الإعلام والصحة النفسية: كيف يؤثر الإعلام في رفاهيتنا النفسية؟

شاشاتنا وهواتفنا لا تفارق أيدينا؛ فالحياة أصبحت رقمية، وأصبحنا نلاحق الأخبار والصور والتطورات في كل مكان لدرجة الشعور بأنّنا نغرق في بحر معلومات يومياً، ليصبح الإعلام عدستنا المكبرة لاكتشاف العالم من حولنا.



لكن هل فكرت ما هو تأثير الإعلام في الصحة النفسية؟ وكيف يمكن لما نستهلكه يومياً من محتوى إلكتروني أن يؤثر في حالتنا المزاجية؟ علاقة الإعلام والصحة النفسية معقدة؛ لذلك، سنتعرّف أكثر على الإعلام وتأثيره النفسي، لنصبح مستهلكين واعيين، فتابع القراءة.

الإعلام التقليدي مقابل الإعلام الرقمي

قبل أن نعرف تأثير الإعلام في الصحة النفسية، يجب أن نعرف الفرق بين الإعلام الرقم والإعلام التقليدي، وما الذي جعل تأثيره أعمق.

تأثير الأخبار العاجلة في القلق العام

شهد الإعلام تغيُّرات وتحوُّلات جذرية؛ كانت مصادر المعلومات الرئيسة محدودة وتقتصر على الراديو والتلفاز والصحف والتي كانت بدورها تقدم الأخبار العاجلة وغيرها في مواعيد محددة يومياً من خلال نشرات الأخبار والبرامج المتنوعة بالتالي تمنح المتابع وقت ليبتعد عنها وليفكر بالأخبار جيداً فكان الوقت كافي للاستيعاب ومن ثم تلقي معلومات أخرى لاحقاً فيقل حدة القلق العام.

أما الآن في عصر الإعلام الرقمي الذي سيطرت فيه المنصات المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا أصبحت الأخبار العاجلة تلاحقنا طوال الوقت من خلال الإشعارات التي نستقبلها والبث المباشر للأحداث السيئة والجيدة فأصبحنا نخاف من تفويت الأحداث (FOMO)، ومن الصعب التمييز بين الشائعات والأخبار الصحيحة مما زاد من حدة القلق والتوتر.

دور التلفزيون والراديو في تشكيل التصورات النفسية

المحتوى المقدم في التلفزيون والراديو أكثر تنظيماً ويمتلك هدف وتوجيه واضح سواءً البرامج أو المسلسلات التي تدور حول قضايا عامة متنوعة، أما الآن الإعلام الرقمي يقدم تجارب خاصة وحياة مثالية يعيشها الآخرون نعتقد أنّها صورة الحياة الطبيعية وهذا الأمر يشكل تحدي حقيقي للرفاهية النفسية.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الصحة النفسية

تأثير الإعلام في الصحة النفسية قد يكون إيجابي أو سلبي بحسب طبيعة الاستخدام. في ما يلي، توضيح تأثير وسائل التواصل الاجتماعي:

الإيجابيات: التواصل والدعم الاجتماعي

يتمثّل الجانب المشرق في الإعلام وتأثيره النفسي في أنّ مواقع التواصل الاجتماعي يمكنها تعزيز الرفاهية النفسية، من خلال وجود منصات تقدم الدعم وتسمح بالتواصل بين أشخاص تجمعهم موهبة مشتركة أو اهتمامات معينة، وربما الظروف المتشابهة التي يمكنهم من خلالها التعبير عن أنفسهم لأشخاص تقدّر مشاعرهم وأفكارهم.

كما يمكن لفيسبوك وواتساب ربطك مع من تحب مهما بعدت المسافات، من خلال مكالمات الفيديو لتشعر وكأنك تعيش معهم.

السلبيات: المقارنة الاجتماعية والشعور بالنقص

يتمثّل الجانب المظلم من علاقة الإعلام والصحة النفسية أنّه قادر على تدميرها من خلال الصور ومقاطع الفيديو المصورة بتقنيات خاصة ومنتقاة بعناية لتظهر الجانب المثالي من حياة الناس، فنرى الأجساد المثالية والإجازات الفاخرة، مع إخفاء العيوب بالفلاتر وتجنّب التحدث عن الصعوبات والإخفاقات.

فمن يرى ذلك، يجهل أنّه جزء صغير من حياة إنسان، فتهتز الثقة بالنفس نتيجة المقارنات، ويزداد الإحباط مع كل فيديو مثالي، ونشعر بالتقصير وأهمية السعي للظهور بمظهر مثالي، والزواج من شخص مثالي، والسفر لأماكن مميزة، والحصول على ترقيات مهنية سريعة. حتى إن كانت حياة المتلقي الواقعية جيدة ومستقرة، فلن يشعر بالرضا التام عن الذات.

