مفهوم إدارة المخاطر الاستثمارية
حتى نفهم مجال إدارة المخاطر الاستثمارية، دعنا ننظر لها بكونها عملية لتحديد وتحليل ثمَّ تقييم المخاطر المحتملة التي قد تواجهك في استثمارك حتى نفهم مجالها، وتوجيهك بعدها لاتخاذ الإجراءات الأنسب للتخفيف من تلك الآثار السلبية، وإنَّ هذه العملية تضمُّ مجموعة واسعة من التقنيات و الاستراتيجيات والتي لها رسالة واحدة وهي تحقيق التوازن الأمثل للمستثمر بين المخاطر والعوائد.
دعني أوضِّح لك أمراً هاماً في معنى إدارة المخاطر الاستثمارية، وهو أنَّها لا تُعنى بتجنُّب المخاطر تجنُّباً كاملاً، فهو شيء غير واقعي في عالم الاستثمارات كما تعلم؛ بل تهدف إلى إدارتها بفعالية لتحقِّق لك أهدافك المالية على الأمد الطويل؛ أي إنَّها المجال الذي يجيبك عن التساؤل القَلِق في ذهنك حول كيفية حماية أموالك من الخسارة في ظل وجود المخاطر الاستثمارية، وإنَّ ذلك يتطلب تحديد مستوى المخاطر الذي تستطيع تحمُّله، وأيضاً تنويع استثماراتك بمنهجية مدروسة، والأهم هو اتخاذك لقرارات استثمارية مستنيرة مبنية على تحليل دقيق للمعلومات المتاحة.
أنواع المخاطر الاستثمارية
أنت تعلم جيداً أنَّه قبل أن تدير أمراً ما عليك إلَّا أن تفهمه أكثر، وهذا يقودنا للحديث عن أنواع المخاطر التي قد تواجهك في الاستثمار، ثمَّ ستُدرِك بعدها كيف تحمي أموالك من الخسارة بسبب مثل هذه المخاطر؛ لذا تعال معي نتتبَّع نوعين رئيسَين للمخاطر الاستثمارية:
1. المخاطر غير المنتظمة
إنَّها تلك المخاطر المتعلقة بشركة أو قطاع محدَّد، فمثلاً قد تتأثر شركة معيَّنة بسبب سوء في الإدارة أو ظهور منافسة شديدة في السوق لها، وهنا عليك أن تعلم أنَّ مفتاح التخفيف من هذه المخاطر هو التنويع في الاستثمارات.
2. المخاطر المنتظمة
هي المخاطر التي تؤثر في السوق بأكمله، مثل التغيرات التي تطرأ على أسعار الفائدة أو حدوث ركود اقتصادي أو أزمات محلية أو عالمية، وإنَّ هذه المخاطر لا يمكن إدارتها بالكامل من خلال التنويع الاستثماري، ولكن يمكن ذلك من خلال استراتيجيات أخرى تخصصية كثيرة.
لا بدَّ أنَّك لاحظت أنَّ فهم أنواع المخاطر يُحدث فرقاً في آلية تفكيريك في إدارة المخاطر الاستثمارية، ولكنِّي أريدك أن تكون متوجِّهاً أكثر في تفكيرك حول حماية أموالك من الخسارة؛ لذا أُتيت لك ببعض الأسئلة الموجَّهة دعنا ننتقل لها.
شاهد بالفيديو: 8 علامات تدلّ على أنَّك لا تُجيد استثمار أموالك
خمسة أسئلة يجب أن تسألها لنفسك قبل أن تستثمر
يتطلب الاستثمار مرحلة من التأمُّل قبل المضي فيه، وهذا التأمُّل عليه أن يتمحور حول أسئلة قيِّمة تدرَّس من خلالها مرحلتك الحالية، وما يجب أن تتوجه له بوصفه خطوة قادمة؛ لذلك أحضرت لك هذه الأسئلة، فتعال نطرحها معاً ونفهم فائدتها في توجيهنا الاستثماري:
1. هل أنت مرتاح لمستوى المخاطرة في هذا الاستثمار؟
قيِّم مدى ارتياحك لمستوى المخاطرة الموجودة في الاستثمار قبل وضع أموالك فيه؛ لأنَّه أمر ضروري جداً لكون كل استثمار له درجة معيَّنة من المخاطر، ولكن كما تعلم فإنَّ بعض الاستثمارات أكثر خطورة من الأخرى، وعليك أن تسأل نفسك هل أنا على استعداد لتحمُّل الخسائر التي يُحتمل أن أواجهها مقابل العوائد المتوقَّعة؟ وإذا كان جوابك لا، فتأكَّد أنَّ الأفضل لك هو البحث عن خيار استثماري أقل خطورة.
