تأثير الطقس على الحالة المزاجية
يُعبِّرُ مزاج الإنسان عن حالته النفسية التي تتحدَّدُ بحسب ما يعيشه، فربَّما يفرحُ لحدوث ما يتمنى في الحياة، وربَّما يحزنُ ويشعرُ بالتعب نتيجة تعسُّر أحواله، ولكنَّ مزاجَ الإنسان يتأثَّرُ أيضاً بعدة عوامل جانبية مثل المورِّثات، فأحياناً تشتهر عائلةٌ بالمزاج السيئ وأخرى باللطافة والهدوء، وقد يتأثَّرُ بالروائح التي يشمُّها، أو ألوان الملابس التي يرتديها، أو نوع الغذاء.
ربطت بعض الدراسات بين نقص "الكربوهيدرات" وسوء المزاج؛ لأنَّ "الكربوهيدرات" تنشطُ من إنتاج "السيروتونين" المسؤول عن المزاج، وكثيراً ما يرتبطُ مزاج الإنسان بالاضطرابات الهرمونية، فيُسبِّبُ البلوغ عند المراهقين تقلُّبات مزاجيَّة ناتجة عن تطوُّراتٍ نفسية وعاطفية، وكذلك تُعاني النساء خلال فترة الحمل من تعبٍ جسديٍّ واضطرابات تجعل مزاجها متقلِّباً تقلُّباً غير مفهوم أحياناً.
تنتجُ التغيُّرات المزاجية والتقلُّبات التي يعيشها معظم البشر عن تأثيرات الطقس في معظمها، فالطقس قادرٌ على التحكُّم بسلوكاتنا وقراراتنا وحتى القدرات العقلية لبعضٍ منا، فلا تستغرِب إن شعرتَ يوماً بالكآبة في يومٍ تكون فيه السماء مُغطَّاة بالغيوم الداكنة، فأنت لست وحدك، وسنوضِحُ في مقالنا اليوم العلاقة بين الطقس والحالة المزاجية، فتابع القراءة.
تأثير الطقس في الحالة المزاجية:
يؤثِّرُ الطقس تأثيراً كبيراً في حالة الإنسان المزاجية ومشاعره، وتختلف التأثيرات باختلاف الجو.
إليك شرحٌ مُفصَّلٌ لتأثير الطقس بمختلف حالاته:
1. تأثير ارتفاع درجات الحرارة:
تجعلُ الحرارة المُرتفعة بشدَّة، والموجات الحارَّة التي تعيشها معظم البلاد صيفاً الحياةَ أكثر تعقيداً، فيُعاني الإنسان في الفترات الحارَّة من صعوبة النوم، وتزداد الاضطرابات، وتُصبحُ الجودة أقل، وتلك أهم الأسباب للإحساس بالاكتئاب والقلق؛ نتيجة تحفيز إفراز هرمونات مثل "الأدرينالين" و"الكورتيزول" المرتبطين بسرعة الاستجابة للتوتر، وخاصَّةً في حال كان الإنسان يُعاني من مشكلاتٍ صحيَّة تزداد خلال الموجات الحارَّة، مثل مُشكلات التنفُّس، أو نوبات الهلع، أو اضطراب خفقان القلب، ومشكلات ضغط الدم.
تؤدي مشاعر القلق إلى زيادة مُعدَّل التوتر والشعور بالعصبيَّة والغضب والتهيَّج، وتُشير الدراسات إلى أنَّ عدد زيارات الأطباء النفسيين الطارئة يزدادُ بمعدَّل 10% خلال الصيف الحار، وهذه النسبة خطيرة؛ لأنَّها تُشير إلى زيادة احتمال الإصابة بأمراضٍ مُتعلِّقة بالحالة النفسية مثل "الفصام" و"اضطراب ثنائي القطب".
كما تنتجُ عن تلك الحالات كثيراً من المشكلات الناتجة عن انفعالات الإنسان وسلوكاته، فمثلاً تزداد حوادث المرور، والمشكلات الزوجيَّة التي قد تصلُ إلى الطلاق أحياناً، وأثبتَت ذلك إحصاءات أُجريَت لمعرفة نسبة الطلاق في العراق خلال عامي 2020م و2022م، ووصلت هذه النسبة خلال الصَّيف - وتحديداً شهر تموز - إلى 6 حالات في الساعة، وتقاربت النسب مع دولٍ مجاورة مثل لبنان الذي ارتفعت فيه نسبة الطلاق 25% صيفاً.