الفئات الأكثر تأثُّراً

لا يرتبط تأثير الإعلام في الصحة النفسية بعمر وفئة محددة، ولكن بعض الفئات تمتلك حساسيةً عاليةً. إليك هذه الفئات:

الأطفال والمراهقون: التأثيرات في النمو النفسي

إنّ تأثير الإعلام النفسي في فئتي الأطفال والمراهقين عميق جداً؛ إذ إنّهم في مرحلة النمو والتطور الذي تتكون ضمنها شخصياتهم؛ لذلك، قد يستمر تأثير الإعلام في الصحة النفسية طيلة حياتهم. فعندما يغرقوا في بحر الصور المثالية للمشاهير، وخاصةً الأقران منهم، يتولّد لديهم الشعور بالنقص.

تخيّل الأذى النفسي الذي تشعر به مراهقة تقضي ساعات في مقارنة جسدها وحياتها بجسد وحياة المؤثرات، وتحاول مواكبة "التريندات" المنتشرة على تطبيق "تيك توك" لتشعر بالانتماء.

أيضاً، يصبح الأطفال والمراهقين في حالة تأهُّب مستمر لمتابعة الأحداث الاجتماعية فيمنعهم ذلك من الاستمتاع بحياتهم، ويزيد قلقهم، ويقلل قدرتهم على النوم والتركيز في الدراسة، ومحادثة الأصدقاء والعائلة، وبناء علاقات متينة مع الآخرين.

النساء: التعرض للتحرُّش الإلكتروني والتنمُّر

يقدم الإعلام مساحةً لجميع الأشخاص للتعبير عن الذات والتواصل مع الآخرين، وهذا يسمح للمتحرّشين والمتنمّرين استهداف النساء في كل مكان حول العالم. إضافةً إلى أنّ بعض الثقافات تقلل من شأن التنمُّر أو التحرُّش الإلكتروني، فيكون نشر صور فتاة دون إذنها أو شنّ حملات تشويه سمعة أمراً بسيطاً، ويتسبب ذلك تدنّي ثقة المرأة بنفسها فتنسحب من الحياة الرقمية والواقعية.

تتجنب كثيرٌ من النساء التعبير عن رأيهنّ ومشاركة تجاربهنّ خوفاً من التنمُّر والتحرُّش الإلكتروني.

شاهد بالفديو: 12 نصيحة للحفاظ على الصحة النفسية

التحرُّش الإلكتروني والتنمُّر على الإنترنت

لا بدّ من التوقف عند هذه الظواهر الخطيرة لنتعرف أكثر على تأثير الإعلام في الصحة النفسية، من خلال تعريفها ومعرفة آثارها:

تعريف وأمثلة على التحرُّش الإلكتروني

ليس إزعاج بسيط، كما تظن، بل سلوك متكرر يهدف للإهانة والإخافة باستخدام الإعلام؛ فما يميزه عن التحرُّش أو التنمُّر الحقيقي أنّ الفاعل قادر على الوصول للضحية في كل وقت ومكان، ومن الأمثلة ما يلي:

  • اختلاق قصص كاذبة ونشر شائعات لتشويه السمعة.
  • إنشاء حسابات وهمية وانتحال شخصية لنشر محتوى مسيء.
  • كشف معلومات الضحية ونشرها كالتفاصيل العائلية ومكان العمل والمنزل ورقم الهاتف لتهديد الضحية.
  • نشر صور وفيديوهات خاصة دون موافقة للانتقام والتشهير، ويحدث ذلك بعد علاقة حميمية غالباً.
  • مطاردة الضحية بمراقبتها وإرسال الرسائل باستمرار.
  • استبعاد شخص من المجموعات وحظره باستمرار ليشعر بأنّه منبوذ.
إقرأ أيضاً: الآثار السلبية لوسائل الإعلام على المراهقين

التأثيرات النفسية وطرائق الوقاية

إنّ تأثير الإعلام في الصحة النفسية في حالات التحرُّش والتنمُّر الإلكتروني، يتسبب بعيش الضحية بتأهب دائم خوفاً من الهجوم فتراقب حساباتها بقلق مستمر.

بالإضافة للاكتئاب نتيجة الشعور بالذنب، واضطراب صورة الذات واضطرابات ما بعد الصدمة، وفي بعض الحالات الخطيرة، يصل الأمر للانتحار نتيجة العجز المطلق؛ أما عن كيفية الوقاية من سلبيات الإعلام وتأثيره النفسي، فتكون كما ما يلي:

  • تجنب الرد والتفاعل مع المتحرّش.
  • أخد لقطات شاشة ثم إبلاغ السلطات في حال كان المتحرّش معروف، وإبلاغ المنصة.
  • حظر الحساب وحذف الصفحات المسيئة.
  • جعل الحسابات خاصة وتجنب مشاركة تفاصيل خاصة.
  • طلب الدعم من العائلة والأصدقاء.

