لأنَّك مشغول بمتابعة التلفاز، وكذلك العلاقات الزوجية كثيراً ما تسوء نتيجة التواصل السيء الذي يعتَد على التحدث والاستماع أيضاً، ولا يتوقف الأمر على العلاقات الأسرية والزوجية، إنَّما التواصل الفعَّال هو أحد أهم أسباب نجاح العلاقة بين المعلم والطلاب، وبين المدير والموظفين وغيرها من العلاقات الضرورية لنجاح الأعمال ونجاح المجتمع عامة.
وكل إنسان يجب أن يركِّز على التواصل الفعَّال ضمن العائلة أولاً فيُعزِّز مهاراته وخصيصاً في تربية الأبناء لكونها عملية بناء شخصية إنسان وليست نقلاً للمعارف والمعلومات والعادات فحسب، إنَّما التربية بحاجة للتواصل الفعَّال الذي يجعلك تستمع لطفلك لساعة كاملة دون أن تقاطعه أو تحكم عليه أو تنشغل بأعمالك في حديثه، ولأنَّ الاستماع الفعَّال هو أحد أهم أدوات التواصل الفعَّال سنتحدث عن أهميته في التربية في مقالنا الحالي.
ما هو الاستماع الفعَّال؟
هو أكثر من سماعك للكلمات، فهو التركيز في الحديث بمنح المتحدث الانتباه الكامل وعدم الانشغال بأي أمر آخر، والفهم العميق لما يقال لاستنباط المشاعر الكامنة خلف الكلمات من خلال إعطاء المتحدث الوقت الكافي ليعبِّر عن أفكاره ومشاعره، وفي حال عدم فهم كلامه، فيُسأل مباشرة عن المقصود به، ويشمل أيضاً التعاطف مع المتحدِّث من خلال تعابير الوجه التي تظهر له رغبة المستمع بسماع كلامه وفهمه.
ما هي أهمية الاستماع الفعَّال؟
الاستماع الفعَّال له أهمية كبيرة في حياتنا وعلاقتنا الاجتماعية المختلفة لكونه يُحقِّق ما يأتي:
1. تقوية العلاقات
يصبح التواصل بين الأفراد من خلال الاستماع الفعَّال بأفضل أشكاله، ممَّا يعزز الروابط لكونه يقلل سوء الفهم.
2. حل المشكلات
يوجِد الاستماع الفعَّال حلولاً جذرية للمشكلات لكونه يسمح لصاحب المشكلة بالتحدث مفصَّلاً عنها، بالتالي الفهم العميق للمشكلة وأسبابها.
3. تحسين الإنتاجية
يساعد استماع الموظفين بفعالية للمدراء على فهم التعليمات والمعلومات بأفضل شكل، ويعني استماع المدراء الفعال للموظفين فهم مشكلاتهم والنواحي السلبية للعمل، وينعكس ذلك إيجاباً على الإنتاجية.
4. يجعلك شخصاً موثوقاً
يعني أن تكون مستمعاً فعَّالاً أنَّك شخص محبوب في المجتمع ويمكن الوثوق به بسهولة، وهذا ما يُكسِب العلاقات الاجتماعية الصحيحة.
شاهد بالفديو: 18 طريقة تجعل تربية الأطفال سهلة
فوائد وأهمية الاستماع الفعَّال في التربية
فيما يأتي فوائد الاستماع الفعَّال في التربية، والتي تنطبق على علاقة الآباء بالأبناء وعلاقة المعلمين بالطلاب:
1. بناء علاقة متينة
إن كنت مستمعاً فعَّالاً يعني أنَّك قادر على كسب ثقة الطرف المتحدث وتقريبه إليك؛ لأنَّه يشعر بالأمان فكل ما يقوله يصل إليك وصولاً صحيحاً لكونك لا تقاطعه، وملامحك وحركاتك تُظهر فهمك له، كالإيماء بالرأس والابتسامة الخفيفة ونظرات العيون التي تجعل المتحدث يسترسل في كلامه، فأحياناً ما نحتاجه فقط هو وجود شخص يسمعنا حتى إن لم يجد حلاً لمشكلتنا أو يقدِّم نصيحة تغيِّر شيئاً في حياتنا، فإن تحدَّثت مع ابنك يومياً وسمعتَ التفاصيل اليومية التي يرغب بإخبارك بها.
