اضطراب الشخصية الهستيرية: الأسباب والعلاج
تُشكِّل اضطرابات الشخصية تحدياً متزايداً في عالمنا المعاصر، فتتعاظم الضغوطات النفسية وتتسارع وتيرة الحياة، فمن بين هذه الاضطرابات، يُعدُّ اضطراب الشخصية الهستيرية موضوعاً هاماً يستحق اهتماماً خاصاً، على الرغم من كونه أقل شهرةً من بعض الاضطرابات الأخرى، ويهدف هذا المقال إلى تقديم فهم شامل لهذا الاضطراب، مُسلِّطاً الضوء على أسبابه المعقَّدة والعوامل التي قد تؤدي إلى تطوره، وسنستعرض أيضاً أحدث أساليب العلاج المتاحة، مُركِّزين على الجوانب النفسية والاجتماعية والطبية لهذا الاضطراب.
اضطراب الشخصية الهستيرية:
تتجلَّى حالة اضطراب الشخصية الهستيرية، أو ما يُعرف أيضاً باضطراب الشخصية التمثيلية، في كونها أحد اضطرابات الشخصية الدرامية، يتَّسم المصاب بهذا الاضطراب بافتقاره إلى الثقة بالنفس، وهذا يدفعه إلى السعي المتواصل لجذب الانتباه إليه من خلال وسائل متنوعة، غالباً ما تتَّخذ طابعاً درامياً أو غير لائق، مصحوباً بانفعالات قوية وشديدة المبالغة، وعادةً ما تبدأ سمات الشخصية الهستيرية في الظهور خلال مرحلة المراهقة أو بداية الشباب، ويُعدُّ هذا الاضطراب أكثر شيوعاً لدى النساء منه لدى الرجال.
ما هي أعراض اضطراب الشخصية الهستيرية؟
الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية الهستيرية يتميَّزون بمهارات اجتماعية جيِّدة وقدرة على النجاح، لكنَّهم يستخدمون هذه الصفات استخداماً سيئاً للتلاعب بالآخرين وجذب الانتباه إليهم، وبحسب المعايير التشخيصية، يعاني المريض من خمسة أعراض أو أكثر من الأعراض الآتية:
- الشعور بعدم الارتياح عندما لا يكون محطَّ اهتمام الآخرين.
- الاهتمام المفرط بالمظهر الخارجي والرغبة في ارتداء ملابس لافتة.
- التصرف بطريقة درامية والتعبير عن المشاعر تعبيراً مبالَغ فيه.
- استخدام أساليب إغراء أو تصرفات استفزازية لجذب الانتباه.
- تقلُّبات في المشاعر.
- سرد الأحداث بطريقة تفتقر إلى الموضوعية.
- سهولة التأثر في الآخرين والعوامل المحيطة.
- الأنانية وعدم الاهتمام بمشاعر الآخرين.
- صعوبة إقامة علاقات ناجحة مع الآخرين.
- الاعتقاد بأنَّ الآخرين يحبونهم ويهتمون بهم.
- الحساسية تجاه النقد وعدم تقبله.
إضافةً إلى ذلك، قد يعاني المرضى أيضاً من سهولة الشعور بالإحباط، والتسرُّع في اتخاذ القرارات، والتهديد بالانتحار لجذب الانتباه.
إنَّ هذه الأعراض تشكِّل نمطاً واضحاً من السلوكات التي تعكس التركيز المفرط على الظهور بمظهر جذَّاب وإثارة انتباه الآخرين، وهذا يؤثر سلباً في قدرة الفرد على إقامة علاقات صحية وناجحة.
ما هي أسباب اضطراب الشخصية الهستيرية؟
ما يزال سبب اضطراب الشخصية الهستيرية غامضاً إلى حدٍّ كبير، ومع ذلك، يعتقد الخبراء أنَّه ينتج عن تفاعل معقَّد بين مجموعة متنوعة من العوامل، ومن ذلك الوراثة والبيئة الاجتماعية والعوامل النفسية.
من الناحية الوراثية:
يتأثر اضطراب الشخصية الهستيرية بالعوامل الوراثية تأثُّراً ملحوظاً، وتشير الدراسات إلى وجود مكون جيني يزيد من احتمالية الإصابة بهذا الاضطراب، فيكون الأفراد الذين لديهم أقارب من الدرجة الأولى يعانون من اضطرابات في الشخصية، أكثر عرضة لتطوير هذا الاضطراب، إضافة إلى ذلك، ينتقل الاضطراب من خلال الأجيال من خلال نماذج السلوك التي تعلَّمها في البيئات العائلية.
من الناحية الاجتماعية:
إنَّ التربية الخاطئة في مرحلة الطفولة والصدمات النفسية التي يتعرض لها الطفل قد تؤدي دوراً محورياً في تطوره، فمثلاً قد يُلاحظ الطفل أنَّ إخوته يحظون باهتمام أكبر من والديه، وهذا يدفعه إلى محاولة جذب الانتباه إليه أو اتباع أسلوب تربية خاطئ، فقد يؤدي تدليل الطفل وعدم معاقبته على أخطائه، أو تعرُّضه للإساءة اللفظية، أو التعرُّض لصدمة في مرحلة الطفولة، أو زيادة الحساسية للمحفزات البيئية، إلى زيادة خطر الإصابة باضطراب الشخصية الهستيرية الدرامية.