استراتيجيات للحد من التأثيرات السلبية

بعد أن تعرّفنا على تأثير الإعلام في الصحة النفسية سنتعلم كيف نحمي أنفسنا من تأثيراته السلبية، من خلال ما يلي:

1. تقنيات إدارة الوقت على وسائل الإعلام

حدد فترات زمنية خلال النهار لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتمكن من التحكم بالإعلام وتأثيره النفسي، بحيث لا تتجاوز الفترة 30 دقيقة، وتجنب استخدامه أثناء العمل والدراسة وقبل النوم بساعة، واستخدم أدوات المراقبة لتتبُّع استخدامك اليومي.

لتجنُّب التشتُّت، أوقف  الإشعارات، وخصص أوقات يومية تتخلى فيها عن الشاشة، كوقت الاجتماعات العائلية، وتناول الطعام. يفضل أيضاً تخصيص أيام للراحة لا تستخدم فيها الإنترنت، وخاصةً مواقع التواصل الاجتماعي، مثل يوم عطلة نهاية الأسبوع.

2. تعزيز الوعي الرقمي والتفكير النقدي

يُعد الوعي حول الإعلام والصحة النفسية هامّاً لمواجهة التأثيرات السلبية؛ لذلك، لا تقبل المعلومات المثيرة للجدل أو مجهولة المصدر وتابع صفحات ومواقع موثوقة فقط، وتأكد أنّ ما تراه هو نتاج خوارزميات تهدف لضمان اندماجك التام وتلبي اهتماماتك المسبقة فمثلاً عندما تشاهد أكثر من فيديو يتحدث عن موضوع واحد سترى بعدها مئات الفيديوهات المشابهة.

وتذكر أنّ المحتوى الذي يشاركه المؤثرون والمشاهير هي إعلانات مدفوعة غالباً، فلا تسارع لشراء منتجات معينة أو التوجه لأماكن معينة إلا بعد السؤال عن ذلك والتأكد من مصادر متنوعة؛ فالآراء المختلفة تبني صورةً شاملةً أكثر. ابدأ بتعليم أطفالك منذ الصغر كيفية التحكم بما يشاهدونه على الإنترنت وناقش معهم الفروقات بينه وبين الواقع.

دور الإعلام في التوعية بالصحة النفسية

يشمل تأثير الإعلام في الصحة النفسية أيضاً حملات التوعية التي تُعد جانباً مشرقاً للإعلام؛ إذ تساهم بتقدم المجتمع.

حملات التوعية وأثرها على المجتمع

عمل الإعلام على نزع وصمة العار بكشف الستار عن المعاناة النفسية التي أخفاها المجتمع لعقود سابقا، وساهم في تغيير المفاهيم الخاطئة حول الصحة النفسية فلم تعد الحالات النفسية المضطربة ضعفاً بل كغيرها من الأشياء التي يمكن علاجها.

تتم حملات التوعية عن طريق المنصات التي تشارك تجارب وتستضيف شخصيات مؤثرة للتحدث عن العيوب والحالات النفسية التي مروا بها وكيفية التخلص منها، فتصل الرسالة لجمهور واسع في وقت قصير. يساهم ذلك بكسر حاجز الخوف وزيادة معدل طلب المساعدة واستشارة المعالجين النفسيين.

أمثلة على مبادرات إعلامية ناجحة

مدونات "عرب ثيرابي" هي منصة علاج نفسي وتُعد مصدراً معلومات موثوق، ومنصة "نفسية بالعربي" التي تقدم محتوى تثقيفي توعوي، وبودكاست "أريكة" الذي يناقش مواضيع متنوعة عن الصحة النفسية ويستضيف أشخاص أيضاً للمناقشة، وأيضاً حملات الهاشتاج (مثل #ItsOkayNotToBeOkay)، التي انتشرت على تويتر وانستغرام وفيسبوك وشاركها المشاهير وعامة الجمهور.

ومن الحملات التي تعتمد على الإعلانات حملة "استراحة المكتب" التي شارك فيها الممثل برايان كوكس، وحملة "معاً نتحد" التي تسلط الضوء على دور الإعلام وتأثيره النفسي.

إقرأ أيضاً: الآثار الإيجابية لوسائل الإعلام في المجتمع

في الختام

يختلف تأثير الإعلام في الصحة النفسية باختلاف الوعي ودرجة التعلق بوسائل التواصل الاجتماعي؛ لذلك، وضحنا في مقالنا علاقة الإعلام والصحة النفسية بتوضيح التأثيرات السلبية والإيجابية، وكيفية الحد من تأثيراته السلبية لتتمكن من تحقيق السلام والرفاهية النفسية، فاستفد من تلك المعلومات وساعدنا في نشر الوعي بمشاركة المقال مع من تهتم لأمرهم.




مقالات مرتبطة