ويُعدُّ من أخطر الملوِّثات على الصحة العامة والبيئة، فتتسبَّب جزيئاته الدقيقة في مشكلات تنفسية وأمراض القلب عند استنشاقها، وتؤدي إلى تغيرات مناخية بتأثيرها في امتصاص الحرارة وتسريع ذوبان الجليد القطبي. سنتناول في هذا المقال مصادر السناج بالتفصيل، ونتعرف على آثاره الواسعة على صحة الإنسان والبيئة، وما يُبذل من جهود لمكافحته.
ما هو السناج وكيف يتكون؟
هو مادة دقيقة سوداء تتكون من الكربون، تنتج عن عمليات الاحتراق غير الكامل للمواد العضوية، مثل الفحم، والخشب، والنفط، والغاز. يظهر على شكل غبار ناعم أو جزيئات دقيقة، ويعدُّ من الملوثات البيئية الخطيرة نظراً لآثاره السلبية في الصحة العامة والبيئة، فهو يتكون عندما لا يُحترَق الوقود احتراقاً كاملاً، ممَّا يؤدي إلى تكوُّن جزيئات صغيرة تحتوي على الكربون وعناصر أخرى كالهيدروجين، وعدد من المركبات العضوية العطرية التي يمكن أن تكون سامة.
تتجمَّع ذرات الكربون مكوِّنةً السناج عندما لا يتوافر الأكسجين بكميات كافية خلال عملية الاحتراق أو عندما تكون درجة الحرارة غير كافية، فتلتصق هذه الذرات ببعضها مشكِّلة تكتلات صغيرة. توجد مصادر طبيعية وصناعية له، فالمصادر الطبيعية تشمل حرائق الغابات والبراكين، بينما تشمل المصادر الصناعية احتراق الوقود في السيارات، والمصانع، ومحطات توليد الطاقة. يعدُّ السناج من ملوثات الهواء الرئيسة، وله آثار ضارة في الجهاز التنفسي والقلب، كما يغيِّر المناخ من خلال امتصاصه لأشعة الشمس وزيادة حرارة الجو.
مصادر السناج
يُعَدُّ من الملوثات البيئية واسعة الانتشار، وتتعدد مصادره بين طبيعية وبشرية، فتتمثل أبرز مصادر السناج فيما يأتي:
المصادر الطبيعية
تتعدد المصادر الطبيعية للسناج "السخام" وتشمل:
1. حرائق الغابات
تُعدُّ حرائق الغابات من أكبر مصادر السناج الطبيعي؛ إذ تؤدي إلى احتراق كميات هائلة من النباتات التي تُصدر السناج نتيجة للاحتراق غير الكامل، فيُطلق في الجو وينتقل لمسافات طويلة.

2. البراكين
تُطلِق البراكين في ثورانها غازات وجزيئات صلبة بما في ذلك الهباب، ويكون محتواه من الكربون مرتفعاً، فيتلوَّث الهواء.
3. عواصف الغبار
على الرغم من أنَّ السناج لا يتكون مباشرة في عواصف الغبار، إلا أنَّ انتقال جزيئات التربة المختلطة بملوثات أخرى يُمكن أن يحتوي على جزيئات سناج تُلتقَط من مصادر احتراق قريبة.
المصادر البشرية (الصناعية)
تتعدد المصادر الصناعية له وتشمل:
1. المركبات
تُنتِج السيارات والشاحنات وخاصة تلك التي تعمل بالديزل كميات كبيرة من السناج بسبب الاحتراق غير الكامل للوقود، وتُعد وسائط النقل من أهم مصادر التلوث به في المدن والمناطق الحضرية.
2. محطات توليد الطاقة
تحرق محطات الطاقة التقليدية الفحم والنفط لتوليد الكهرباء، فينتج عن هذا الاحتراق السناج الذي ينتشر في الهواء مسبِّباً تلوثاً بيئياً.
3. المصانع والمناطق الصناعية
تولِّد عدد من الصناعات، خاصة التي تعتمد على احتراق المواد الكربونية كالمصانع المعدنية، ومصانع الإسمنت، وتكرير النفط، كميات كبيرة منه، ممَّا يُلوِّث البيئة المحيطة.