من الناحية النفسية:
إنَّ اضطراب الشخصية الهستيرية قد ينشأ نتيجة للصراع الداخلي الذي يعاني منه الفرد بين رغباته الشخصية والقيم والتوقُّعات المجتمعية، وهذا الصراع الداخلي بين الرغبات الفردية والمعايير الاجتماعية يكون مصدراً قوياً لتطوير هذا النوع من اضطرابات الشخصية، ولمواجهة هذا الصراع، يلجأ الشخص لا شعورياً إلى استخدام آليات دفاعية نفسية، مثل الكبت أو الإسقاط أو التبرير، بهدف الهروب من هذه الصراعات النفسية الداخلية الحادة التي يعاني منها، فإنَّ هذا التوتر النفسي المتأصِّل والآليات الدفاعية اللاشعورية تساهم إسهاماً كبيراً في نشوء وتطور اضطراب الشخصية الهستيرية لدى الأفراد.
شاهد بالفيديو: كيف تتفادى التحول إلى شخصية سامة؟
كيف تُشخَّص اضطرابات الشخصية الهستيرية؟
لا شكَّ أنَّ شخصية الفرد المصاب باضطراب الشخصية الهستيرية تنفرد بميِّزات سلوكية وتصرفات مميَّزة تجعلها واضحة للمحيطين، فمثلاً، يتميَّز هؤلاء الأشخاص بردود أفعال مبالغ فيها وسلوكات استعراضية تجذب الانتباه، كما أنَّهم غالباً ما يتَّصفون بنمط تفكير يتَّسم بالسطحية والأنانية، إضافة إلى ذلك، قد يلاحظ المحيطون أنَّ هؤلاء الأفراد يعانون من تقلُّبات مزاجية شديدة وعدم استقرار انفعالي.
على صعيد الصفات الجسدية، لوحظ أنَّ المصابين بهذا الاضطراب يتميَّزون غالباً بالنحافة وصغر الحجم والبنية الضعيفة، كما أنَّ معدَّل الذكاء لديهم يميل عادةً إلى المتوسط، ولكنَّ هذه الملامح ليست شرطاً حتمياً، إذ قد تظهر صفات جسدية أخرى في بعض الحالات، وينبغي التنويه أنَّه لا يمكن التشخيص القطعي لهذا الاضطراب إلَّا عن طريق أخصائي نفسي أو طبيب مختص، فالأفراد المصابون بهذا الاضطراب لا يدركون وجود المشكلة لديهم، إضافة إلى ذلك، يصاحب الاضطراب الهستيري اضطرابات شخصية أخرى.
علاج اضطراب الشخصية الهستيري:
من المسلَّم به أنَّ علاج اضطراب الشخصية الهستيرية الاستعراضية يعدُّ أمراً صعباً جداً، وذلك لأنَّ المصابين به عادةً لا يدركون احتياجهم إلى العلاج، فضلاً عن أنَّ شعورهم السريع بالملل يجعل من الصعب عليهم الالتزام بخطة علاجية، وقد يسعى هؤلاء المرضى إلى طلب العلاج فقط نتيجة معاناتهم من القلق أو الاكتئاب، أو بعد انهيار علاقة عاطفية، ويتضمَّن العلاج الفعَّال لاضطراب الشخصية التمثيلي عدة محاور رئيسة:
1. العلاج النفسي الفردي:
قد يساهم في الحدِّ من الأعراض وتحسين العلاقات الاجتماعية للمريض، ولا ينصح بالعلاج النفسي الجماعي أو الأسري، نظراً لاحتمال أنَّه يحفِّز سلوكات المبالغة في الأعراض بهدف جذب الانتباه.
2. الأدوية:
على الرغم من عدم وجود أدوية مخصصة لاضطراب الشخصية التمثيلي، لكن يمكن استخدام بعض الأدوية لعلاج الاضطرابات النفسية الأخرى المصاحبة، مثل تقلُّب المزاج، والقلق، والاكتئاب.
3. تمرينات التأمل:
قد تساعد ممارسة تقنيات التأمل الواعي، كاليوغا والتاي تشي، إلى جانب الارتجاع البيولوجي، على التحكم في المشاعر العاطفية المبالغ فيها لدى المرضى.
بالتكامل بين هذه المداخل العلاجية المختلفة، يمكن تحقيق نتائج إيجابية في علاج اضطراب الشخصية الهستيرية.

ماذا يحدث في حال إهمال علاج هذا الاضطراب؟
إنَّ إهمال علاج اضطراب الشخصية الهستيرية قد يؤدي إلى نتائج وخيمة على المستويات المختلفة، فهؤلاء الأفراد، نتيجة لرغبتهم الجامحة في جذب الاهتمام، قد ينخرطون في سلوكات مخالفة للقوانين والقيم الاجتماعية، وهذا يضعهم في موقف خطر، كما أنَّهم يفقدون القدرة على الاستقرار الوظيفي، إضافة إلى احتمالية إصابتهم باكتئاب أو توجه نحو أفكار انتحارية.
