فهم دور الوراثة في الصحة
تُعد الوراثة من العوامل المؤثرة بشكل كبير على الصحة البشرية، حيث تؤدي دوراً هاماً في تحديد عدد من الصفات الوراثية والأمراض والاضطرابات الوراثية التي قد يعاني منها الفرد.
ويمكن أن تؤدي بعض التغيرات الوراثية إلى زيادة خطر الإصابة ببعض الأمراض الوراثية مثل التوحُّد والسرطان وأمراض القلب والفشل الكلوي وغيرها.
ما هو علم الوراثة وما هو دور الوراثة في الصحة؟
علم الوراثة البشرية هو علم يدرس نقل الصفات والموروثات الوراثية من جيل إلى جيل. وهو يشمل العديد من المجالات المتداخلة، بما في ذلك علم الوراثة الخلوية، وعلم الوراثة الجزيئية، وعلم الجينوم، وعلم الوراثة السريرية، وعلم الوراثة التنموية، وعلم الوراثة السكانية والاستشارة الوراثية.
يمكن أن تكون الجينات العامل المشترك الكامن وراء صفات معظم السّمات الموروثة لدى الإنسان مثل لون العيون، والسمات المميزة للشخصية، وقصر أو طول القامة، وغير ذلك.
يمكن أن تكون دراسة علم الوراثة البشرية مفيدة جداً لفهم الكثير حول أجسادنا، حيث يمكنها الإجابة على أسئلة تتناول الطبيعة البشرية، وفهم الأمراض وتطوير علاج فعال للأمراض، والمساهمة في فهم علم الوراثة في حياة الإنسان، حيث يحتوي الحمض النووي على تعليمات لكل ما تفعله خلايانا، منذ الحمل وحتى الموت.
وعلى الرغم أنَّ كثيراً من الأمراض تنتج عن تغير في جين واحد أو حتى جينات متعددة. وتنشأ من التفاعل بين جيناتنا وبيئتنا والعوامل المؤثرة فيها، إلّا أنّ الدراسات تشير لكون التاريخ العائلي من أقوى العوامل للإصابة بالأمراض الشائعة، مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية ومرض السرطان، إضافةً إلى الأمراض النفسية المختلفة.
شاهد بالفيديو: 8 علامات تحذيرية تدل على أنّ قلبك يواجه مشكلة
كيفية فهم الأساس الجيني لصحة الإنسان ومرضه
تشير الأبحاث أنّه يمكن أن تكون الجينات العامل المشترك الكامن وراء صفات معظم السمات الموروثة لدى الإنسان، ولكن كيف يحدث هذا؟
سنوضّح هنا المفاهيم الوراثية الأساسية مثل الحمض النووي والجينات والكروموسومات والتعبير الجيني لفهم الآلية التي تتأثر أجسادنا بها:
1. الحمض النووي
وهو الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين، الذي يحتوي على التعليمات اللازمة لجعل جسمك يعمل. يتكوّن الحمض النووي من شريطين يلتفان حول بعضهما البعض ويشبهان سلّماً ملتوياً. يحتوي كل شريط من الحمض النووي على مواد كيميائية تسمى القواعد النيتروجينية، والتي تشكل رمز الحمض النووي.
هناك أربع قواعد مختلفة، T (الثايمين)، A (الأدينين)، C (السيتوزين)، وG (الجوانين). يتم إقران كل قاعدة على أحد سلاسل الحمض النووي بقاعدة على الشريط الآخر، وتشكل القواعد المقترنة "درجات سلم الحمض النووي"، حيث تتم قراءة الحمض النووي حسب ترتيب هذه القواعد.
من المهم أن تعرف أن الحمض النووي في جميع الكائنات الحية تقريبا له نفس هذه الأجزاء، إنّما المختلف هو التسلسل فقط بين الكائنات.
2. الجينوم البشري
الجينوم هو كل الحمض النووي الموجود داخل الكائن الحي أو الخلية، بما في ذلك الحمض النووي والميتوكوندريا. الجينوم البشري هو المجموعة الكاملة لجميع الجينات الموجودة في الإنسان الموجودة في الكروموسومات البشرية ويتكون من أكثر من 3 مليارات نيوكليوتيدات.
3. الكروموسومات
يتم تعبئة الحمض النووي في وحدات صغيرة تسمى الكروموسومات. يحتوي الكروموسوم على قطعة واحدة طويلة من الحمض النووي تحتوي على العديد من الجينات المختلفة، فنحن نرث الكروموسومات الخاصة بوالدينا.