تؤثِّرُ الحرارة الشديدة أيضاً في الرُّوتين اليومي، فهي تدفعُ الإنسان للقيام بالنشاطات اليومية ليلاً، ويعوق ذلك تأدية عمله في الوقت المطلوب، والتزامه بأوقات الدوام، فيتسبَّبُ ذلك بمشكلاتٍ في العمل، والأكثر معاناة في تلك الظروف هم العمَّال في المناطق المكشوفة، مثل الباعة الجوَّالون، وعمَّال التوصيل، والعمَّال في الآبار النفطيَّة وسط الصحراء، فيرتدي معظمهم بدلات سميكة أثقل من الملابس التي نحتاجها لمواجهة الشتاء.
يفسِّرُ بعض العلماء الحالة النفسيَّة السيئة التي يعيشها بعض الأشخاص عند قدوم الصيف بأنَّها ناتجةٌ عن مخاوف ماليَّة؛ لكونه الفصل المناسب للنشاطات والسفر، وخجلاً من ظهور عيوب الجسد التي بقيت مختبئة تحت المعاطف طيلة الشتاء ولا بدَّ من ظهورها صيفاً، وخاصة عند الذهاب إلى المسابح أو المناسبات الاجتماعية التي تتطلَّبُ أناقة في الملابس والشكل.
2. درجة الحرارة المعتدلة:
يشتهرُ بها فصل الربيع عادة، أو بعض الأوقات خلال أشهر الصيف، ويوفِّر الضوءُ وأشعة الشمس التي يحتاجها الجسم إنتاجَ "فيتامين د" الهام لصحَّة الجسم عامَّة، والعقل خاصَّة، ويتسبَّب نقصه بالشعور باضطرابات في المزاج والحالة النفسية، فنشعر في تلك الأجواء أنَّنا بحالةٍ مزاجية جيدة، ويمكن القيام بنشاطات مسلِّية، كالذهاب في رحلات، أو الاستمتاع بمياه البحر أو غيره، وتُخفِّف تلك النشاطات ضغط الحياة اليومية، وتقلِّل التوتر والغضب.
يُعدُّ ضوء الشمس اللطيف علاجاً للاكتئاب النفسي، فتنخفضُ نسبة المشاحنات والعدوانية والحوادث انخفاضاً ملحوظاً، كما أنَّ العلاقات العاطفية تصبح مستقرة أكثر، وتزداد في تلك الفترات حفلات الزفاف والنشاطات الرياضية والبدنية والتواصل الاجتماعي والالتقاء بالأصدقاء في الخارج.
شاهد بالفيديو: 8 نصائح للتغلب على المزاج السيء بسرعة
3. درجة الحرارة المنخفضة والمطر:
يرتبط الشتاء بالحالة المزاجية السيئة بالنسبة إلى معظم الناس، ويُعرف ذلك بـ "الاكتئاب الشتوي"، وقد يبدأ الاكتئاب الشتوي منذ بداية الخريف عندما يشعر الفرد باقتراب الشتاء، فيعيش المشاعر السلبية مبكراً، ويشمل هذا الاكتئاب مجموعة من الأعراض، أبرزها: الشعور بعدم وجود طاقة للقيام بالأعمال اليومية، وفقدان الشغف نحو الأشياء التي يستمتع بها الإنسان عادة، والشعور بالفتور والكسل طيلة اليوم، إضافةً لشعور الحزن واليأس، وربما الإحساس بالذنب وإلقاء اللوم على النفس؛ بسبب حدوث مشكلات بسيطة وتذكُّر كل الأشياء السيئة التي مرَّت سابقاً، كما أنَّ الإنسان يشعر بحاجة إلى النوم دائماً؛ نتيجة التعب غير المُبرَّر، إضافة إلى التغيُّرات في الشهيَّة والتي تزيد من الرغبة في تناول الطعام وخاصة الأطعمة الغنية بـ "الكربوهيدرات"، وهذا ما يجعل الشتاء يرتبط بزيادة الوزن دائماً.
يفسِّرُ بعض العلماء ذلك بأنَّ الإنسان يعيش عقليَّة الشتاء التي تحتفظُ بحالات سلبية تجعله يشعر بالكآبة، مثل الأيام الماطرة والكالحة التي يصعب فيها الخروج للعمل أو لشراء احتياجات المنزل، أو الثلوج التي تقطع الطرق، فيصعب القيام بالنشاطات البدنية، أو الذهاب إلى الصالات الرياضية، أو التقاء الأصدقاء، ويصعب ترك السرير الدافئ صباحاً، والذهاب إلى العمل فيشعر الإنسان بأنه مقيَّدٌ جداً.
لكن لا يعيش الجميع الحالة المزاجية ذاتها، فالشتاء له محبون أيضاً يشعرون بالسعادة عند مشاهدة الأجواء الماطرة، ويُسعَدون بتناول الأطعمة والمشروبات الساخنة، وكذلك بارتداء المعاطف والملابس الصوفية السميكة، ويحاولون الاستمتاع بالنشاطات التي تحدث شتاءً مثل التزلُّج.