سيشعر بأنَّك أقرب شخص في حياته، واليوم بالرغم من أنَّ عمري اقترب من الثلاثين، مازلت أتذكَّر كيف كان والدي يستمع إليَّ جيداً عندما كنت في مرحلة المراهقة بالرغم من سخافة تلك التفاصيل والمشاعر بالنسبة لرجل اقترب من الخمسين عام، وكنت ومازلت أشعر بأنَّه الأقرب إلي، أمَّا بالنسبة للطالب فأن يشعر بأنَّ أراءه هامة وتستحق الاستماع في صفه يزيد رغبته بالمشاركة في الحوار، بالتالي تعزيز التركيز في المدرسة.
2. الفهم العميق للاحتياجات
يُكثر أحياناً الآباء من الهدايا ويسعوا جاهدين لتأمين حياة كريمة للأبناء، ومع ذلك يكبر الطفل ليصبح متمرِّداً وغير راضٍ بما قدَّمه والديه سابقاً وبما يقدموه حالياً، والسبب هو عدم وجود معرفة حقيقة لاحتياجات الأبناء ورغباتهم ومشاعرهم، فربَّما يحتاج الطفل أن يلعب مع والده بعض الوقت يومياً، ولا يحتاج الألعاب الثمينة التي يلعب بها وحيداً، وتلك التفاصيل البسيطة تكبر مع الطفل وتصبح عقداً وأزمات نفسية لا تُتجاوَز بسهولة.
لكن بسماع الطفل تعرف ما الأشياء التي تسعده لتلبِّي احتياجاته، وكذلك تعرف الصعوبات والمشكلات التي تواجه الأبناء في دراستهم أو علاقتهم مع الأقرباء أو الأصدقاء ومختلف التحديات التي تواجه حياتهم اليومية وخصيصاً العاطفية والاجتماعية في فترة المراهقة لتساعدهم بأفضل شكل، بالتالي تحافظ على سلامة ابنك نفسياً.
3. تعزيز التواصل لدى الأبناء
الآباء هم القدوة للأبناء، وكذلك المعلمين في المدرسة، فإن سمعتهم بفعالية، تعلِّمهم كيفية استماع الآخرين ومنحهم الاهتمام الكافي، بالتالي تعلمهم كيفية بناء علاقات صحية ومتينة مع الآخرين وكيفية كسب ثقة المحيطين سواءً الزملاء أم المعلمين أم غيرها من العلاقات، بالإضافة إلى أنَّك تشجِّعه على التعبير عن الأفكار والمشاعر بالتالي تعزز ثقته بنفسه ومهارات التواصل لديه.
4. تحسين السلوك
يساعد الاستماع الفعَّال الأهل على فهم الأسباب الكامنة وراء التصرفات السيئة والسلوك السلبي الذي يتبعه الأبناء في بعض الفترات، وكذلك الأمر بالنسبة للمدرسة ومن خلال فهم الأسباب يُتعامَل مع الطفل أو المراهق بفعالية تخلِّصه من مشاعره السلبية وتعيده للسلوك الصحيح وتمنعه من الوقوع في الأخطاء وتدمير علاقاته بالمحيطين.
كما يكشف الاستماع الفعَّال مبكِّراً عن وجود مشكلات أو خلل جسدي معيَّن ويعالجه قبل تفاقمه، مثل مشكلات اللفظ والمهارات اللغوية، وعندما يتعلم الطفل الاستماع الفعَّال يعزز مهاراته اللغوية.