4. الزراعة
يحرق المزارعون في بعض الدول المخلفات الزراعية بعد الحصاد للتخلص منها، وهو ما ينتج عنه كميات كبيرة من السناج، كما ينتج عن حرق الأخشاب في النشاطات الزراعية التقليدية للطبخ أو التدفئة كميات معتبرة من السناج.
5. حرائق النفايات
يُعد حرق النفايات في أماكن التخلص منها من بين مصادر السناج، فتتولد كمية من السناج عند احتراق البلاستيك، والمطاط، والأخشاب، وغيرها من المواد.

تشكل هذه المصادر خطراً كبيراً على البيئة والصحة، فيتسبب الهباب في أمراض تنفسية وأمراض القلب، إلى جانب دوره السلبي في تغير المناخ؛ إذ يمتص الإشعاع الشمسي ويزيد من حرارة الجو.
تأثير السناج على صحة الإنسان
يُعدُّ السناج من الملوثات الخطيرة على صحة الإنسان، ويُصنَّف بوصفه جزءاً من الجسيمات الدقيقة في الهواء المعروفة باسم PM2.5، والتي تستطيع اختراق الجهاز التنفسي بسهولة والوصول إلى الرئتين وأجزاء الجسم المختلفة. تؤدي هذه الجسيمات الدقيقة إلى مجموعة من الآثار الصحية الخطيرة التي يمكن تلخيصها فيما يأتي:
أمراض الجهاز التنفسي
أضرار السناج أو السخام على الجهاز التنفسي هي:
1. التهاب الشعب الهوائية
يؤدي التعرض المستمر للسناج إلى تهيُّج والتهاب الشعب الهوائية، ممَّا يؤدي إلى أعراض، مثل السعال المستمر، وضيق التنفس، وألم الصدر.
2. الربو
يزيد من حدَّة نوبات الربو ويسبب تفاقم الأعراض لدى الأشخاص المصابين، خصوصاً الأطفال وكبار السنِّ، فيؤثر في مجاري التنفس ويجعلها أكثر حساسية.

3. التهاب الرئة
يمكن أن يتسبب في التهابات رئوية نتيجة لدخول الجسيمات الدقيقة إلى الرئتين، مما يضعف القدرة على التنفس وقد يتطلب علاجاً طبياً مكثفاً.
أمراض القلب والأوعية الدموية
السخام ضار جداً بالقلب والأوعية الدموية؛ إذ يسبب:
1. ارتفاع ضغط الدم
يؤدي التعرض له إلى ارتفاع ضغط الدم، نتيجة التغيرات التي يحدثها في الأوعية الدموية، ممَّا يزيد من ضغط الدم في الجسم ويؤدي إلى مخاطر صحية.
2. النوبات القلبية
يزيد من احتمالية الإصابة بالنوبات القلبية؛ إذ يتسبب في ترسب الجسيمات الدقيقة في الأوعية الدموية، ممَّا يزيد من خطر تجلط الدم ويؤدي إلى حدوث أزمة قلبية.
3. السكتات الدماغية
ترتبط مستويات التعرض العالية للسناج بزيادة خطر الإصابة بالسكتات الدماغية، فهو يسبب التهابات في الأوعية الدموية تؤدي إلى تجلطات دموية في الدماغ.
أمراض الجهاز العصبي
من أضرار السناج أو السخام على الجهاز العصبي ما يأتي:
1. التأثير في نمو الدماغ لدى الأطفال
يؤدي تعرض الأطفال للسناج إلى تأثيرات سلبية في تطور الدماغ وقدرات التعلم لديهم، فيمكن أن يسبب تلفاً عصبياً ويؤثر في وظائف التركيز والانتباه.
2. أمراض الأعصاب
تشير بعض الدراسات إلى أنَّ التعرض المستمر للسناج قد يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض عصبية، مثل مرض الزهايمر، نتيجة التأثير التراكمي لجزيئات السناج في الدماغ والجهاز العصبي.
زيادة مخاطر السرطان
يعدُّ السخام أو الهباب من العوامل الرئيسة المسبِّبة للسرطانات، مثل:
1. سرطان الرئة
يتعرض المدخنون والعاملون في صناعات تتعامل مع السناج لخطر مرتفع للإصابة بسرطان الرئة، فهو يحتوي على مركبات كيميائية مسرطنة تتراكم في أنسجة الرئة.
