وقد يجد الإنسان نفسه فجأة ضمن مفاوضةٍ ما، فكم من المرَّات يحتاجُ الإنسان للتَّفاوض بشأن راتبٍ مثلاً؟ وهل قمت بالمفاوضة سابقاً بهدف شراء منزل أو سيَّارة؟
نحتاجُ جميعاً لتعلُّمِ أساليب ومهارات المفاوضة، ولكنَّ الموظَّفين المسؤولين عن المفاوضات التجاريَّة في شركةٍ أو عملٍ ما هم الأكثر حاجة؛ لأنَّ مهمَّتهم الأساسيَّة هي تحقيق أفضل المصالح للشَّركة، ورعاية العلاقات الهامَّة والقويَّة والحفاظ عليها، والابتعاد قدر الإمكان عن الصِّراعات المُحتمَلة، ولأنَّ المسؤول عن التفاوض يجب أن يكون مستعدَّاً دائماً لخوض المفاوضات؛ يجبُ عليه أن يتعلَّمَ التَّعامل بنجاحٍ، وهذا ما ستجده في مقالنا، فتابع القراءة.
كيفية التعامل بنجاح في المفاوضات التجارية:
يحتاجُ التَّعامل النَّاجح في المفاوضات التجاريَّة إلى استخدام مهاراتٍ متعدِّدة، والانتباه لنقاطٍ هامَّة، وهيَ كما يأتي:
أولاً: مهارات التواصل الفعال
هي القدرة على إرسال الرَّسائل الصَّحيحة بوضوح، والقدرة على فهم الرَّسائل الموجَّهة بدقَّة، والتَّفاعل بالطَّريقة المناسبة مع الحوار. يُبنى الاتصال الفعال على عدَّة مهارات ومبادئ أساسيَّة هي كما يأتي:
1. الاستماع الفعال:
من خلال التَّركيز مع الآخرين، وتجنُّب الانشغال بأيِّ شيءٍ آخر؛ لاستيعاب ما يُقال بالطَّريقة المُثلى.
2. التعبير الدقيق:
هو قدرةُ الإنسان على شرحِ أفكاره ومشاعره بطريقةٍ مفهومة؛ لتصلَ بدقَّةٍ للآخرين.
3. استخدام لغة الجسد:
يشملُ ذلك الانتباه لنظرات العيون، والابتسامة، وحركة اليدين، وطريقة الجُّلوس، فهذه التفاصيل تبني لدى الآخر فكرةً عن صدقك وشخصيَّتك، وهذا الأمر ضروريٌّ؛ لبناء الثِّقة بين الأطراف.
4. التعاطف:
هو القدرة على فهم مشاعر الآخرين وتقديرها، وإظهار ذلك بالتعبيرات الوجهيَّة، وطريقةِ التحدُّث، ولطفِ التَّعامل.
5. التفاعل مع الجمهور:
هو القدرة على التَّواصل بوجود عددٍ كبيرٍ من النَّاس، وهذه النقطة هامَّة جدَّاً في الاجتماعات العامَّة والعروض التقديميَّة.
6. الصراحة:
يجبُ الابتعاد عن التعقيد والغموض، كما يجب انتظار الآخر؛ لتحليل كلامك، وفهم ما تقصده.
ثانياً: مهارات الذكاء العاطفي الضرروية للتفاوض
هي قدرةُ الإنسان على التحكُّمِ بمشاعره وإدارتها؛ ليتمكَّنَ من فهم مشاعر الآخرين. أبرزُ مهارات الذكاء العاطفي الضروريَّة للتفاوض، هي:
1. إدارة الذَّات:
هي مهارةٌ ضروريَّة في بيئات العمل، وتشملُ قدرة الإنسان على الالتزام بالمواعيد، والتَّركيز على العمل الذي يقوم به، وتحديد الأولويَّات بدقَّة، والتَّخطيط الجيِّد بعد تحديد الأهداف الصَّحيحة، وكذلك التحلِّي بحسٍّ عالٍ من المسؤوليَّة، ومُحاسبة النَّفس عند حدوث أيِّ خطأ.
2. إدارة العلاقات:
يكسرُ التمتُّع بهذه المهارة بعض الحواجز التي تُقلِقُ الأطراف الأخرى في المفاوضات التجاريَّة، ويمكنُ للمُفاوِض تخفيف التوتُّر والقلق من خلال التحدُّث، وإرسال الرَّسائل المُثيرة للعواطف، والانتباه إلى ردود الأفعال عند الاختلاف بالرَّأي، فالإنسان الذَّكي عاطفيَّاً قادرٌ على فهم الاختلافات، والتَّعامل معها بوديَّة.
3. الصبر:
يجبُ الحفاظ على الهدوء قدر الإمكان مهما احتدَّت المواقف وصعُب النِّقاش.
