آثار اختلاف أسلوب تربية الأبناء على سلوكيات الأطفال
تربية الأبناء هي حقٌّ وواجب على الآباء تجاه أبنائهم، وأول وأهمُّ ما يمكن تقديمه للطفل قبل أن يأتي إلى هذه الحياة، هو البحث عن شريك حياة صالح ومناسب، فالتربية ليست تأمين احتياجات الطفل من طعام وشراب ولباس ومسكن وغيره؛ إنَّما تشمل كافة التأثيرات الخارجية التي يعيش ضمنها الطفل، وتنعكس انعكاساً واضحاً على مهاراته المعرفية والعاطفية والاجتماعية أيضاً.
يولد الطفل على الفطرة ثمَّ يتشرَّب ما يتعرَّض له ويعيشه، فيَظهر سلوك الطفل بناءً على ذلك، وقد حاولت معظم الدراسات الربط بين شخصية الطفل والبيئة التي ينشأ ضمنها، فوجدت الأفراد ممَّن نشؤوا في بيئات متشابهة كثيراً لديهم شخصيات متشابهة، وعلى النقيض من ذلك، فإنَّ اختلافهم مع الأفراد ممَّن نشؤوا في بيئات مختلفة كبيراً بقدر الاختلاف بين بيئاتهم، ولكن ما الذي يحصل إن كان الأب والأم من بيئتين مختلفتين؟
التضارب في أساليب تربية الآباء لأبنائهم موجود في كثير من المنازل، ويؤدي أحياناً إلى نشوب خلافات بين الشريكين، فكلُّ طرف يريد تطبيق أسلوبه في التربية وإثبات صحة رأيه، ولأنَّ الأهمَّ هو سلوك الطفل وحالته النفسية ونموه المعرفي والعقلي، نقدِّم لك مقالنا الذي يوضح آثار اختلاف أسلوب التربية وتأثيره في سلوك الطفل، فتابع القراءة.
هل يُفترض عدم وجود اختلاف في أسلوب التربية بين الآباء؟
لأنَّ كلَّ فرد منَّا قد نشأ في بيئة معيَّنة وظروف حياتية مختلفة، فكلٌّ منَّا له سلوك وطريقة تفكير مختلفة عن غيره، وما ذكرناه في المقدمة لا يعني أنَّه من الضروري عدم وجود اختلافات في طريقة التربية؛ لأنَّ التضارب في الأساليب أمر طبيعي جداً في حال كان الاختلاف صحياً، فيعلم الطفل كيفية التعامل مع الأشخاص المختلفين، ومن ثم ينمِّي الذكاء الاجتماعي لدى الطفل، ويكون ذلك في حال اتفاق الوالدين على أنَّ الغاية الرئيسة هي تربية الطفل تربية سليمة، وأي خلاف يمكن أن يُحلَّ بعيداً عن الطفل ليصبح الوالدان فريقاً واحداً.
أمَّا الاختلاف السلبي فهو اختلاف لا يعتمد على منطق صحيح، لأنَّه يتسبَّب بازدواجية في شخصية الطفل ويُضعف شخصيته، فلا يجد الطفل القدوة الصحيحة، لأنَّ كلَّ طرف يحاول شدَّه إليه ويحاول إثبات وجهة نظره وتحطيم الطرف الآخر.
تأثير أنماط وأساليب التربية في الطفل:
توضِّح الدراسات وأبحاث علم النفس الآثار الأساسية لأسلوب التربية في الطفل، وهي كما يأتي:
1. التحصيل الأكاديمي:
تؤدي التربية دوراً أساسياً في تحمُّل الطفل لمسؤولية تعليمه؛ لأنَّ التربية المناسبة تعطيه الحافز اللازم ليندفع نحو التعليم.
2. الصحة العقلية والنفسية:
ترتبط معظم مشكلات الأطفال المتعلِّقة بالنمو العقلي أو بالحالة النفسية ارتباطاً وثيقاً بأسلوب تربيته، فنتيجة ما يحيط به يزيد شعوره بالقلق مثلاً أو بالاكتئاب أو يتراجع النطق لديه.
3. احترام الذات والثقة بها:
الطفل الذي ينشأ ضمن جو معدوم الثقة ولا يجد الاحترام الكافي، بالطبع سيصبح احترامه لذاته قليلاً وثقته بنفسه معدومة.
4. العلاقات الاجتماعية:
وجدت الأبحاث علاقة بين الأشخاص ممَّن تعرضوا لإيذاء عاطفي متكرر في علاقاتهم العاطفية، وتعرضوا لاستغلال في علاقاتهم الأخرى، أنَّهم تربُّوا بطريقة غير صحيحة، فلم يتمكنوا من بناء علاقات جيِّدة أو اختيار أشخاص مناسبين.
أنماط وأساليب التربية وتأثير كل منها:
توجد عدة أنماط للأمومة والأبوة ولكلٍّ منها تأثير يكمن من خلال توضيحه معرفة آثار أسلوب التربية في سلوك الطفل، وهي كما يأتي:
أولاً: أسلوب التربية الاستبدادي
هو الأسلوب الذي يرى فيه الأب والأم أنَّ ما يقولاه هو الصحيح دائماً، وعلى الطفل اتِّباع القواعد التي تُفرَض في المنزل دون استثناء ودون توضيح السبب وراء كل قاعدة أو أمر يُفرض على الطفل، فيكفي أن يقول أحد الوالدين أمره ليسارع الطفل ويطيع الأمر، ولا يُسمح للطفل المشاركة في حل مشكلة ما أو إبداء رأيه ورغبته في القيام بشيء ما، والأسلوب المستخدَم عندما يخالف الطفل القواعد المفروضة، هو العقاب بدل تأديبه بالتأنيب وشرح سلبيات سلوكه.