2. هل تفهم المجال الذي تستثمر فيه جيداً؟
يعد الاستثمار من وجهة نظري فناً وحباً ورؤية وأيضاً علم ودراية؛ إذ إنَّ دخولك في مجال لا تفهم فيه جيداً هو بحدِّ ذاته مخاطرة كبيرة؛ لذا قبل أن تشرع بالاستثمار، تأكَّد من أنَّك على دراية بآليات العمل في هذا المجال، وأنَّك تعرف أيضاً العوامل التي تؤثر في تطوره، والمخاطر المحتملة المتعلقة به، وإن كنت لا تفهم كيف يعمل الاستثمار بذلك المجال، فإنِّي أرجِّح لك أحد أمرين، إمَّا أن تتعلم عنه مزيداً وتسأل خبراءه، أو أن تبحث عن فرصة استثمارية ثانية تفهمها أكثر.
3. هل يمكنك إخراج أموالك بسهولة إذا كنت محتاجاً لذلك؟
تعد السيولة بين يديك عاملاً هاماً في كل استثمار؛ لأنَّ بعض الاستثمارات كالأسهم المتداولة في البورصة يمكن لك بيعها بسهولة نسبياً إن احتجت إلى أموالك، بالمقابل هناك استثمارات أخرى، مثل بعض صناديق الاستثمار المخصصة أو العقارات توجد فيها صعوبة بتحويلها إلى سيولة تحويلاً سريعاً؛ لذا تأكَّد من فهمك لمدى سيولة الاستثمار المخصص بك وأنَّك مرتاح له، فذلك يعدُّ من أهم مبادئ إدارة المخاطر الاستثمارية.
4. هل أنت محمي إذا توقَّف مزوِّد الاستثمار أو المستشار أو الوسيط المخصص بك عن العمل؟
يعد أمراً هاماً جداً أن تفهم ما سيحدث لأموالك إذا تعرَّضَت الشركة التي تتعامل معها لمخاطر مالية أو توقَّفت عن العمل، وعليك أن تعرف إن كان هناك ضمانات أو تأمينات تحمي أموالك من الخسارة وما هي تلك الضمانات، كما عليك أن تعرف أنَّ بلداناً كثيرة يوجد فيها أنظمة لحماية المستثمر في حالات إفلاس الوسطاء أو الشركات؛ لذلك من الهام أن تفهم هذه الحماية وإمكانياتها، وذلك كله يرفع تمكينك بمعرفة كيف تحمي أموالك من الخسارة من خلال إدارة المخاطر الاستثمارية المستنيرة.
5. هل يجب أن تحصل على نصيحة مالية قبل بدء الاستثمار؟
يعد الحصول على نصيحة مالية من شخص خبير ومحترف قبل بدء الاستثمار خطوة واعية؛ لأنَّها توفِّر عليك متاعب وقت طويل من العثرات التي تستغرقك حتى تفهم بعض الأمور في إدارة المخاطر الاستثمارية، وذلك تحديداً هام إن كنت جديداً في عالم الاستثمار أو كنت تفكِّر في استثمار معقَّد أو كبير، وإنَّ المستشار المالي يستطيع أن يُدرِك المخاطر إدراكاً أفضل، ويوجهك بنصائح مناسبة لوضعك المالي وأهدافك، وهناك أمر آخر هام هنا، وهو تأكُّدك من اختيار مستشار مالي موثوق ومحترف، وبذلك تكون قد أصبحت متوجِّهاً أكثر في معرفة كيف تحمي أموالك من الخسارة بسبب المخاطر الاستثمارية.