تأتي الكروموسومات في أزواج. فلدى البشر 46 كروموسوماً، في 23 زوجاً. يحصل الأجنة بشكل عشوائي على واحد من كل زوج من الكروموسومات من أمهم وواحد من كل زوج من والدهم. هناك 22 زوجاً من الكروموسومات المرقمة، تسمى الكروموسومات الذاتية، والكروموسومات التي تشكل الزوج الثالث والعشرين تسمى الكروموسومات الجنسية التي تحدد فيما إذا كان المولود ذكر أم أنثى.
4. الجينات والبروتينات
يحتوي كل كروموسوم على العديد من الجينات، الجينات هي أقسام محددة من الحمض النووي تحتوي على تعليمات لصنع البروتينات. تشكل البروتينات معظم أجزاء جسمك وهي التي تجعله يعمل بالطريقة الصحيحة.
لدى البشر نسخة واحدة من كل جين، في طبيعة الحال نحن نرث نسخة واحدة من والدنا ونسخة واحدة أخرى من والدتنا. ستحدد هذه النسخ (الجينات) أشياء كثيرة في الجنين، مثل شكله، وكيف سيبدو، والأمراض التي سيصاب بها.
5. الأليلات
وهي أحد الشكلين البديلين أو أكثر للجين الذي ينشأ عن طريق الطفرة ويوجد في نفس المكان على الكروموسوم، فهي أشكال من نفس الجين والتي قد يكون لها اختلافات صغيرة في تسلسل قواعد الحمض النووي. تساهم هذه الاختلافات في منح الميزات الفريدة لكل شخص.
علمياً، كل شخص لديه أليلين لكل جين، واحد من كل والد. فإذا كانت أليلات الجين هي نفسها، يعتبر الشخص متماثل الجينات، أما إذا كانت الأليلات مختلفة، يعتبر الشخص متغاير بالنسبة للجين.
ربما تؤدي هذه الاختلافات في بعض الأحيان إلى اختلافات في السمات المميزة للشخص، مثل فصيلة الدم. كما من الممكن أن ترتبط بعض الأليلات بمشاكل صحية أو اضطرابات وراثية، وقد تؤثر على قدرة الجسم على إنتاج بروتين معين.
في الواقع، إنّ انتقال الجينات من الوالدين وبشكل متسلسل ومترابط على مدى أجيال متعددة يؤدي بالضرورة إلى أن يتشارك أفراد العائلة في العديد من الأليلات الجينية، وكلما كان هذا الارتباط وثيق كلما زاد عدد الأليلات المشتركة بينك وبين عائلتك.
6. الخلايا
هي أساس الحياة، حيث يحتوي جسم الإنسان على تريليونات من الخلايا التي تشكل الأنسجة والأعضاء المختلفة في الجسم. على سبيل المثال، خلايا الجلد، وخلايا الدم، وخلايا القلب، وخلايا المخ، وخلايا الكلى ليست سوى عدد قليل من أنواع الخلايا التي تؤدي وظائف حيوية مختلفة في الجسم.
البنية الأساسية للخلية عبارة عن مادة هلامية تعرف باسم السيتوبلازم، وهي محاطة بغشاء يربطها ببعضها البعض. يوجد داخل السيتوبلازم العديد من الهياكل المتخصصة التي تُعد مهمة لعمل الخلية. إحدى هذه الهياكل هي نواة الخلية، التي تحتوي على الحمض النووي المعبأ في الكروموسومات.
7. التعبير الجيني
يشير التعبير الجيني إلى عملية صنع البروتينات باستخدام تعليمات الجينات. يتضمن الحمض النووي للشخص العديد من الجينات التي تحتوي على تعليمات لصنع البروتينات. توفر أقسام الحمض النووي هذه أوامر حول المكان الذي يجب أن يتم فيه تصنيع كل بروتين في الجسم، ووقته، وكميته.
الاختلافات في كيفية استخدام الجينات (التعبير عنها) لصنع البروتينات هي السبب في أنّ الأجزاء المختلفة من الجسم تعمل بشكل مختلف. قد يتغير التعبير الجيني مع التقدم في العمل متأثرا بسلوكيات معينة مثل، التدخين وعدم الالتزام بممارسة الرياضة.
8. الطَّفرة الجينية
وتسمى أيضاً (المتغيّر الجيني) وهي عملية تشير إلى تغيير في تسلسل قاعدة الحمض النووي. في حين أنَّ جميع التغيرات الجينية لن تسبب مشاكل، إلا أن التغيرات في الجينات أحياناً تؤدي إلى تغيرات في البروتينات، ومن ثم لا تعمل البروتينات بالطريقة التي من المفترض أن تعمل بها. هكذا قد ينشأ المرض المرتبط بالوراثة.
