم القوي سيتغلَّب على أي تحدٍّ، وهذا يثير التنافر المعرفي، في حين أنَّ هذا الانجذاب يربط الشريكين معاً، فقد تكون هناك أيضاً مؤشرات خفية على عدم التوافق، مثل القيم أو أساليب التواصل المتباينة، وهذا يشير إلى تحديات مستقبلية.
لتخفيف هذا التنافر، يلجأ الناس إلى التبرير والإنكار، وتشير الدراسات إلى أنَّه عند اتخاذ القرارات، تبرِّر أدمغتنا خياراتنا بسرعة، غالباً دون إمعان التفكير، ويحدث هذا في اللحظة، مع احتمال تعديل أدمغتنا لعواطفنا لتتناسب مع قراراتنا أو خلاف ذلك، كما توضِّح النتائج أنَّ الناس قد يقلِّلون من أهمية التوافق، مفترضين أنَّ الانجذاب بينهم يكفي للحفاظ على العلاقة.
تعمل التبريرات مثل "الرابطة بيننا قوية جداً، سنتغلب على أية عقبة" أو "اختلافاتنا تعزِّز الرابطة بيننا" بوصفها دفاعات نفسية في وجه الشكِّ وعدم اليقين، ومع كل محاولاتهم لتبرير مشاعرهم، يظلُّ التنافر بين الانجذاب والتوافق قائماً، ومع تقدُّم العلاقة، قد تنشأ تحديات، وهذا يسلِّط الضوء على الاختلافات التي تجاهلها الشريكان في البداية، فقد تؤدي مشكلات التواصل، والنزاعات المتعلقة بالقيم، واختلاف أهداف الحياة إلى زعزعة العلاقة.
3. الاحتياجات العاطفية والرغبات اللاواعية
تؤدي احتياجاتنا ورغباتنا العاطفية دوراً حاسماً في التوافق في العلاقات، وغالباً ما يدفعنا هذا إلى البحث عن شركاء يلبُّون احتياجاتنا العاطفية أو النفسية الفورية، مثل الشعور بالقبول والإثارة والانتماء، وينجذب الأفراد إلى الشركاء الذين يستميلونهم عن طريق المجاملات أو الاهتمام أو الحنان.
قد يؤدي شعورهم بأنَّ الشريك يفهمهم ويقدِّرهم إلى عدم رؤية أوجه عدم التوافق المحتملة، وكذلك الإثارة التي تأتي مع بدايات العلاقة غالباً ما تطغى على الاعتبارات العملية، وعندما تكون العاطفة متَّقدة، قد ينجرُّ الأشخاص بسبب الانجذاب الشديد، متجاهلين العواقب طويلة الأمد.
إضافة إلى ذلك، قد تؤدي الرغبة في الانتماء والصحبة إلى دفع الناس إلى البحث عن شركاء يخفِّفون عنهم الشعور بالوحدة، وتشير بعض الدراسات إلى أنَّ الأفراد الذين يخشون الوحدة غالباً ما يتنازلون عن بعض رغباتهم في علاقاتهم الرومانسية، وعلى ذلك، قد يخلطون بين الانجذاب والتوافق الحقيقي رغم الاختلافات في القيم أو أساليب التواصل.
إنَّ عدم فهم الفرد لاحتياجاته العاطفية يجعله يميل إلى اختيار شركاء يوفرون له رضى قصير الأمد، وقد يجعله الانجذاب الشديد يعطي الأولوية للرضى الفوري على التوافق طويل الأمد، ومع ذلك، من خلال الوعي الذاتي والتأمُّل، يتسنَّى للأفراد توجيه رغباتهم وبناء علاقات مثيرة ومُرضية في الوقت نفسه.
في الختام
عندما نفهم الاختلافات بين الانجذاب والتوافق، يمكننا اتخاذ قرارات مستنيرة في حياتنا العاطفية، وإنَّ إدراك أهمية التوافق القائم على القيم المشتركة وأساليب التواصل وأهداف الحياة يسهم في بناء علاقات مُرضية وطويلة الأمد.
أضف تعليقاً