إضافة إلى ذلك، قد يؤدي إهمال علاج هذا الاضطراب إلى إلحاق الضرر بهم جسدياً واجتماعياً، فعلاقاتهم السطحية والقصيرة قد تتسبَّب في مشكلات زوجية متكررة تنتهي غالباً بالطلاق، وذلك لعدم قدرتهم على الالتزام والصبر.
مضاعفات ترافق اضطراب الشخصية الهستيرية:
توجد عدة اضطرابات نفسية قد يكون مرضى اضطراب الشخصية الهستيرية أكثر عرضة لها مقارنة بغيرهم، نذكر منها:
1. الاكتئاب:
يُعدُّ الاكتئاب واحداً من أبرز هذه المضاعفات، فتتَّسم طبيعة اضطراب الشخصية الهستيرية بالقلق والاندفاع والتقلبات المزاجية، ما قد يؤدي بالمريض إلى التعرض لنوبات اكتئابية متكررة.
2. نوبات الهلع:
يصاب هؤلاء المرضى بنوبات الهلع نتيجة لحالات التوتر والقلق التي يعانون منها، كما أنَّهم أكثر عرضة لإدمان الكحول أو تعاطي المخدرات بوصفها وسيلة للهروب من حالاتهم النفسية المضطربة.
3. أفكار انتحارية :
في بعض الأحيان، قد تصل الأمور إلى محاولة الانتحار، وذلك بسبب الشعور بالإحباط وفقدان الأمل الذي يصاحب هذا الاضطراب.
هل يمكن الوقاية من اضطرابات الشخصية الهستيرية؟
نعم، يمكن الوقاية من اضطرابات الشخصية الهستيرية، وذلك من خلال عدة طرائق:
1. التعامل مع الصدمات النفسية:
إنَّ التعرض للصدمات في مرحلة الطفولة يعدُّ أحد أبرز العوامل المسبِّبة لاضطرابات الشخصية، لذا، فالعمل على معالجة هذه الصدمات وإيجاد آليات تكيُّف سليمة لدى الفرد يقي من تطور اضطرابات الشخصية.
2. تعزيز المهارات الاجتماعية:
تدريب الأفراد على المهارات الاجتماعية والتواصلية يساعد على بناء علاقات صحية وتجنُّب أنماط السلوك المرتبطة باضطراب الشخصية الهستيرية.
3. الرعاية الصحية النفسية الشاملة:
توفير برامج الصحة النفسية الوقائية والتثقيف المجتمعي بهذه الاضطرابات، يسهم في الحدِّ من انتشارها.
بتطبيق هذه الاستراتيجيات الوقائية، يمكن تقليل مخاطر الإصابة باضطراب الشخصية الهستيرية وتجنُّب المضاعفات المرتبطة به.
كيف أتعامل مع شخص يعاني من اضطراب الشخصية الهستيرية؟
يمكنك المساعدة على تخفيف معاناة الشخص المصاب باضطراب الشخصية الهستيرية وعلى تحسين نوعية حياته، من خلال هذه النصائح:
- تجنَّب إهمال الشخص وقدِّم له الحب والحنان الذي يحتاج إليه.
- كُنْ مستمعاً جيِّداً وأظهِرْ اهتمامك بمشكلاته ومخاوفه، وتجنَّب اتهامه بأنَّه مهمل أو غير قادر على إعطاء الحب.
- ابتعِدْ عن انتقاد سلوكاته أو إلقاء اللوم عليه، فالشخص الذي يعاني من اضطراب الشخصية الهستيرية يحتاج إلى الشعور بالقبول من المحيطين.
- ساعِدْ الشخص على أن يكون واعياً بالإيجابيات في حياته بدلاً من الحديث عن السلبيات، فهذا سيمنعه من الشعور بالنقص أو الدونية.
- ضَعْ حدوداً واضحة دون الابتعاد تماماً، إذا أصبح سلوكه صعب التعامل معه، فالابتعاد يعزِّز إحساسه بأنَّه غير محبوب.
في الختام:
إنَّ الوعي المجتمعي والتثقيف النفسي، يؤدِّيان دوراً حاسماً في كسر حاجز الصمت المتعلق بهذه الاضطرابات النفسية، وهذا يفتح الباب أمام مزيد من الناس للبحث عن المساعدة والدعم، ونحن على يقين أنَّ البحث المستمر والتعاون بين الأطباء النفسيين والمجتمع، يؤدي إلى تحسين استراتيجيات العلاج والوقاية، وفي النهاية، نأمل أن يكون هذا المقال قد أضاف إلى معرفتكم، وساهَمَ في نشر الوعي باضطراب الشخصية الهستيرية مساهمةً تُساعد على فهمه والتعامل معه تعامُلاً أفضلَ.