العوامل التي تؤدي دوراً في تحديد المخاطر الخاصة بك قبل الاستثمار
قبل أن تبدأ أي استثمار، من الضروري فهم العوامل الأساسية التي تحدد مستوى المخاطر المرتبط بك، مثل أهدافك المالية، خبرتك الاستثمارية، ومدى تقبلك للمخاطرة، حيث تشكل هذه العوامل الأساس لوضع استراتيجية استثمارية مناسبة وآمنة.
1. الأفق الزمني
كلما كان أفق استثمارك أطول، كان بإمكانك أن تتحمل مخاطر أكبر؛ لأنَّ لديك الوقت الكافي للتعافي من أية خسارة قصيرة الأجل.
2. العمر
يكون لدى المستثمرين الشباب في العادة قدرة أكبر على تحمُّل المخاطر بسبب أنَّ وقتهم أطول لتعويض أية خسائر محتملة، ولكن مع تقدُّم العمر، ستقلل المخاطرة لحماية مدَّخراتك.
3. الميزانية
يؤثر حجم استثمارك بالنسبة لإجمالي الثروة التي تملكها تأثيراً كبيراً في مستوى المخاطر الذي يمكنك خوضها، فكلما شكَّلَ الاستثمار نسبة أكبر من ثروتك، كان عليك أن تكون أكثر حذراً.
4. درجة ارتياحك للمخاطرة
إنَّه عامل شخصي، ولكنَّه كبير الأهمية؛ إذ يختلف بين الناس فبعضهم يشعر بالراحة مع مستويات المخاطرة العالية، بينما يفضِّل آخرون طريقاً أكثر تحفُّظاً.
5. تعاملك النفسي مع القرارات السيِّئة
كيف تتعامل مع الخسارة؟ وهل تميل إلى اتخاذ قرارات متسرعة تحت الضغط أو الاستسلام عند العثرات؟ إذا كان الأمر كذلك فقد يكون من الأفضل لك اختيار استثمارات قليلة التقلب.
6. درجة الخبرة
إن زادت خبرتك في الاستثمار بمجالك، ستفهم وتدير المخاطر الاستثمارية المعقَّدة.
7. المعرفة الاستثمارية
يأخذك فهمك المتعمِّق لآليات الاستثمار ومعلومات الأسواق المالية لقرارات أكثر استنارة ويُدير المخاطر إدارة أفضل، ومن ثمَّ يحمي أموالك من الخسارة.
لا بد أنَّ لديك الآن رغبة برؤية استراتيجيات فعلية في حماية أموالك من الخسارة أمام المخاطر، لتفكر ملياً بآليات تطبيقها؛ لذا دعنا ننتقل لها معاً.
شاهد بالفيديو: 10 قواعد عليك اتّباعها قبل الاستثمار في الأسهم
استراتيجيات حماية أموالك من الخسارة في أي استثمار
في عالم الاستثمار المتقلب، تمثل حماية رأس المال أولوية لكل مستثمر يسعى للحفاظ على أمواله وتقليل المخاطر، لذا نستعرض في هذه الفقرة أبرز الاستراتيجيات العملية التي تساعدك في تقليل فرص الخسارة مهما كان نوع استثمارك.
1. تحديد أنواع المخاطر
قبل إقدامك على أي استثمار، حلِّل جميع المخاطر المحتملة تحليلاً شاملاً، فإنَّ هذا يضم المخاطر المتعلقة بالاستثمار نفسه، والمخاطر العامة في السوق.
2. فهمُ العلاقة بين المخاطر والعوائد
يمكننا القول إنَّه كلما زادت المخاطر المتوقعة، زادت العوائد أيضاً، ولكنَّ هذا لا يعني بالمطلق أنَّ الاستثمارات عالية الخطورة دائماً ما تحقِّق عوائد أعلى، عليك بالموازنة بين المخاطر والعوائد بما يتناسب مع أهدافك.