2. سرطان المثانة
يرتبط التعرض المستمر للسناج بزيادة خطر الإصابة بسرطان المثانة، نتيجة لوجود مواد سامة تُمتَص في مجرى الدم وتؤثر في الأنسجة المختلفة في الجسم.
مشكلات صحية لدى الحوامل والأطفال
يعرِّض السناج الحوامل والأطفال لكثير من المشكلات الصحية، مثل:
1. التأثيرات في الأجنَّة
يسبب التعرض له في الحمل خطراً على الجنين، فهو يرتبط بولادة أطفال ذوي وزن منخفض أو تعرضهم لمشكلات في النمو.
2. التأثيرات في الأطفال
يكون الأطفال الذين يعيشون في مناطق تحتوي على مستويات عالية من السناج أكثر عرضة لأمراض الجهاز التنفسي والالتهابات المتكررة، ممَّا يؤثر سلباً في جودة حياتهم وصحتهم العامة.
يُعد السناج من أخطر ملوثات الهواء التي تؤثر مباشرة في صحة الإنسان، خاصةً لدى الأشخاص المعرضين له لفترات طويلة، ممَّا يجعل تقليل مستويات السناج ضرورة ملحَّة لحماية الصحة العامة والبيئة.
تأثير السناج على البيئة
تمتدُّ تأثيراته البيئية الواسعة والمتعددة لتشمل الهواء والماء والتربة والنظم البيئية ككل، وينتج أساساً عن الاحتراق غير الكامل للمواد العضوية كالوقود الأحفوري والنفايات، ممَّا يجعله من الملوثات الخطيرة التي تؤدي إلى مجموعة من التأثيرات السلبية في البيئة:
1. تلوث الهواء
يعدُّ من الملوثات الرئيسة للهواء، فهو يحتوي على جسيمات دقيقة من الكربون الأسود، وهي من المكونات المعروفة لملوثات PM5. تزيد هذه الجسيمات من نسبة التلوث الجوي وتؤدي إلى تدهور جودة الهواء، ممَّا يهدِّد صحة الكائنات الحية، ويقلل من الرؤية الجوية، خاصة في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان والمناطق الصناعية.
2. المساهمة في تغير المناخ
يمتص الكربون الأسود الموجود في السناج الإشعاع الشمسي بقوة ويُساهم في ارتفاع درجات الحرارة. يمتص أيضاً المزيد من الحرارة عند ترسُّبه على الثلوج والجليد، ويُسرِّع عملية ذوبان الجليد، فترتفع مستويات البحار وتحدث تغيرات مناخية تؤثر في التنوع البيولوجي وفي النظم البيئية الحساسة، مثل القطبين الشمالي والجنوبي.
3. تلوث التربة والماء
يتسرب إلى التربة والمسطحات المائية من خلال الأمطار والرياح عند ترسُّبه على سطح الأرض، فيؤدي إلى تلوث التربة بالعناصر السامة والمركبات العضوية المتطايرة الموجودة في السناج، ممَّا يضر بالكائنات الحية الدقيقة الضرورية للتربة ويؤثر في النباتات. يلوث أيضاً مصادر المياه العذبة، ويهدد الأحياء المائية من خلال تراكم المواد السامة في أجسام الأسماك والنباتات المائية.
4. الأثر في النباتات
يعوق عملية التمثيل الضوئي الضرورية لنمو النباتات عند ترسُّبه على أوراق النباتات، فيحجب الضوء عن الأوراق ويقلل من كفاءة الامتصاص الضوئي. يؤثِّر هذا التداخل سلباً في صحة النباتات، ويُضعف نموها ويجعلها أكثر عرضة للأمراض والآفات.
5. الإضرار بالتنوع البيولوجي
يؤدي تراكم السناج في النظم البيئية المختلفة إلى تهديد التنوع البيولوجي، فيؤثر سلباً في الكائنات الحية الدقيقة، والحشرات، والطيور، والثدييات. يتجلى هذا التأثير في النظم البيئية المائية والبرية، فيؤثر تراكم المواد السامة في السلسلة الغذائية ويضر بالتوازن البيئي، ممَّا يؤدي إلى تغيرات في وجود الكائنات الحية ونسبها في البيئة.
