يعاني كبارُ السنِّ من اضطرابات القلق، فتؤثِّر هذه الاضطرابات في 10% إلى 20% من الأشخاص، ومع ذلك غالباً ما تبقى اضطرابات القلق غير مُشخَّصَةٍ، ونجدُ القلقَ بشكلٍ أكبر من الاكتئاب واضطرابات التفكير عند كبار السن.
"اضطراب القلق العام" (GAD) هو أكثرُ أنواعِ اضطرابات القلق المُشخَّصة شيوعاً لدى كبار السن، يليه "الفوبيا"، و"اضطرابُ الهلع"، و"اضطرابُ الوسواس القهري" (OCD)، واضطراب "ما بعد الصدمة النفسية" (PTSD) وهذه هي أكثر أنواع اضطرابات القلق التي شُخِّصَت.
أنواع اضطرابات القلق:
زيادةُ القلق مع التقدُّم في العمر هي مشكلةٌ شائعة بين كبار السن، وأكثر أنواع اضطرابات القلق شيوعاً هي:
1. "اضطراب القلق العام" (GAD):
يُسبِّب هذا النوع من القلق التفكيرَ السريع، والقلقَ المستمر، والشعورَ باليأس، ولا يمكن لكبار السنِّ الذين يعانون من GAD أنْ يناموا أو يركِّزوا بشكلٍ جيِّدٍ، بل يشعرون بالتعب والغضب والغثيان، وقد يكون لديهم أيضاً حاجة متكررة للذهاب إلى الحمام، وتُعَدُّ الهبَّات السَّاخنة وضيق التنفس من العلامات لإضافيَّة لـ GAD.
2. "الفوبيا":
يملأُ هذا النوع من القلق الناسَ بالخوف المكثَّف من مكانٍ أو شيءٍ أو حدثٍ، وفي كثير من الأحيان تكون هذه "الفوبيات" غير منطقيَّة وتتعلَّق بأشياء لا تُشكِّل تهديداً حقيقيَّاً.
ومن أبرز أنواع الفوبيا الشائعة لدى كبار السن نجد الخوف من الموت، والكوارث، والخطر على العائلة، كما أنَّ الخوفَ من الإجراءات السنية شائعٌ أيضاً، وعند مواجهة هذه "الفوبيا" قد تشعرُ بالدوار، أو آلامٍ في الصدر، أو خفقانٍ في القلب، أو ضيقِ التنفُّس.
3. "اضطراب الهلع":
ينتابُ كبار السن الذين يعانون من "اضطراب الهلع" نوباتٍ مفاجئةً من الرعب، وغالباً ما يصاحب هذا الشعور تسرُّعاً في ضربات القلب، وآلاماً في الصدر، وضعفاً، وغثياناً، وشعوراً بالإغماء أو الدوار.
تحدث نوبات الهلع بشكلٍ عشوائي ولا تُحفَّزُ - بشكلٍ ضروري - بواسطة أيِّ شيءٍ، وعادة ما تصل إلى ذروتها في غضون 10 دقائق، ثمَّ تتلاشى، وقد يشعرُ كبارَ السنِّ الذين يعانون من هذه الحالة بأنَّهم يعانون من نوبةٍ قلبيَّةٍ أو سكتةٍ دماغيَّة، ولا يرغبون في أنْ يُترَكوا وحدهم.
4. "اضطراب الوسواس القهري" (OCD):
يسبِّبُ "اضطراب الوسواس القهري" أفكاراً مستمرَّةً ومُزعِجةً، ويشعر كبار السنِّ الذين يعانون من هذه الحالة بأنَّهم لا يستطيعون السَّيطرة على أنفسهم إلا من خلال القيام بأفعالٍ متكررة.
يمكن أن يتضمَّن "الوسواس القهري" أفكاراً مُكَبِّرَةً للعنفِ، أو الضررِ الذي قد يحدث لأحد أفراد العائلة.
