سنتناول في مقالنا هذه الفكرة، اعتماداً على ملخّص كتاب "فن التفكير الواضح" للكاتب ورجل الأعمال رولف دوبلي، فهو من الكتب الرائعة التي ننصحك بقراءتها. جميعنا نسعى للتفكير بوضوح، أليس كذلك؟ يحقق هذا الكتاب ذلك بالضبط ويعرض معلوماته بإيجاز وسهولة، مما يجعل قراءته مريحة للغاية.
كيف يمكننا اتخاذ قرارات واضحة؟
تتجلى عبقرية كتاب رولف دوبلي في مواضيعه المئة الموجزة؛ حيث ستستكشف كل موضوع من خلال بضع صفحات فقط. إنّه كتاب ممتع وسهل الفهم؛ إذ يمكنك أن تستمتع بقراءة أحد المواضيع في كل مرة تفتحه لتطالع فيه. من هنا ينبع سحر هذا الكتاب، فاحتفظ به وخصص وقتاً لتقرأ منه صفحتين أو ثلاث كل يوم، فهذا كل ما تحتاجه لفهم جوهره.
بدايةً، وقبل البدء بملخَّص هذا الكتاب، لنتعرف على مؤلفه رولف دوبلي: هو كاتب ورجل أعمال حائز على شهادة دكتوراه من سويسرا. لم يكن كاتباً تقليدياً، فقد أمضى وقتاً طويلاً في فك شفرات الانحيازات السلوكية، وساهم في منصة بلومبرغ، وواشنطن بوست، وعدد من المنصات الأخرى، واشتهر بكتاباته الغزيرة وأفكاره البصيرة؛ إذ يتميز كتابه "فن التفكير بوضوح" بأنّه الأكثر نجاحاً من بين كتبه؛ حيث تصدّر قوائم الكتب الأكثر مبيعاً.
ملخّص كتاب فن التفكير الواضح
يُعرّف فشل التفكير بوضوح، أو ما يسميه الخبراء "الخطأ الإدراكي"، بأنّه انحراف منهجي عن المنطق، والتفكير، والسلوك المنهجي والعقلاني، ونعني بكلمة "منهجي"، أنّ هذه الأخطاء الإدراكية ليست مجرّد أخطاء عرضية، بل هي روتينية ونتعثر بها مراراً وتكراراً.
إذا استطعنا التعرف على أكبر الأخطاء في التفكير، وتجنّبناها في حياتنا الخاصّة، أو في العمل، أو في الحكومة، قد نشهد قفزة نوعية في الازدهار. فنحن لا نحتاج إلى ذكاء إضافي، ولا أفكار جديدة، ولا أهداف غير ضرورية، ولا نشاط مفرط؛ بل كل ما نحتاجه هو تقليل اللامنطقية. يظهر الانتصار في حياتنا اليومية بصورة أكبر من الفشل، مما يدفعنا إلى المبالغة في تقدير فرص نجاحنا، فنستسلم للوهم، ونخطيء في تقدير احتمال النجاح.
غالباً ما يقع المستثمرون ضحية التكاليف الغارقة (Sunk-cost)، وفي كثير من الأحيان، يستندون في قراراتهم التجارية إلى أسعار الشراء؛ إذ يقولون: "لقد خسرت كثيراً من المال في هذا السهم، لا أستطيع بيعه الآن". هذا غير منطقي، فسعر الشراء لا يتعلق بسعر البيع، ما يهم فقط هو أداء السهم المستقبلي. إنَّ المعاملة بالمثل هي استراتيجية بقاء مفيدة جداً، وشكل من أشكال إدارة المخاطر. بدونها، لكانت الإنسانية قد انقرضت منذ زمن طويل؛ إذ إنَّها تصب في جوهر التعاون بين الناس، وتُعد مكوّناً ضرورياً للنمو الاقتصادي وتحقيق الثروة.
نحن نحكم على شيء بأنّه جميل، أو مكلف، أو كبير إذا كان لدينا شيء أقل جمالاً أو سعراً أو حجماً منه؛ ونواجه صعوبة في الأحكام المطلقة.
كما يستعرض الكتاب نوعين من المعرفة: أولاً، المعرفة الحقيقية (المعرفة العميقة)، وهي التي نراها في مَن خصصوا وقتاً وجهداً كبيرين لفهم موضوع معين. ثانياً، المعرفة الظاهرية (معرفة السائق) التي نراها في مَن تعلموا كيف يقدمون عرضاً.
