الذكاء العاطفي: سلاح القائد للتغلب على الإحباط والفشل
ربما شعرت يوماً بعبء الإحباط يثقل كاهلك بعد فشل مشروع ما عملت عليه بجد وكنت متحمساً للوصول إلى النجاح، وتساءلت مراراً "كيف يمكن للقائد أن ينهض من جديد؟"
لا تقلق لست وحدك، فالجميع يمرٌّ بتلك اللحظات، ولكنَّ الفشل ليس نهاية الطريق؛ بل محطة يمكن أن تكون نقطة تحول حقيقية، فالقائد العظيم لا يتجنب الفشل؛ بل يتقبله بمرونة ويستخدمه بوصفه فرصة للنمو والنجاح، والسر وراء ذلك هو الذكاء العاطفي، فكيف يكون سلاحاً بيد القائد؟
لماذا يعجز بعض القادة عن تجاوز الإحباط رغم الجهد؟
"الفشل هو ببساطة فرصة للبدء من جديد، ولكن هذه المرة بذكاء أكبر" – "هنري فورد" (Henry Ford).
نرى أحياناً قادة يبذلون قصارى جهدهم لتحقيق الأهداف، ولكن عندما يواجهون الفشل، تتلاشى الطاقة والحماس، والسبب لا يكمن بقلة الموارد أو الكفاءة أو الجهد، إنَّما السبب هو عدم القدرة على إدارة المشاعر؛ أي الافتقار إلى الذكاء العاطفي.
عندما يفشل مشروع أو لا تتحقق التوقعات تسيطر المشاعر السلبية من إحباط ويأس على الإنسان، مما يتسبب باتخاذ قرارات سريعة خاطئة كالانسحاب مثلاً أو إلقاء اللوم على الآخرين، حينها يكون الفشل حاجزاً بدلاً من أن يكون مجرد عقبة مؤقتة تُتجاوَز، ثمَّ ننطلق مجدداً.
يشير الاقتباس إلى أنَّ الذكاء العاطفي، يمنح القادة الأدوات التي يحتاجونها للتعامل مع الفشل بذكاء وليس بعاطفة، فيمكِّنهم من رؤية الصورة الأكبر والتعلم من الأخطاء والنهوض مجدداً بقوة أكبر.
يضعف الافتقار إلى الذكاء العاطفي القائد أمام الفشل، فيستسلم له بالرغم من امتلاك موارد وقدرة على النجاح مجدداً.
شاهد بالفيديو: ما العلاقة بين الذكاء العاطفي والقيادة؟
دور الذكاء العاطفي في إدارة الأزمات
يقول "دانيال جولمان" (Daniel Goleman)، أبرز الخبراء في مجال الذكاء العاطفي: "يكمن الذكاء العاطفي في النهاية بالقدرة على استخدام مشاعرك بذكاء لصالحك".
لا يعد الذكاء العاطفي مجرد كلمة جذابة؛ بل مجموعة من المهارات الحقيقية التي يمكن تطويرها، فهي تشمل ما يأتي:
1. الوعي الذاتي
هو القدرة على فهم المشاعر المخصصة، ومقدار تأثيرها في القرارات والسلوكات التي تقوم بها، فعندما يواجه القائد الفشل يمكنه إدراك مشاعر الغضب أو الإحباط واليأس التي يشعر بها، وبدلاً من السماح لها بالسيطرة عليه والتحكم بقراراته يُديرها بهذا الوعي، فيمنحه مساحة للتفكير العقلاني قبل أن يتخذ أية خطوة في حياته.
2. التنظيم الذاتي
هو التحكم في ردود الأفعال العاطفية بدلاً من الاستسلام للمشاعر السلبية، فالقائد المتمتع بمهارات الذكاء العاطفي يهدأ ثم يفكر بعمق ويقيِّم الموقف بموضوعية بعيداً عن ردود الأفعال المتهورة.