5. "اضطراب ما بعد الصدمة النفسية" (PTSD):
يحدثُ هذا النَّوع من القلق نتيجةً لحدثٍ مؤلمٍ، وفي بعض الحالات، قد لا تظهر أعراض الصدمة إلا بعد شهور أو حتى سنوات من الحادثة، قد يتعرَّض كبار السن لها بعد تحفيز ذكرى حادثة مؤلمة سابقة بعد شعورهم بالعجز بسبب إعاقة جديدة.
أعراضُ القلقِ عند كبار السن:
عادةً ما يظهر الناس من جميع الأعمار نفس علامات القلق، وقد تكون لبعض أنواع الاضطرابات أعراض مختلفة، وتشمل الأعراض الشائعة لاضطرابات القلق ما يأتي:
- الرجفان، والشُّعور بالذعر.
- صعوبةٌ في التنفُّس، والتعرُّق، والغثيان.
- الدوار، أو الشعور بالدوار.
- مشكلاتُ الهضمِ، وآلامٌ في الصدر.
- الصُداع، والارتباك.
- مشكلاتُ العينِ والرؤية.
- توتُّرُ العضلات، والإرهاق، والتعب.
- أفكارٌ غير منطقية.
- النسيان.
- الانزعاج.
- تجنُّبُ النشاطاتِ والأماكن والأشخاص، وحتَّى الأفكار التي تُثير القلق.
- التغيُّرات في الوزن، والشهية، أو عادات الأكل.
- عدمُ القدرةِ على النوم.
- عزلُ النفسِ، وعدمُ الرغبةِ في مغادرة المنزل.
- الأفكار الوسواسيَّة، والسلوك القهري.
لماذا يجب على كبار السن القلق بشأن القلق؟
يرتبط الاكتئاب بالقلق غالباً بالنسبةِ إلى كبار السن، وهذا يؤثِّرُ سلباً في الصِّحَّة العامَّة، وجودة الحياة، ويجب أنْ نعرفَ علامات القلقِ والاكتئاب، وأنْ نتحدَّثَ مع الطبيب عن أيَّة مخاوف.
يرتبطُ القلقُ أيضاً بشكل قويٍّ بالذاكرة، ويمكن للقلق أنْ يعوقَ الذاكرة، ويمكن أنْ يُسهِمَ القلق الكبير في النِّسيان أو الذِّكريات المفاجئة لحدثٍ مؤلمٍ.
ما الذي يسبب اضطراب القلق؟
يمكن أن تسبِّب العديد من الأمور اضطراب القلق، مثل:
- الإجهادُ المُفرِط أو الصَّدمة.
- الحزنُ على فقدان الأحبَّة، والحزن المُعقَّد أو المُزمِن.
- شربُ الكحول، والكافيين، والمخدِّرات (الموصوفة، وغير الموصوفة، والمحظورة).
- وجودُ تاريخٍ عائليٍّ لاضطرابات القلق.
- أمراضٌ أخرى جسديَّة أو عقليَّة.
- اضطراباتٌ عصبيَّة قهريَّة (مثل ألزهايمر أو أمراض الخرف الأخرى).
- الضغوطات والتغييرات التي قد تصاحب الشيخوخة.
- سوءُ الصحةِ، ومشكلاتُ الذاكرة، والخسارات.
- الخوفُ الشائع من الشيخوخة يمكن أنْ يؤدِّيَ إلى القلق، فالعديد من كبار السِّن يخافون من السُّقوط، أو عدم القدرة على تحمُّل نفقات المعيشة والدواء، أو أن يكونوا ضحيَّةً، أو عبئاً على الآخرين، أو أن يبقوا وحدهم، أو الموت.
ينبغي على كبار السن وعائلاتهم أن يكونوا على علمٍ بأنَّ التغيُّرات الصحية يمكن أن تؤدي أيضاً إلى القلق، غالباً ما تحدث اضطرابات القلق بجانب الأمراض الجسديَّة أو العقليَّة الأخرى، ومن ذلك تعاطي الكُحول أو المواد المخدِّرة، والتي قد تُخفي الأعراض أو تجعلها أسوأ.