يمثّل وهم السيطرة الميل للاعتقاد بأنّنا نستطيع التأثير في شيء لا نملك أي سيطرة عليه. لذا؛ لا تظن أنّك ستكون راضٍ عن حياتك إذا تظاهرت أنَّك تعيش كإمبراطور روماني مثلاً؛ بل ستحقق ذلك بتمّيزك عن غيرك. لذا، ركز على عدد قليل من الأمور الهامة التي يمكنك التأثير فيها، ولا تحكم على قرار ما بناءً على نتائجه فقط، خاصةً إذا كان خاضعاً لعوامل عشوائية وخارجية؛ إذ ليس بالضرورة أن تكون النتيجة السيئة بسبب قرار سيئ، والعكس صحيح. لذلك تذكر دائماً أنَّ الأهم هو أن تعرف لماذا اخترت ما اخترت.
تجعل الوفرة الشخص متحمساً لدرجة الارتباك؛ فهناك حد، عندما يتجاوزه، تدمّر وفرة الخيارات جودة حياته. إنّ المصطلح الفني لذلك هو "مفارقة الخيارات".
نحن نستجيب للحجم المتوقع لحدث ما، ولكن ليس لاحتمالية حدوثه. بعبارة أخرى: نفتقر إلى فهم بديهي لاحتمالية حدوثه، مما يقودنا إلى أخطاء في اتخاذ القرار.
شاهد بالفيديو: 10 طـرق لتفكـر بوضوح أكثر
يغوينا الاستدلال، ويأخذنا إلى استنتاجات مثل: "لطالما نجت البشرية؛ لذا، سنتمكن من مواجهة أي تحديات مستقبلية أيضاً".
يبدو ذلك جيداً نظرياً، لكن ما لا ندركه، هو أنّ مثل هذه البيانات لا يمكن أن تأتي إلا من أناس عاصروا ذلك ونجوا؛ فالافتراض بأنّ وجودنا حتى الآن هو مؤشر على بقائنا في المستقبل هو خطأ جسيم في المنطق. يحفز الخوف من فقدان شيء ما الناس أكثر من احتمال الحصول عليه بصورة متساوية.
في المجموعات، نميل إلى التراجع في مسؤولياتنا و مشاركاتنا؛ إذ يتصرف الناس باختلاف في المجموعات مقارنةً بتصرفاتهم حين يكونون بمفردهم. يمكن التخفيف من عيوب المجموعات من خلال جعل الأداء الفردي مرئياً قدر الإمكان.
يمكننا فهم النمو الخطي بطريقة بديهية. مع ذلك، ليس لدينا إحساس بالنمو الأُسي. لماذا؟ لأننا لم نكن بحاجة إليه من قبل؛ إذ كانت تجارب أسلافنا في الغالب من النوع الخطي، فمن قضى وقتاً مضاعفاً في جمع التوت، جنى ضعف الكمية، ومن اصطاد ماموثين بدلاً من واحد، يكون قد ضمن قوته أكله لفترة مضاعفة.
في العصر الحجري، نادراً ما تعامل الناس مع النمو الأسي، أما اليوم، فالأمور مختلفة. يحدث تأثير الهالة عندما يبهجنا جانب واحد ويؤثر في كيفية رؤيتنا للصورة الكاملة. توصّل عالم النفس إدوارد لي ثورنديك إلى أنّ صفة واحدة (مثل الجمال أو الوضع الاجتماعي أو العمر) تنتج انطباعاً إيجابياً أو سلبياً، يطغى على كل شيء آخر، والنتيجة العامة غير متناسبة.
لا يتعلق الأمر بما تقول، بل بكيفة قوله. إذا أرسلت رسالة بطرائق مختلفة، سوف تُستقبل أيضاً بطرائق مختلفة. في مصطلحات علماء النفس، تُسمى هذه التقنية "الإطار".
في ظروف جديدة أو غير مستقرة، نشعر بأننا مجبرون على فعل شيء ما، مهما كان. بعد ذلك نشعر بتحسن، حتى لو كان تصرفنا سبباً لتفاقم المشكلة. لذلك، علينا أن نكون حذرين للوصول إلى الحكمة الموجودة في التجربة، ونتوقف عند تلك النقطة.
5 انحيازات من كتاب فن التفكير الواضح
يوجد مس انحيازات في كتاب فن التفكير الواضح وهي:
1. انحياز التثبيت (Anchoring Bias)
يظهر انحياز التثبيت عندما تتفاعل مع الآخرين، مثل ما يحدث عندما تشتري فواكه من بائع؛ يحدد البائع سعر سلة من المانجو، وتحاول التفاوض بناءً على ذلك. يهدف البائع لتركيز انتباهك على هذا السعر الأولي. بمجرد أن تفهم هذا المفهوم، تبدأ في الاستفسار عن جوانب أكثر أساسية.