يُفسِّر العلماء الحالة النفسية الجيدة لبعض الأشخاص في الشتاء بأنَّها نتيجة تفاعل كيميائي بين مياه الأمطار والمركبات العضوية الموجودة في التراب، والتي تنتج عنها رائحة محبَّبة لبعضهم تشبه العطر، ولها دور هام في تعزيز المشاعر الإيجابية والشعور بالراحة والهدوء.
توجد نقطة اختلاف بين الرجال والنساء في تأثير الشتاء في حالتهم المزاجية، فمعظم النساء لديهنَّ حساسية للبرد أكثر من الرجال؛ ويعود ذلك إلى اختلاف توزُّع العضلات والدهون في الجسم، إضافةً إلى التقلُّبات الهرمونية؛ لذلك تشعر النساء غالباً بالكآبة والحزن أكثر من الرجال خلال الشتاء.
كيفية التغلُّب على تأثير الطقس في الحالة المزاجية:
يمكنُ للإنسان التغلُّب على تأثيرات الطقس في مزاجه من خلال اتِّباع عدة نقاط بسيطة، وهذه أبرزها:
1. النوم الكافي:
يجبُ الحصول على قسطٍ وافر من النوم يومياً؛ للتغلُّب على سوء المزاج الذي يزداد عند حدوث اضطرابات في النوم، لذلك نظِّم وقتك جيداً، وحدِّد موعد النوم وموعد الاستيقاظ؛ ليعتادَ جسمك على النظام اليومي، وتحافظَ على صحتك، وتبتعد عن الإرهاق وفقدان الطاقة، ومن الضروري الابتعاد عن الأشياء التي تُسبِّبُ اضطرابات في النوم كاستخدام الهاتف المحمول كثيراً في الليل أو مشاهدة التلفاز.
2. اتِّباع نظام غذائي صحي:
قد تُسهم عيوب الجسم في جعل المزاج سيئاً كما ذكرنا آنفاً، لذلك يُساعد النظام الغذائي الصحي على الحصول على جسم رشيق مناسب لملابسك، إضافةً إلى أنَّه يعوِّضُ الجسم عن السوائل، ويمدُّه بالفيتامينات والعناصر اللازمة، فيشعر بوجود طاقة تساعده على القيام بأعماله في مختلف الظروف، كما أنَّ الطعام اللذيذ له دورٌ فعَّال في تعديل المزاج، فلا تحرم نفسك صيفاً من تناول بعض المثلَّجات اللذيذة والفاكهة بانتظام، أو شرب الشاي الأحمر والأخضر شتاءً.
3. ممارسة نشاطات مناسبة:
يمكن إيجاد النشاطات المناسبة للطقس والمساعدة على تعديل المزاج والتخلُّص من المشاعر السلبية في جميع الفصول، فمثلاً يمكن الاستمتاع بقراءة الكتب أو مشاهدة الأفلام في الشتاء، أمَّا في الصيف فيمكن قضاء أوقات فراغ مسلية مع الأصدقاء في المنتزهات والمسابح، ويُنصَحُ في جميع الفصول بالحرص دائماً على التجوُّل في الهواء الطلق وضمن الطبيعة إن أمكن لمدَّة نصف ساعة يومياً على الأقل.
4. خذ إجازة قصيرة:
لا تسمح للمشاعر السلبية بالسيطرة عليك، وحاول أن تأخذَ إجازة قصيرة تستمتع فيها سواءً بالسفر لمكان ما أم بالتسوُّق؛ لأنَّ ملازمة المنزل تقودك إلى العزلة في بعض الأحيان.
في الختام:
تؤدي الأحوال الجوية دوراً هاماً في الحالة النفسية لدى معظم الناس، فيتغيَّر المزاج بتغيُّر الطَّقس، وترتبط موجات الحرارة المرتفعة بالتوتر والغضب والاكتئاب، وتزداد نتيجةً لذلك المشاجرات والانفعالات التي تسبِّب تدمير بعض العلاقات العاطفية أو الأعمال أحياناً، أمَّا الحرارة المعتدلة اللطيفة فترتبط بالمزاج الجيد؛ لكونها مناسبة للقيام بنشاطات بدنية وإنجاز الأعمال بسهولة، وعلى خلاف ذلك فإنَّ الأيام الماطرة في الشتاء ترتبط بحالة مزاجية سيئة بالنسبة إلى كثير ممن لا يمكنهم السيطرة على مشاعر الحزن واليأس والخمول في ذلك الطقس، ولكن لا يمكن تغيير الأحوال الجويَّة بحسب ما نحب، بل يمكننا التأقلم مع الفصول من خلال القيام بنشاطات مناسبة، واتِّباع نظام غذائي صحي، والحرص على النوم لمدة كافية يومياً؛ للتغلب على الشعور بالإرهاق والخمول.