يجبُ أيضاً ملاحظة أنَّ معظم كبار السن الذين يتعايشون مع القلق كانوا يعانون من اضطراب القلق (ربما لم يُشخَّصْ ولم يُعالج) عندما كانوا في سنٍّ صغيرة، ويمكن أن يؤدِّي حدوث حدث مؤلمٍ - مثل وفاةِ شخص عزيز- إلى القلق الخفيف والمؤقَّت، ولكنَّ القلقَ الذي يستمرُّ لمدَّة ستة أشهر على الأقل يمكن أن يُفاقِمَ الأمر إذا لم يُعالَجْ.
شاهد بالفيديو: نصائح صحية لكبار السن
الاكتئاب والقلق:
غالباً ما يحدثُ القلقُ والاكتئاب معاً عند كبار السنِّ، ويجب أنْ يُخبِرَ كبار السن أطباءَهم إذا كانوا يعانون من أيَّة أعراضٍ، وعادةً ما تستمر أعراض الاكتئاب لأكثر من أسبوعين.
من هذه الأعراض:
- اضطراب النوم (النَّوم الزَّائد، أو النَّوم القليل).
- تغيُّرات في الشهيَّة (فقدان الوزن، أو زيادته).
- آلام جسديَّة.
- نقص الطَّاقة أو الدَّافع.
- الانزعاج، وعدم التسامح.
- فقدان الاهتمام أو المتعة.
- قلَّة تقدير الذات أو الشُّعور بالذنب.
- صعوبات في التركيز أو اتخاذ القرارات.
- الاضطراب الواضح أو الحركة البطيئة.
- أفكار متكرِّرة عن الموت أو الانتحار.
- تغيُّر في الرغبة الجنسيَّة.
مَنْ يمكنه المساعدة؟
يجبُ على كبار السنِّ الذين يعانون من أعراض القلق مشاركة مخاوفهم مع أطبائهم الرئيسين، إذ يمكنُ للطبيب المساعدة على تحديد ما إذا كانت الأعراض ناتجة عن اضطراب القلق، أو حالة طبيَّة، أو كليهما، فإذا قام الطبيب بتشخيص اضطراب القلق، فإنَّ الخطوةَ التالية هي زيارة متخصِّصٍ في الرِّعاية الصحيَّة العقليَّة، ويجب أنْ يعملَ كلٌّ من المريض ومقدِّم الرعاية بصفتهما فريقاً لوضع خطَّة لعلاج اضطراب القلق.
ما هي خيارات العلاج؟
يمكن أنْ يشملَ العلاج الدواء، وجلسات العلاج النفسي وتقليل التوتُّر، ومهارات التعامل مع الضغوطات، والدعم الاجتماعي أو العائلي الآخر.
يمكنُ لمقدِّم الرعاية الصحيَّة العقليَّة تحديد نوع الاضطراب، أو مزيج الاضطرابات التي يعاني منها المريض، وإذا كانت لديه أيَّة حالات أخرى، مثل الحزن، أو الاكتئاب، أو تعاطي المواد المخدِّرة، أو الخَرَف.
يجب على الذين تلقُّوا علاجاً سابقاً لاضطراب القلق أنْ يخبروا مُقدِّم الرِّعاية الصحية عن العلاج السابق، وإذا تلقوا دواءً، فيجب عليهم أن يشيروا إلى ما تم استخدامه، والجرعة، والآثار الجانبية، وما إذا كان العلاج مفيداً أو لا، وإذا شاركَ المريضُ في جلسات العلاج، فيجب عليه وصف نوع الجلسة، وعددها، وما إذا كانت مفيدة أو لا.
في بعض الأحيان يجبُ على الأفراد تجربةَ عدَّة علاجات مختلفة، أو مزيجٍ من العلاجات قبل أن يجدوا العلاج المناسب لهم، ومن هذه العلاجات:
1. الدَّواء:
لا يعالجُ الدَّواءُ اضطرابات القلق، ولكن يساعدُ على السيطرة عليها في أثناء تلقِّي الشَّخص للعلاج النفسي، ويجب أنْ يوصفَ الدواءُ من قبل الأطبَّاء - غالباً ما يكونون أطباء نفسيين - الذين يمكنهم تقديم العلاج، أو العمل بصفتهم فريقاً مع المعالجين النفسيين، أو العاملين الاجتماعيين، أو المستشارين الذين يقدِّمون العلاج.