وهنا سنقدم مثالاً، كلما قررت إجراء صيانة لسيارتي، يقدم لي الميكانيكي سعراً تقديرياً في الصباح، مشيراً إلى أنّه قد يصل هذا السعر إلى ما يقارب 15,000 روبية في نهاية اليوم؛ إذ إنّه كان يستعرض قائمة بأجزاء من السيارة قد تحتاج إلى استبدال أو إصلاح، وهكذا.
عند التفكير في الأمر، يجب أن أعترف أنني كنت أشعر ببعض القلق بشأن إنفاق مثل هذا المبلغ الكبير من المال. ومع ذلك، لدهشتي، عندما عدت لاحقاً، أخبرني الميكانيكي أنَّ التقدير الأولي كان 15,000 روبية، لكنني انتهيت بإنفاق 10,000 روبية فقط. من المدهش كيف جعلني هذا الاكتشاف أشعر بسعادة كبيرة. هناك شيء مُرضٍ حقاً في إنفاق أقل مما كنت تتوقع.
ومع ذلك، بعد قراءة هذا الكتاب، أدركت أنّ الميكانيكي أثَّر فيَّ بذكاء لأقبل سعراً أعلى في البداية. هل هناك طريقة للتغلب على هذا الانحياز من خلال التساؤل عن نقطة التثبيت؟ هل نقطة التثبيت موثوقة أم لا؟ من خلال فحصها بعناية وكشف الحقيقة، يمكنك تحسين مهاراتك في التفاوض وإيجاد معنى أكبر في الحياة؛ إنَّها حقاً عملية مدهشة!
انحياز التأكيد هو الأم لكل المفاهيم الخاطئة؛ إنّه الميل لتفسير المعلومات الجديدة بحيث تصبح متوافقة مع نظرياتنا ومعتقداتنا الحالية. بعبارة أخرى، نغربل أيّة معلومات جديدة تتناقض مع وجهات نظرنا الحالية.
2. انحياز عقلية القطيع (Herd Mentality Bias)
دعونا نتحدث عن مفهوم عقلية القطيع، الذي يُرى بصورة متكررة في سوق الأسهم. عندما يكون السوق في حالة صعود، يستثمر الجميع، بما في ذلك أفراد العائلة، بحماس في الأسهم وصناديق الاستثمار. وعلى العكس، عندما يتعرض السوق لانخفاض كبير، يهرع الناس لبيع استثماراتهم، حتى لو كان ذلك يعني تكبد خسائر. يُشار إلى هذا السلوك بعقلية القطيع.
منذ فجر الحضارة، وجد البشر القوة في الوحدة. لقد شكلت هذه الغريزة الفطرية للبقاء وجودنا. ومع ذلك، في مجتمع اليوم، يمكن أن يؤدي الانصياع الأعمى لعقلية القطيع إلى عواقب مالية سلبية، ليس فقط في الاستثمار ولكن في جميع جوانب الحياة.
هل لاحظت يوماً كيف يشتري بعض الأشخاص شققاً لا تُحقق لهم أي عوائد؟ السبب هو أنّهم يتبعون القطيع ببساطة دون التفكير في الأمر، ويرون أصدقائهم أو أقاربهم يفعلون ذلك ويفترضون أنّها فكرة جيدة. هذا مثال كلاسيكي لعقلية القطيع، وهو انحياز يمكن أن يعيق حكمنا عند اتخاذ القرارات.
3. انحياز الحداثة أو انحياز بعد الحدث (Recency Bias)
هل كنت تعلم عن انحياز الحداثة، أو انحياز ما بعد الحدث؟
يحدث انحياز ما بعد الحدث، عندما يؤثر حدث جديد، إلى حد كبير، في أفكارنا، مما يدفعنا لاتخاذ قرارات استناداً فقط إلى ذلك الحدث مع تجاهل المعلومات السابقة. وهذا هو جوهر هذا النوع من الانحياز.
يؤثر انحياز الحداثة في الجميع بطرائق متنوعة. كما يمكن أن يؤثر في قراراتك، مما يجعلك تتردد حتى عندما تعترف بقيمة شيء ما. على سبيل المثال، قد تعتبر استثماراً في سهم جيداً ببساطة إذا لاحظت تطوراً إيجابياً في إدارة الشركة متجاهلاً خسارة قديمة مثلاً. وهذا يبرز أهمية انحياز الحداثة، خاصةً عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات، التي يجب أن تعطي قيمة للمعلومات القديمة والحديثة على حد السواء.