6. زيادة تكاليف الصيانة والتنظيف
يتسبب السناج المتراكم على المباني والمعالم التاريخية في تآكل الأحجار والمواد المستخدمة، ممَّا يستدعي الحاجة إلى صيانة وتنظيف متكرر، وخصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو المناطق الصناعية، فينتج عن ذلك أعباء اقتصادية إضافية.
يعدُّ من الملوثات البيئية المؤثرة في جميع عناصر البيئة، ويزيد من التحديات البيئية المتعلقة بتلوث الهواء والماء والتربة وتغير المناخ، مما يحتِّم ضرورة خفض انبعاثاته والبحث عن مصادر طاقة أنظف للحد من تأثيراته المتفاقمة على الكوكب.
جهود مكافحة السناج في الخليج العربي
تتَّخذ دول الخليج العربي خطوات متزايدة لمكافحة أضراره وتخفيف آثاره البيئية والصحية، نتيجة للوعي المتزايد بخطورة هذا النوع من التلوث في المناطق الصناعية والحضرية؛ إذ تتركز الجهود الخليجية على عدة محاور تشمل التنظيم، والتكنولوجيا، والشراكات الدولية، والتعليم.
1. وضع اللوائح البيئية
شدَّدت عدد من دول الخليج على اللوائح البيئية الخاصة بانبعاثات الملوثات الجوية، ومنها السناج، من خلال تحديد معايير صارمة للمصانع والمركبات لضمان التقليل من الانبعاثات الضارة، كما تفرض الحكومات غرامات على المنشآت التي تتجاوز الحدود المسموح بها للتلوث.
2. التوسع في الطاقة النظيفة
أدَّت الاستثمارات الكبيرة في الطاقة المتجددة في الخليج العربي، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، فقلَّل التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة كمية السناج الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري، لا سيما في قطاع الطاقة وتوليد الكهرباء.

3. تعزيز التكنولوجيا النظيفة
تسعى دول الخليج إلى إدخال التكنولوجيا النظيفة في الصناعات المختلفة للحد من انبعاث السناج، وتشمل هذه التقنيات أنظمة الترشيح المتطورة وأجهزة التحكم في الانبعاثات التي تقلِّل الجسيمات الدقيقة من المصانع والمركبات.
4. التعاون الإقليمي والدولي
تتعاون دول الخليج مع هيئات دولية ومنظمات بيئية عالمية لتعزيز جهود مكافحة السخام، وذلك من خلال الانضمام إلى اتفاقيات بيئية دولية، مثل اتفاقية باريس للمناخ، والمشاركة في مشروعات البحث وتبادل الخبرات حول أنجح الممارسات للحد من التلوث الجوي.
5. التوعية البيئية والتعليم
أطلقت دول الخليج حملات توعوية تثقِّف الجمهور حول خطورة الهباب وأهمية الحد من التلوث، وتشمل هذه الجهود إدماج مفاهيم الحفاظ على البيئة في المناهج التعليمية وتوفير حملات إعلامية مكثفة لرفع الوعي البيئي.
تحدُّ هذه الجهود من التأثيرات السلبية له في الصحة والبيئة، وتبني بيئة مستدامة تتماشى مع رؤية الخليج المستقبلية تجاه تطوير مجتمعات أكثر استدامة وصديقة للبيئة.
في الختام
يُعدُّ السناج مشكلة بيئية وصحية معقدة تتطلب استجابة شاملة للحد من آثاره الضارة، فمع استمرار انبعاثات الهباب من مصادر طبيعية وبشرية، تتفاقم التحديات المتعلقة بجودة الهواء، وصحة الأفراد، واستقرار المناخ. تبرز مع تزايد الوعي البيئي الحاجة إلى اتخاذ تدابير فعالة، تشمل اعتماد مصادر الطاقة النظيفة، وتطبيق تقنيات الحد من التلوث، وتعزيز اللوائح البيئية.
لا يعزز خفض مستويات السخام صحة الأفراد وجودة الحياة فقط؛ بل يحمي أيضاً كوكبنا للأجيال القادمة، مما يجعل الجهود لمكافحته استثماراً ضرورياً لِبيئة أكثر نظافة واستدامة.
أضف تعليقاً