الأدوية الرئيسة المستخدمة لاضطرابات القلق هي: مضادات الاكتئاب، والأدوية المضادة للقلق، ومثبِّطات بيتا التي تسيطر على بعض الأعراض الجسدية.
2. مضادات الاكتئاب:
غالباً ما توصف مضادات الاكتئاب لمعظم اضطرابات القلق، وتعمل عن طريق تغيير كيمياء الدماغ، ونظراً لأنَّ الأعراض عادة ما تبدأ في التلاشي بعد 4-6 أسابيع من مضادات الاكتئاب؛ فمن الضروري تناولها لفترة كافية لكي تعمل.
تشملُ مضادات الاكتئاب مثبِّطات امتصاص "السيروتونين" الانتقائية (SSRIs)، ومثِّبطات امتصاص "السيروتونين" و"النورأدرينالين" (SNRIs)، والثلاثية، ومثبِّطات "أكسيداز أحادي الأمين" (MAOIs).
3. الأدوية المُضادة للقلق:
توصَفُ أحياناً الأدوية المضادة للقلق- المعروفة أيضاً باسم المهدِّئات - عند الحاجة إلى دواءٍ سريعِ المفعول و/أو لفترة قصيرة، ومنها:
- "البوسبيرون" دواء مضاد للقلق أثبت فعاليته لكبار السن.
- تُعدُّ مهدِّئات "البنزوديازيبينات"، أدويةً أخرى مضادة للقلق، فعالة، ولكن يجب أن توصف بعناية لكبار السن بسبب مخاطر تشوش الذاكرة، وعدم الاستقرار، والسقوط عند استخدامها.
عادة ما توصَفُ مهدِّئات "البنزوديازيبينات" لفترات قصيرة، فبعض الأشخاص يعانون من أعراض الانسحاب إذا توقَّفوا فجأة عن تناولها بدلاً من التخفيف من جرعتها، أمَّا عند تناولها بانتظام لفترة طويلة، يمكن أن تكون مهدِّئات البنزوديازيبينات إدمانية ولكن عادة ما لا تكون كذلك.
4. مثبِّطات بيتا:
يمكن أن تساعد مثبطات بيتا على تخفيف القلق عن طريق منع الأعراض الجسديَّة المصاحبة لبعض اضطرابات القلق.
5. العلاج النفسي:
يشمل العلاج النفسي التحدث مع مُحترِفِ صحَّة عقليَّة مدرَّبٍ، مثل: طبيب نفسي، أو معالج، أو عامل اجتماعي، أو مستشار، لاكتشاف سبب اضطراب القلق وكيفية التعامل مع أعراضه.
في العلاج السلوكي المعرفي، يساعدُ المعالجون الأشخاص على تغيير أنماط التفكير التي تُسهِم في مخاوفهم، والطرائق التي يتفاعلون فيها مع المواقف التي تثير القلق.
يمكن للمعالج تعليم مهارات تكيُّف واسترخاء جديدة والمساعدة على حل المشكلات التي تسبِّب القلق، وعندما يكون المريض جاهزاً لمواجهة مخاوفه، يمكن للمعالج تعليمه تقنيَّات التعرُّض للمواقف التي تقلِّل من حساسية المريض للمواقف التي تثير القلق، كما يعلم المعالجون تقنيات التنفُّس العميق والاسترخاء الأخرى لتخفيف القلق، ويُعَدُّ العلاج السلوكي قصير الأمد ويتألَّف من 12 جلسة أو أقل.
في الختام:
يُعَدُّ القلق أمراً شائعاً بين كبار السن، ويمكن للتعرُّف إلى العلامات والأعراض المرتبطة به أنْ يساعدَ على التعامل معه بشكل فعَّال، من خلال البحث عن الدعم اللازم من الأطباء والمتخصِّصين في الصحة العقلية، إضافة إلى العلاج النفسي والدوائي، يمكن لكبار السن تحسين جودة حياتهم وتخفيف القلق الذي يمكن أن يؤثِّر في صحَّتهم العامة ورفاهيتهم.
أضف تعليقاً