شاهد بالفيديو: 10 نصائح تساعدك على امتلاك مهارات التفاوض
ثالثاً: مهارات التفكير النقدي
تساعد هذه المهارات على اتِّخاذ أفضل القرارات، وحلِّ المشكلات في الوقت المناسب. أهمُّ مهارات التفكير النقدي التي يجب استخدامها في المفاوضات التجاريَّة، هي:
1. الاستنتاج:
هو القدرةُ على الوصول إلى النَّتيجة الأفضل من بين الخيارات المُتاحة أمام الفرد.
2. التفسير:
هو تحليلُ المسألة، وتبسيطها؛ لفهمها بأفضل طريقة ممكنة.
3. الاستدلال:
هو القدرةُ على ربط الأفكار أو الأحداث ببعضها.
4. الحلول الإبداعية:
هي طرح حلولٍ مُبتكَرة للمشكلات، وأفكار جديدة تُرضي جميع الأطراف.
5. التفكير الاستراتيجي:
هو توقُّع النَّتائج والتحدِّيات المُقبِلة، ووضع الخطط الأنسب للمستقبل.
رابعاً: مهارات الإقناع
تؤدِّي دوراً هامَّاً في المفاوضات التجاريَّة؛ لأنَّها قادرة على تغيير رأي أو سلوك الطرف الآخر؛ ليتَّفق معك وتكسب في النهاية. تشمل مهارات الإقناع ما يأتي:
1. العثور على النقاط المشتركة:
يمكنُ لأبسط النِّقاط المُشترَكة إحداث فرقٍ في الحديث مع الطَّرَف الآخر، وجعله يثقُ بك؛ لأنَّه يشعرُ بالتَّشابه والقرب والارتباط بك، فإن أردتَ التأثير في الطَّرف الآخَر، ابحَث قبل الاجتماع، وحاول الاستعلام عن تطلُّعاته المستقبليَّة وأهدافه والسُّلوكات التي يحب اتِّباعها في العمل وفي أثناء الاجتماع، وحاوِل أن تُخبرَه عن تطلُّعاتك المُشابِهة.
2. إظهار كيف يمكنك المساعدة:
فكِّر في الفائدة التي تعود بها اقتراحاتك وحلولك على مصالحه قبل أن تناقشَ الطَّرَف الآخر؛ ليعرفَ أنَّ أفكارك ستخدمُه بقدر خدمتها لك، فتزداد نسبة الاقتناع لديه.
3. السرعة المناسبة في الحديث:
تُشيرُ إحدى الدِّراسات إلى أنَّ التحدُّثَ بسرعةٍ مُناسبة، والابتعاد عن التأتأة والتردُّد يزيدُ من نسبة الاقتناع عند الكثيرين؛ لأنَّ الشَّخصَ المُستمِع لا يجدُ الوقت الكافي للتَّفكير، ويمكن تطبيق ذلك - مثلاً - من خلال ملاحظة تعابير وجه الشَّخص الآخر، فإذا شعرت أنَّهُ سيُعارضُ كلامك اجعل الحديث أسرَع، وعلى النقيض من ذلك تماماً إذا وجدتَه متقبِّلاً يمكنك أن تُبطِئَ قليلاً.
4. تحدث عن السلبيات والإيجابيات:
يدركُ الشَّخصُ الذَّكي أنَّه لا يوجدُ عملٌ سهلٌ ومثاليٌّ، ويعلمُ أنَّه سيمرُّ بصعوباتٍ، ويواجه تحدِّياتٍ للوصول إلى الهدف؛ لذلك لا تحاول تلميع أفكارك، بل تحدَّث ببساطة عن الصُّعوبات المتوقَّعة، واحتماليَّة الخطأ؛ ليشعرَ بأنَّك واقعيٌّ في تفكيرك، وأنَّكَ أجريتَ دراسةً مُتكامِلة لأفكارك قبل طرحها، فيوافقُ بسرعةٍ أكبر.
5. تقليد حركات الطرف الآخر:
تؤدِّي لغة الجسد - كما ذكرنا آنفاً - دوراً فعَّالاً، ويمكنها التأثير في الطَّرَف المُستمِع، وتُعرَفُ هذه الطَّريقة باسم "خدعة المرآة" فعندما تجلس مع شخصٍ ما وتناقشه بموضوعٍ هام، انتبِه لحركات يديه وتعابير وجهه مثلاً، وعندما يقوم بحركةٍ مُميَّزة قلِّدهُ بعد عدَّة دقائق بعفويَّة، وابدأ في نفس اللحظة بطرحِ فكرةٍ هامَّة؛ لأنَّكَ ستلفتُ انتباهه، فتساعدُ هذه الخدعة على بناء رابطٍ خفيٍّ يزيدُ من نسبة إقناعك له.
خامساً: أساسيات الصفقة
يؤدِّي إهمال هذه النقطة للفشل حتماً، فأنت ترغبُ بحسم الأمر لصالحك، ويجبُ أن تحدِّدَ بدقَّةٍ مَن الطَّرف الذي يريد أن يكسبَ المفاوضة لصالحه أكثر من الآخر، فكلَّما كان الطَّرَف الآخر أكثر رغبة في نجاح المفاوضة، أصبحتَ أكثر قوَّةٍ في طرحِ الأفكار، وحاوِل معرفة البدائل المُتاحة للطَّرف الآخر؛ لتُظهرَ أهميَّة كلامك مقارنةً بها.