4. تأثير التملُّك (Endownment Effect)
حدثت واقعة مثيرة خلال محادثة مع أحد العملاء؛ حيث شارك هذا العميل تجربته قائلاً: "مرحباً ببابو، لقد اشتريت شقة منذ فترة، لكنها لم تُؤجر ولم تُحقق أي عوائد. يبدو أنها استثمار ضائع".
واصل الحديث عن أنّه اشتراها مقابل 750٫000 روبية وبعد خمس سنوات من احتساب جميع النفقات، تلقى عرضاً بقيمة 850٫000 روبية، وهو فقط أعلى بمبلغ 100٫000 روبية من استثماره الأول. ثم سألني عن رأيي ببيعه، وبعدها أخبرني أنّه اختار عدم البيع. وصرّح قائلاً: "تعلم ماذا؟ أنا مقتنع أنّه يمكنني جني مليون روبية مقابل تلك الشقة".
تُعرف هذه الظاهرة باسم تأثير التملك؛ إذ يميل الناس إلى المبالغة في تقدير قيمة ممتلكاتهم.
تأثير التملك هو انحياز نبالغ فيه بتقدير قيمة ممتلكاتنا، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات سيئة أثناء المعاملات أو المفاوضات. من الهام أن نتذكر أنَّ الممتلكات قد لا تكون دائماً بالقدر الذي تبدو عليه في السوق، وقد نكون مخطئين في معتقداتنا.
5. انحياز الفعل (Action Bias)
يعتقد كثير من الناس أنّه يجب عليك دائماً اتخاذ موقف استباقي. على سبيل المثال، يميل متداولو سوق الأسهم غالباً نحو انحياز الفعل. من المثير للاهتمام أنّه في ركلات الترجيح، يميل حراس المرمى إلى الوقوف في المنتصف قبل الركلة، على الرغم من أنّ الكرة قد تذهب إلى اليسار بنسبة 33%، أو إلى اليمين بنسبة 33%، أو إلى المركز بنسبة 33%.
لا يمكن لأي حارس مرمى التنبؤ بالمستقبل، حتى لو اندفع في الاتجاه الخطأ. يحدث رد الفعل بسرعة كبيرة في لحظة؛ لذلك، يقفزون آملين أفضل نتيجة. من المثير للاهتمام أنَّ بعض الرياضيين يعتقدون أنّه حتى لو ظل الحارس في مكانه، كان يمكنه إنقاذ 33% من الأهداف.
كان يمكن للحارس إنقاذ الأهداف في ذلك الموضع، ولكن إذا مرت الكرة على اليسار أو اليمين، لكان قد بدا سخيفاً. عندما تتخذ إجراءً استباقياً وتخسر، فإنّ الناس مستعدون للتسامح. لكن، إذا بقيت مكانك دون حراك وخسرت، فإنّ الناس لن يكونوا متسامحين. إنَّ هذا الانحياز موجود فينا كلنا.
في المرة القادمة التي تكون فيها على وشك اتخاذ إجراء استباقي، فكر قليلاً: هل ستكون أكثر رضى إن لم تفعل شيئاً؟ هل عدم اتخاذ أي إجراء هو خطوة جيدة في هذه الحالة؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق اهتمامك.
في الختام
يبدو واضحاً أنَّ كتاب "فن التفكير الواضح" مليء بالحِكم التي علينا أن نكتشفها. كما يستحق الكاتب، رولف دوبلي، الثناء على عمله فعلاً. ربما يكون التفكير في حد ذاته عُرضةً للأخطاء. كما أنّ الفخاخ الإدراكية ليست مجرد أخطاء عرَضية في الحُكم؛ بل هي أخطاء روتينية نكررها دائماً.
نحن نُقيّم التكاليف بدلاً من النتائج المستقبلية، ونسعى للحصول على أدلّة لتبرير معتقداتنا، بدلاً من تشكيلها بناءً على أدلة، ونفضل المعلومات الخاطئة على عدم وجود معلومات أصلاً، ونقع ضحية الوهم الذي يؤيّد أنّ امتلاك المزيد من المعلومات، يضمن قرارات أفضل. عندما نوظّف طاقة كبيرة في مهمةٍ ما، نميل إلى المبالغة في تقدير النتيجة، وغالباً ما نفشل في التفكير بطريقة أسية واحتمالية.
أضف تعليقاً