شاهد بالفديو: 8 تصرفات تشير إلى أنَّنا نسيء تربية أطفالنا دون أن نعلم
كيفية تطبيق الاستماع الفعَّال في التربية
تُطبَّق من خلال النقاط التالية تقنيات الاستماع الفعَّال مع الأبناء وفي التعاملات اليومية عامةً:
1. الحضور الكامل
امنح ابنك الاهتمام الكامل لساعة من الوقت يومياً وربما نصف ساعة تكفي، وتواصَلْ معه لا بالكلام فحسب؛ بل بجسدك كاملاً ليشعر بالتعاطف والحب والاهتمام الفعل لما يقوله من خلال الجلوس أمامه والنظر في عينيه، بالإضافة إلى استخدام الإيماءات التي تدلُّ على الموافقة وضرورة المتابعة بالحديث سواءً اللفظية، مثل "نعم، أوافقك الرأي، أكمِل حديثك" أم غير اللفظية، مثل الإيماء بالرأس.
وتجنَّبْ المشتِّتات قدر الإمكان، فلا تُعِد الطعام أو ترتِّب المنزل أو تنظر للرسائل على هاتفك المحمول أو تشاهد التلفاز، فجميع الأعمال تؤجَّل لبضع الوقت؛ لذلك أغلِقْ الهاتف والتلفاز ومختلف الأجهزة والتَفِتْ إليه ولا تقاطِعْ ذراعيك أمامه؛ بل اجلس براحة لكي لا تشعره بأنَّك تؤجِّل أعمالك حتى لا يشعر بالإحراج ويختصر الكلام، وإن سرحتَ بتفكيرك وشردتَ في كلامه لا تشعره؛ بل اطرح بعض الأسئلة لتتأكد من فهمك الصحيح لما يقوله.
2. عدم المقاطعة
دع الطفل يتحدث بحرية عمَّا يجول في عقله حتى إن تحدَّث عن أفكار غريبة بالنسبة لك أو إن كان مراهقاً وتحدَّث عن مشاعره أو انتقَدَ الأسرة أو المجتمع أو المدرسة، فلا يجب أن تصدر الحكم عليه فوراً وتقطع حديثه؛ لأنَّك تصحح ما يقول، فقد يمتنع عن إخبارك بأسراره ويومياته.
3. طرحُ الأسئلة
تفتح الأسئلة الحديث مع الأبناء وخصيصاً الأسئلة المفتوحة، فلا تطرح أسئلة جوابها مختصر بكلمة واحدة، كأن تسأله "هل كانت المدرسة جيدة اليوم؟" ويجيب "نعم أو لا" فبدلاً من ذلك اسأله "ما هو أفضل شيء حدث معك اليوم في المدرسة؟، ما هي الأشياء التي أزعجتك اليوم؟".
4. التحدث إليه
أنت القدوة لأبنائك؛ لذلك تحدَّثْ إليهم كما ترغب أن يتحدثوا إليك وأخبِرْهم عن التفاصيل المميَّزة في يومك ومشاعرك تجاه التجارب والعلاقات الاجتماعية الموجودة في حياتك الآن والأعمال التي تنجزها؛ لكي تحفِّزهم على إخبارك بما يحدث في حياتهم.
5. تكرير بعض الكلمات التي سمعتها
يشعر المتحدث بأنَّ كلامه ومشاعره وصلا إليك بدقة إن كرَّرت بعض الكلمات أو الأحداث التي قالها باختصار، كأن يتحدث إليك عن رغبته بقضاء عطلة نهاية الأسبوع على الشاطئ، وثمَّ يتحدث عن الألعاب والنشاطات التي يمكن القيام بها، فتقول له بعد مرور القليل من الوقت" إذاً ترغب بقضاء العطلة على الشاطئ" فيشعره بانتباهك الكامل لحديثه.
في الختام
يعدُّ الاستماع الفعَّال من أهم وأفضل الطرائق التي تُظهر فيها اهتمامك للآخرين وخصيصاً لأطفالك، فيشعر الطفل بالحب والأمان، ممَّا يبني علاقة قوية ومتينة ومبنية على الثقة المطلقة والاحترام، فالابن يشعر بقرب عاطفي عندما يستمع والداه لحديثه مهما كان بسيطاً، بالإضافة إلى أنَّ الاستماع الفعَّال، يساعد على فهم احتياجات الأبناء الحقيقية، ويكشف المشكلات والتحديات التي تواجه طريقهم لمساعدتهم على حلها.
أضف تعليقاً