3. التعاطف
هو قدرة الإنسان على فهم مشاعر الآخرين، فالذكاء العاطفي لا يعني فهم الإنسان لمشاعره فقط؛ بل يفهم مشاعر المحيطين؛ لذلك القائد عندما يفشل بمشروع ما لن يشعر وحده بالإحباط؛ بل الفريق بأكمله، والذكاء العاطفي يمنحه القدرة على الشعور بآلام الفريق، كذلك الأمر عندما يفشل أحدهم بمهمة يتفهم مشاعره ويظهر الاحترام لحزنه ويدعمه.
4. المهارات الاجتماعية
هي القدرة على التواصل الفعال والذي يؤدي دوراً فاعلاً في تيسير الأعمال بكفاءة عالية، بالإضافة إلى أنَّه يُنجِز المهام في الوقت المناسب دون تأخير ويتَّخذ القرارات السليمة، وهذا ما يحتاجه القائد ليكون فعالاً.
من المهارات الاجتماعية التي يمنحها الذكاء العاطفي للقائد القدرة على بناء العلاقات الإيجابية؛ إذ يحتاج الفريقفبعد الفشل الفريق بحاجة ماسَّة لتوحيد الصفوف والقائد ذو الذكاء العاطفي يستخدم مهاراته الاجتماعية لبناء الثقة والتحفيز وتوجيه الفريق للمسار الصحيح بهدف انطلاقة قوية مجدداً.
تتحمل المنظمة الذكية عموماً مسؤولية اتخاذ قرارات ذات طبيعة استراتيجية، والتي تولِّد الفرص وتستخدمها بفعالية، كما أنَّها تستجيب للتغيرات المحيطة بهدف التكيف الإيجابي وتعديل السلوك التنظيمي بما يتوافق مع تلك التغيرات، نستنتج إذاً أنَّ القائد هو المسؤول عن النهوض مجدداً بفريقه واستخراج طاقاته الكامنة، ذكائه العاطفي هو من يساعده على ذلك.
يجعلك الذكاء العاطفي قائداً ملهماً قادراً على فهم مشاعرك ومشاعر الفريق وإدارتها، والتواصل الفعال وتحفيز فريقك لتحقيق النجاح.
تقنيات لإعادة شحن الفريق نفسياً
تحتاج لمواجهة الفشل لتقنيات استباقية تساعد على إعادة شحن طاقة الفريق الإيجابية؛ لأنَّ المعنويات تكون في أدنى مستوياتها، وأهم التقنيات ما يأتي:
1. الشفافية والاعتراف
لا تتهرب من الفشل وتذكَّر أنَّه حالة طبيعية دائماً؛ لذلك تحدَّث عنه أمام فريقك بصراحة، سواءً الأخطاء التي ارتكبتها أنت أم أخطاء الفريق؛ لأنَّ الشفافية تخلق بيئة من الثقة والمسؤولية المشتركة، مما يساعد على نشر الراحة والاطمئنان في الشركة، مما يعزز من تمكين الموظفين.
2. تحديد الدروس المستفادة
إن لم نأخذ عبرة من كل تجربة، فيمكن الوقوع في الخطأ ذاته مئات المرات؛ لذلك حوِّل الفشل إلى جلسة تعلُّم، وذلك من خلال الجلوس مع فريقك والنقاش المطوَّل حول التجربة التي مررتم بها والأخطاء التي حصلت والنقاط التي يجب تعلمها، واسألهم عن ذلك لتسمع وجهات نظر متعددة حول ما مضى والمستقبل، فمن الضروري التركيز على الحلول بدلاً من التركيز على المشكلة؛ لذلك اسألهم "كيف يمكننا أن نكون أفضل في المرة القادمة؟".
3. الاحتفال بالجهود المبذولة وليس فقط بالنجاح
حتى إن لم تصلوا إلى الهدف وتحققوا ما تمنيتهم يجب أن تحتفلوا بالجهود المبذولة، فكل عضو من أعضاء الفريق بذل قصارى جهده ولا يمكن تجاهل ذلك؛ لذا أظهِر الاحترام والتقدير على العمل الشاق، بهدف التحفيز ورفع معنوياتهم مما يدفعهم للمحاولة في المرة القادمة وبذل جهود مكثفة لتحقيق النجاح الذي تسعوا له.