قد تنتقل الطفرات الجينية من الوالدين إلى الجنين، وتحدث تغيراً في الخلايا الجرثومية عند تكوين خلايا جديدة ونسخ الحمض النووي. بعض الطفرات تنشأ عند التعرض لمستويات عالية من الإشعاع الأمر الذي يؤدي إلى تلف الحمض النووي في بعض الحالات.
9. اختلاف رقم النسخ (CNV)
يشير تباين عدد النسخ (CNV) إلى سمة من سمات الجينوم، حيث تتكرر أقسام مختلفة من الحمض النووي للشخص. وبينما يحدث هذا عند جميع الأشخاص، فإن عدد التكرارات (أو النسخ) يختلف من شخص إلى آخر. تؤدي CNVs دوراً مهماً في خلق التنوع الجيني لدى البشر، فيما ترتبط بعض CNVs بالأمراض.
كيف يمكن الاستفادة من علم الوراثة في مجال الصحة؟
يتناول علم الوراثة دراسة الجينات وكيفية تأثيرها على سلوك الكائنات الحية، بما في ذلك البشر. حيث يركز على الدراسات الهيكلية والوظيفية للجينوم (الحمض النووي داخل الخلية). يمكن أن يساعد علم الوراثة في عدة مجالات تخص الصحة البشرية، أهمها:
1. تشخيص الأمراض الوراثية
يمكن استخدام التحليل الجيني لتشخيص الأمراض الوراثية وتحديد العوامل الوراثية التي تسببها، وتصنيف حالات سرطان القولون وسرطان الجلد وسرطان الرئة إلى فئات أدقّ، وهو أمر هام لأن التصنيف الوراثي المحسن يسمح بعلاجات أكثر دقة وفعالية.
2. الوقاية من الأمراض
يمكن استخدام معرفة الوراثة لفهم مخاطر الإصابة بأمراض معينة واتخاذ التدابير الوقائية لتجنبها. على سبيل المثال، يمكن للفحص الجيني لدى مريض يعاني من فرط كوليستيرول الدم العائلي أن يخبرنا بالمخاطر المحتملة للنتائج الضارة لدى هؤلاء الأفراد. يتيح الفحص الجيني الجزيئي أيضاً للمرضى والأطباء تقييم مخاطر وفوائد العلاجات المختلفة.
3. التطور الدوائي
يمكن استخدام الوراثة لتطوير أدوية مستهدفة وفعالة في علاج الأمراض الوراثية. تكتسب ممارسة تخصيص الأدوية للمرضى الذين يمكن التنبؤ باستجاباتهم الفردية عن طريق بصمة الإصبع الجينية زخماً سريعاً. على سبيل المثال، في مرضى السرطان الذين يواجهون العلاج الكيميائي، يمكن أن تحدد البصمات الجينية للورم خيارات العلاج الكيميائي.
4. العلاج الجيني
يمكن استخدام تقنيات العلاج الجيني لمعالجة بعض الأمراض الوراثية عن طريق تعديل الجينات المسببة للمرض. في الآونة الأخيرة، ثبت أن العلاجات القائمة على الجينات فعالة في العديد من الحالات مثل نقص نازعة أمين الأدينين، وفقر الدم المنجلي، وفيروس نقص المناعة البشرية.
5. فهم طبيعة المرض
إذا كان لدى شخص ما بالفعل أعراض مرض أو حالة، فإن اكتشاف الاختلاف الجيني الذي يسببه هذا المرض أو الحالة يمكن أن يساعد مقدم الرعاية الصحية على فهم النتائج الصحية التي قد يعاني منها الشخص في المستقبل.
بناءً على ما سبق، يمكن القول أن علم الوراثة يمثل مجالاً هاماً في البحث العلمي والطبي يمكن استخدامه في تحسين تشخيص وعلاج الأمراض الوراثية والمساهمة في تحسين جودة الحياة للأفراد المصابين بتلك الأمراض.
في الختام
يبشر الفهم الأفضل لعلم الوراثة بمستقبل من العلاجات الطبية الدقيقة والمخصصة، لذلك يُعد فهم دور الوراثة في الصحة أمراً حيوياً لتحسين الوقاية من الأمراض وتحسين العلاج والرعاية الصحية.
من المهم عند تشخيص الأمراض أخذ تاريخ وراثي مفصل واستشارة الأطبّاء والمختصين الوراثيين للحصول على المشورة اللازمة للمحافظة على صحتهم وصحة أسرهم. كما يجب البحث والتعلم عن أحدث التطورات في مجال علم الوراثة لتطوير العلاجات والعقاقير الصحية المبتكرة التي تستهدف العوامل الوراثية التي تؤثر في الصحة.