3. استخدام مقاييس مختلفة لتحديد المخاطر بدقة
توجد مقاييس إحصائية متعددة تُستخدَم لتقييم المخاطر، منها الانحراف المعياري، ومعامل بيتا، ونسبة شارب وغيرها، وتُستخدَم جملة من هذه المقاييس لتحصل على صورة أكثر شمولية للمخاطر الاستثمارية لديك حتى تعرف أكثر كيف تحمي أموالك من الخسارة.
4. نوع المحفظة
يعد التنويع واحداً من أهم استراتيجيات إدارة المخاطر الاستثمارية؛ لأنَّه من خلاله توزَّع استثماراتك من خلال مجموعة من الأصول والقطاعات والمناطق الجغرافية، بالتالي يمكن تقليل تأثير الخسائر في أي استثمار فردي.
5. وضع استراتيجيات احتياط
استخدِم أدوات لتحمي استثماراتك من أية انخفاضات حادة، وهناك استراتيجيات تحوُّط متعددة، كاستخدام العقود الآجلة لتقليل المخاطر.
6. مراجعة أداء محفظتك مراجعة دوريةً
تضمن المراجعة المنتظمة لاستثماراتك أنَّها مستمرة بالتوافق مع أهدافك ومستوى تحملك للمخاطر، فأعِدْ التوازن لمحفظتك عند الضرورة.
7. استشارة محترفين وخبراء في إدارة المخاطر الاستثمارية
لا تتردد في أن تطلب المشورة من خبراء مؤهَّلين؛ إذ يمكن للمستشارين الماليين أن يقدموا لك رؤى قيِّمة في تطوير استراتيجية إدارة المخاطر حتى تحمي أموالك من الخسارة.
بهذا تكون قد حميتَ أموالك من الخسارة أمام الأخطار المحتملة، ويبقى هناك قلق حيال الأحداث الكبرى التي قد توقع بالأسواق، فدعنا نتحدث عن ذلك قليلاً.
علاقة أحداث "البجعة السوداء" بإدارة المخاطر وكيفية الاستعداد لها
في التعريف عن أحداث "البجعة السوداء" يمكن القول إنَّها تلك الأحداث النادرة وغير المتوقعة والتي لها تأثير كبير في الأسواق والاقتصاد، وإنَّنا نتحدث عنها هنا لما تشكِّله من تحدي كبير لإدارة المخاطر الاستثمارية لكونها غير قابلة للتنبؤ،
وعلينا أن نعرف أنَّ العلاقة بين أحداث البجعة السوداء وإدارة المخاطر معقدة قليلاً؛ لأنَّها من جانب تذكِّرنا بأهمية وضرورة الاستعداد للأسوأ وفهم إدارة المخاطر جيداً، ومن جانب آخر فإنَّها تلقي الضوء على محدودية نماذج إدارة المخاطر الاستثمارية؛ لأنَّها غالباً ما تفشل في التنبؤ بمثل هذه الأحداث الاستثنائية الطارئة.
للاستعداد لأحداث البجعة السوداء، يمكننا اتِّباع الاستراتيجيات الآتية:
- التنويع الشديد: لا تضع كل البيض في سلة واحدة.
- الاحتفاظ باحتياطي نقدي: احتفِظْ دوماً بجزء من محفظتك بوصفه سيولة منخفضة المخاطر.
- تطوير خطة طوارئ: ضع خطة لكيفية التصرف بحالة حصول صدمة سوقية كبيرة، حتى لا تتخذ قرارات متسرِّعة إن حدثت.
- التفكير خارج الصندوق: لا تعتمد على نماذج المخاطر التقليدية فقط.
- التعلم المستمر: تابِعْ أحدث التطورات في الأسواق والاقتصاد العالمي.
- المرونة: استعد لتعدِّل استراتيجيتك الاستثمارية بتغيُّر الظروف، فتحوِّل أي ظرف إلى فرصة قيِّمة بقرارات ورؤية مستنيرة.
نكون قد تعرَّفنا أكثر على إدارة المخاطر الاستثمارية ودورها في تمكينك بآليات فكرية لمعرفة كيف تحمي أموالك من الخسارة.
أضف تعليقاً