سادساً: النسخة الأولى من الاتفاقيّة
تذكَّر دائماً أنَّ الجِّهة التي تصوغُ الاتفاقيَّة هي الأكثر استفادة منها؛ لذلك استعِن بالأشخاص المناسبين - مثل المحامي - لصياغة مُسوَّدة الاتفاقيَّة، لتُحدِّدَ الهيكل العام للصَّفقة، وتضع النقاط الأساسيَّة، والشُّروط الموافقة للإمكانات والطُّموحات، مع إمكانيَّة التعديل البسيط من قِبَل الطَّرَف الآخر؛ كي لا يشعُر بأنَّهُ مجبرٌ على شروطٍ لم يخترها.
سابعاً: تجنب إطالة الوقت
يُعدُّ الوقت الطويل عدوُّاً لكثير من الصَّفقات، فكلَّما طال الوقت، انتبهَ الطَّرَف الآخر إلى تفاصيل ونقاط أكثر دقَّة ضمن حديثك، وفكَّرَ أكثر بكلامك، وزادت احتماليَّة حدوث أمور تعوقُ نجاح المفاوضة؛ لذلك اختَر الوقت المناسب، وحدِّد مدَّةَ الاجتماع، وحضِّر كافَّة المستندات اللازمة؛ كي لا تضطرَّ للتَّأجيل والاجتماع مرَّةً أخرى.
ثامناً: تنبيه الطرف الآخر لوجود بدائل
يمكنك جعل موقفك التفاوضي أكثر قوَّة إن أخبرتَ الطَّرَف الآخر عن وجود بدائل منافسة له، وخاصَّةً إذا كان التَّفاوض بشأن سعر منتجٍ مُعيَّن، فالطَّرَف المُفاوِض سيشعرُ بأنَّهُ قد يخسر الصَّفقة؛ فيُقدِّمُ بعض التنازلات لصالحك، وتتمُّ الصَّفقة بشروطٍ أفضل.
تاسعاً: طرح الأسئلة المناسبة
حاوِل أن تتلقَّى شرحاً وافياً من الطَّرف الآخر من خلال طرح الأسئلة الصَّحيحة والمُناسِبة، فغالباً لن يُخبِرَك من تلقاء نفسه بمخطَّطاته أو وجهات نظره كافَّة؛ لذلك حدِّد كثيراً من الأسئلة، وحاول أن تطرحَ أغلبها خلال النقاش، وتجنَّب طرح الأسئلة التي تكون إجابتها نعم أو لا، بل اطرِح الأسئلة التي تحتاجُ إجابات تفصيليَّة.
عاشراً: تقديم مجموعة من العروض المتكافئة في الوقت ذاته
لا تكتفِ بتقديم عرض واحد فقط، بل حاوِل تحضير عدَّة عروضٍ مُناسِبة ومُتكافِئة، فإن رفضَ الطَّرَف الآخر العرض، اشرح العرض الذي يليه، إلى أن تصلَ إلى العرض المُناسِب له، فلا تُضيِّع الفرصة، واحسُم الصَّفقة في اجتماعٍ واحد فقط.
النقطة الحادية عشرة والأخيرة: العدل
يمكنُ أن تنجحَ في عملك بناءً على استغلال الطَّرف الآخر، وذلك من خلال عقد صفقةٍ غير عادلة، وتذكَّر أنَّ التَّنازلَ ضروريٌّ لنجاح المفاوضات التجاريَّة، لذلك يجب مُراعاة مصالحه وغاياته، وحاوِل أن تَحكُمَ بإنصافٍ، فالنَّجاح يُبنى على العدل، لا على الخداع.
في الختام:
تُستخدَمُ المفاوضات التجاريَّة في العديد من المواقف الحياتيَّة، ولا تقتصرُ على الموظَّفين بوظائف تتطلَّبُ التَّفاوض؛ ولذلك فإنَّ تعلُّمَ مهاراتها ضروريٌّ للجميع، ولقد تحدَّثنا في مقالنا عن أهمِّ المهارات اللازمة للتَّعامل بنجاحٍ في المفاوضات التجاريَّة، مثل: مهارات التَّواصل الفعَّال من استماعٍ نشِط وتفاعل وتعاطف، ومهارات الذَّكاء العاطفي من إدارة الذَّات وإدارة العلاقات وغيرها، وكذلك مهارات التَّفكير النَّقدي من استنتاج وتفسير واستدلال، وأيضاً مهارات الإقناع التي تتطلَّبُ سرعةً في الحديث والبحث عن النِّقاط المشتركة وتقليد حركات الطَّرَف الآخر، وشرحنا بعض النِّقاط الهامَّة كضرورة إعداد النسخة الأولى من الصَّفقة، وتنبيه الطَّرف المفاوض لوجود بدائل، وضرورة الإنصاف.
انفوغرافيك: يُبنى الاتصال الفعال على عدَّة مهارات ومبادئ أساسيَّة وهي

أضف تعليقاً