ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن المدوِّنة "ستيفاني بريسلي" (Stephanie Priestley)، وتحدثنا فيه عن التأثير السلبي للصمت.
الآثار السلبية للصمت
صحيح أنَّ مقولة "قُل خيراً، أو اصمت" تعزز اللطف، ولكن في سياق الصحة النفسية والعلاقات الشخصية والصدق، قد يكون للصمت آثار ضارة، فهل نقنع بصمتنا أنفسنا بأنَّ ردود أفعالنا غير مناسبة أو غير مرحَّب بها؟
1. كبت الصدق
يكبت تبنِّي عقلية الصمت آنفة الذكر من وجهة نظري المشاعر والأفكار الصادقة؛ لأنَّ الالتزام الصارم بها قد يدفع الأشخاص إلى السكوت حتى حين تكون ملاحظاتهم منطقية، مما يعوق النمو الشخصي، ويمنع النقاشات الضرورية، ويقوِّض التواصل الصريح والصادق.
لقد مررت بهذا كثيراً، فحين أخبر الناس بحقيقة حالتي الصحية، يرتبك بعضهم، فيبحثون عن "الرد المناسب" بدلاً من التعبير عما يشعرون به بصدق، ولكن لا حاجة إلى عبارات مثالية، فالتعاطف الحقيقي يكمن في الحضور الإنساني البسيط، وطالما أنَّك لا تنوي قول شيء قاسٍ أو تمييزي أو غير أخلاقي، فالشيء المناسب هو ببساطة ما تشعر به؛ إذ حتى عبارة مثل: "لا أعرف ماذا أقول" قد تكون كافية، لأنَّها تُظهر الاهتمام والنية الصادقة.
شاهد بالفيديو: فوائد الصَّمت بحسب علم النفس
2. قوة التعاطف
ثمة مواقف يكون فيها عدم اليقين أو نقص المعلومات سبباً في شعورنا بالحيرة تجاه ما يمكن قوله، لكنَّ التزام الصمت في مثل هذه اللحظات بدافع التردد، قد يؤدي دون قصد إلى تأجيج مشاعر الإهمال أو العزلة.
عندما يفتح لك شخص قلبه أو يشاركك تجربته، ولا يلقى رداً منك، يشعر بأنَّك تتجاهله، ولا تكترث لأمره، ولكن حين نتخطى خوفنا من قول شيء غير مناسب، ونقدم رداً يحمل التعاطف، فإنَّنا ننشئ مساحة للتقدير، والتفهم، والتواصل الإنساني الحقيقي.
أختار قول الحقيقة دوماً، ولا أكبت مشاعري في تلك اللحظة، وهذا بحد ذاته أمر صعب، ولكنَّه ينمُّ عن الصدق والاحترام، وهنا تماماً يتضح قصور العبارة القائلة: " قُل خيراً، أو اصمت".
كانت تعني هذه الجملة في طفولتنا "لا تكن لئيماً"، أما حين كبرنا وتعمقت علاقاتنا وتعقدت الأمور، فقدت معناها بفعل تعقيدات الحياة والنوايا، وتحولت من دعوة إلى اللطف إلى مبرر للصمت بوصفه فضيلة.
3. التقدير قوة
حين لا تُسعفنا الكلمات المناسبة، فإنَّ تقدير مشاعر أو تجارب شخص ما له أثر بالغ، فحتى تعبير بسيط عن التعاطف، مثل قول: "أنا هنا من أجلك"، أو "لا أعرف ما يجب قوله"، قد يمنحه الطمأنينة.
يُظهر هذا النوع من التقدير أنَّنا مهتمون بالمشاعر ومستعدون لتقديم الدعم، حتى لو لم نحل المشكلة، وقد تكون بمنزلة دعوة لاكتشاف الحل معاً.
يبدو أنَّ هناك ضغطاً اجتماعياً يُشعر الناس بوجوب امتلاك الإجابات قبل المشاركة في أي حوار، وكأنَّ عليهم أن "يعرفوا عما يتحدثون" حتى يُسمح لهم بالكلام، ويُجبر أصحاب التجربة الحياتية بأن يشاركوا حكمتهم، لكنَّ عيش تجربة معينة، لا يعني القدرة على تعليم كيفية فهم أو التعامل مع مجتمع كامل من الناس، ولكن عندما نشارك في حوارات حتى لو لم نكن نعرف ما نقوله، فإنَّنا نوفر فرصة للتعلم، وتوسيع آفاقنا، ورؤية العالم من زوايا مختلفة.