4. إعطاء مساحة للراحة
عادة يكون الفشل مرهقاً نفسياً للقائد والفريق، والجميع يستحق فترة من الراحة ليشحن طاقته مجدداً ويلتقط أنفاسه؛ لذلك خصِّص وقتاً للاسترخاء وإعادة التفكير العميق قبل البدء في مشروع جديد، ويمكنك التنسيق مع أعضاء الفريق والقيام بنشاط ترفيهي مشترك أو رحلة مثلاً لقضاء وقت مع أعضاء الفريق وتوطيد العلاقات وفهمهم أكثر لتتمكن من تحفيز كل عضو بالطريقة المناسبة له لتخرج أفضل ما لديهم مجدداً.
5. إعادة صياغة الأهداف
ضع أهدافاً جديدة أكثر واقعية وقابلة للتحقيق بعد تحليل الفشل واستخلاص الدروس، فهذا يعيد للفريق الإحساس بالهدف والاتجاه للمسار الصحيح.
تذكَّر أنَّ "المسؤولية هي أساس كل تقدم، إنَّها ليست مجرد قبول للنتائج؛ بل هي قدرة على الاستجابة للموقف" – "توني شوارتز" (Tony Schwartz).
تساعد اليقظة الذهنية الفرد على أن يكون أكثر وعياً بمشاعره وأفكاره وتفاعلاته العاطفية، وتنظيمها والتعامل معها بفعالية، وكذلك فهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم؛ لذلك ننصحك بممارستها لتعزيز ذكائك العاطفي في سياق إدارة الفرق.
يساعد الذكاء العاطفي القائد على تطبيق استراتيجيات لإعادة شحن الفريق نفسياً بعد الفشل والانطلاق مجدداً.

أمثلة واقعية عن قادة تغلبوا على الفشل
"النجاح ليس نهائياً، والفشل ليس قاتلاً، الشجاعة للمضي قدماً هي ما يهم" "وينستون تشرشل" (Winston Churchill).
لا يوجد قائد لم يختبر الفشل ولكنَّ العظماء هم من استخدموه بوصفه أداة تحفزهم على النجاح والتميز، منهم:
1. أبرأهم لينكولن (Abraham Lincoln)
قبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة، فشِلَ في الأعمال التجارية، وخسِرَ في الانتخابات، وعانى من انهيارات عصبية، لكن تعلَّم من كل تجاربه وأصبح أحد أعظم القادة في التاريخ.
2. أوبري هافيلد (Aubrey Haviland)
الرئيس التنفيذي لشركة "تيلوس" (Telus)، واجهَت شركته أزمة كبيرة فانخفضت أسهمها وارتفعت معدلات ترك الموظفين للعمل، فلم يستسلم وأطلَق حملة "التحول الثقافي" وحسَّن الذكاء العاطفي للقادة في شركته فتحسنت مستويات مشاركة الموظفين وارتفعت أرباح الشركة، وأصبحت تيلوس واحدة من أفضل أماكن العمل في كندا.
3. جيف بيزوس (Jeff Bezos)
مؤسس "أمازون" (Amazon) الذي تحدَّث عدة مرات عن أهمية "الفشل الكبير" فقد أطلقت أمازون عدداً من المنتجات الفاشلة، ولكنَّه عَدَّ تلك التجارب ضرورية للابتكار وشجَّع فريقه على المخاطرة، فالفشل جزء من عملية تحقيق النجاح.
جرَّبَ عدد من القادة شعور الفشل ولكن لم يستسلموا؛ بل حاولوا مجدداً وحققوا نجاحات باهرة جعلتهم من أهم القيادات حول العالم.
في الختام
الفشل جسر لا حاجز وهو فرصة للبدء من جديد والوصول إلى النجاح وتحقيق الأهداف المرجوة، وعندما تمتلك الذكاء العاطفي يمكنك استخدامه في التحفيز وإدارة المشاعر لتحول إحباط فريقك إلى طاقة؛ لذلك عندما تواجه الفشل تذكَّر أنَّه لديك أدوات تساعد على تجاوزه، قدَّمناها في مقالنا فاستفد منها لبناء مستقبل إيجابي وملهم، فواجبك أن تقود نفسك وفريقك للنجاح.