يزرع الفضول الصادق والرغبة في الفهم الاحترام المتبادل، ويبني جسور التواصل، ويتحدى الأحكام المسبقة.

4. العبء العاطفي
يُلقي الإبقاء على الصمت عبئاً عاطفياً على الأفراد والفئات المهمشة، الذين يُتوقَّع منهم أحياناً أن يُثقِّفوا الآخرين حول تجاربهم، فتقع على عاتقهم مسؤولية كسر الصمت وبدء المحادثات الصعبة، مما يُفاقم الضغط على صحتهم النفسية.
يؤدي هذا العبء إلى الاحتراق النفسي، والإحباط، والشعور بأنَّ لا أحد يهتم لأمرهم؛ لأنَّ تحميل الأفراد الذين يعيشون ظروفاً صعبة مسؤولية تثقيف من حولهم، هو شكل آخر من أشكال التمييز ضد هؤلاء الأشخاص، ويضع على عاتقهم توقعات غير عادلة.
5. إسكات الأصوات المهمشة
تؤثر عقلية الصمت تأثيراً عميقاً في المجتمعات المهمشة؛ لأنَّها تخلق بيئة تُتجاهَل فيها أو تُنكَر تجارب التمييز، أو الظلم، أو عدم المساواة؛ إذ يعزز إسكات هذه الأصوات التحيزات ويمنع مناقشة قضايا التغيير والتقدم الاجتماعي.
6. تطبيع السلوكات المؤذية
يؤدي التركيز المفرط على "قول ما هو لطيف" إلى تطبيع أو تبرير السلوكات المؤذية، لو حدث ذلك دون قصد؛ لذا فإنَّ التغذية الراجعة الصادقة والبناءة ضرورية للنمو والتطور على المستوى الفردي والجماعي، وإلا يخلِّف عدم المواجهة آثاراً سلبية في الأفراد والمجتمعات.
يعزز تشجيع الحوار المفتوح، بدلاً من الانسحاب إلى الكتمان، التواصل الصحي والفهم المتبادل، ويهيئ بيئة يمكن فيها تقبل التنوع، وتفادي الصراعات، وازدهار العلاقات.

7. فرص للنمو والفهم
يحرمك الصمت من فرص ثمينة للتعلم والنمو والفهم، فحين نتجنب مناقشة الموضوعات الحساسة، نفقد فرصة تحدي تحيزاتنا الشخصية، وتوسيع مداركنا، والمشاركة في حوارات هادفة.
يعزز استمرار الصمت اختلال موازين القوى، فالأشخاص الذين يتمتعون بامتيازات قد يستفيدون من صمت الأفراد المهمشين؛ لأنَّ ذلك يتيح لهم الحفاظ على السيطرة وتفادي المساءلة، أما عندما نتحدث ونكسر دائرة الصمت، فإنَّنا نُشكِّل ديناميكيات السلطة ونفتح المجال أمام حوارات عادلة وشاملة.
يعزز كسر الصمت التمكين ويُحفز التغيير الاجتماعي، فحين نشارك تجاربنا ونُجري حوارات صادقة، فإنَّنا نحارب الظلم، ونفكك الأنظمة القمعية، ونحقق عالم عادل ومنصف، فعندما نُصغي باهتمام، وندعم الأصوات المهمشة، وننشر قصصهم، نُسهِم في تغيير اجتماعي حقيقي.
في الختام
أمنيتي أن نتحرر من السردية التي تُروِّج للصمت مهما كانت النوايا وراء ذلك طيبة، فلا يوجد شيء "لا يمكن قوله"، طالما أنَّه يُقال برفق ويصدر من قلب عطوف؛ لذا في المرة القادمة التي يختارك فيها أحدهم ليشاركك شيئاً عن نفسه، ولم تجد "الرد المناسب"، أنصحك بالنظر في داخلك، وتحديد ما تشعر به، وما إذا كنت متوتراً؛ لأنَّك تشعر بثقل ما سمعته، أم أنَّك متعاطف لكنَّك لا تريد أن تبدو مُشفِقاً على الشخص، أم تشعر بعدم الارتياح وتبحث عن مخرج سريع من الموقف.
شارِك أياً كان ما تشعر به، فهو شعور حقيقي، وله مكانه؛ إذ لا يملك أيٌّ منَّا كل الإجابات، ويكفي أن نكون "جيدين بما يكفي"، لتوفير مساحة للتعلُّم، وتكوين روابط عميقة.
أضف تعليقاً