يصبح الطفل في حالة تأسُّفٍ دائمة وخوف من ارتكاب أي خطأ يعرِّضه للعقاب بدلاً من التفكير في كيفية اختيار التصرف الصحيح، ونتائج أسلوب التربية الاستبدادية هي غالباً ما يأتي:
- تدني احترام الطفل لذاته.
- ضعف شخصية الطفل وعدم قدرته على التعامل مع الآخرين بالطريقة المناسبة.
- التردد وعدم القدرة على اتخاذ القرار المناسب دون مساعدة الآخرين.
- يلجأ الطفل للكذب للتهرب من العقوبة.
- العدوانية تجاه الآخرين وغالباً يتحول الطفل في المستقبل إلى شخص استبدادي تجاه الجميع من حوله.
شاهد بالفيديو: 18 طريقة تجعل تربية الأطفال سهلة
ثانياً: أسلوب التربية الموثوقة
من أفضل أساليب التربية، ويختلف هذا الأسلوب عن سابقه اختلافاً أساسياً بأنَّ الآباء يوضحون للأبناء السبب الرئيس وراء كل قاعدة يسنُّونها، ويأخُذ الآباء برأي الطفل ويُعطون أهمية كبيرة لما يشعر به وما يريده، وحتى إن فرضوا عقاباً معيَّناً في حال خالف الطفل القاعدة المفروضة عليه.
غالباً لا يُنفَّذ العقاب ذاته خوفاً على مشاعر الطفل، لذلك يميل الآباء إلى التأديب بأسلوب إيجابي يمنع الطفل من الوقوع في المشكلات أو التصرف بسلوكات غير طبيعية، كما يستثمر الآباء وقتهم وطاقتهم لتقويم سلوك الطفل ودفعه نحو التصرفات الإيجابية وإبعاده عن الأخطاء؛ لذلك قليلاً ما يقع الطفل في مشكلة، ويحاول الآباء دائماً استخدام استراتيجيات الثناء والمكافآت، فيبنون مع طفلهم علاقة إيجابية قوية، ومن أبرز نتائج أسلوب التربية هذا ما يأتي:
- يصبح الطفل متحملاً للمسؤولية في المستقبل، ولا يقع في الأخطاء إلا ما قلَّ منها.
- القدرة على التعبير عن الرأي بحرية، فيسبق ذلك تفكير عميق، فلا يقول الفرد أي كلام دون تفكير عميق، وينطبق الأمر ذاته على التعبير عن المشاعر.
- احترام الذات والثقة بها بالشكل الذي تستحقه.
- المرونة في التعامل مع النفس ومع الآخرين.
- يمكن الوثوق بالفرد الذي تربَّى بهذه الطريقة، لذلك يصبح شخصاً محبوباً وله مكانة اجتماعية جيدة.
ثالثاً: أسلوب التربية المتساهلة
هذا النوع من التجربة هو النوع الأحبُّ بالنسبة إلى الأطفال، لأنَّهم يعيشون بالطريقة التي يرونها الأجمل، فاتِّباع هذا الأسلوب يعني وضع كثير من القواعد وعدم تطبيقها ودون تطبيق العقاب أيضاً، وحتى عندما يقرر الأهل تطبيق العقاب، يضعفون فوراً أمام مشاعر الطفل ويتراجعون، وخاصة إن ترجَّى الطفل والديه.
إضافة إلى ذلك فإنَّ الأهل لا يتدخَّلون بتصرفات وسلوك الطفل، بل ينتظرون حتى وقوع مشكلة كبيرة ليتصرفوا، والميِّزة الوحيدة لهذا الأسلوب أنَّ الآباء يؤدون دور الصديق للأبناء، فيتكلَّمون معهم بكلِّ ما يمرون به، ولكن لا يبذلون كثيراً من الجهد لإرشادهم إلى الطريق الصحيح، والنتائج المتوقعة مستقبلاً كما يأتي:
- أفراد أكثر عرضة للإصابة بمشكلات صحية ناتجة عن سلوك خاطئ مثل السمنة.
- لا يتحمَّل الفرد المسؤولية في عمله أو حياته الشخصية.
- تدني احترام الذات.
- أكثر الأفراد عرضة للمعاناة والحزن.
رابعاً: أسلوب التربية غير المشاركة والمهملة
في هذه الطريقة من التربية لا يسأل الآباء ابنهم عن واجباته المدرسية أو أصحابه أو مكان حضوره ولا يقضون الوقت معه، فلا يعرفون عن ابنهم إلَّا القليل، ولا توجد قواعد يجب اتباعها ولا تُقدَّم إرشادات أو توصيات، فيُربِّي الطفل نفسه بنفسه، والنتيجة المتوقعة هي كالآتي:
- تدني احترام الذات والثقة بها.
- عدم المبالاة والتمرد وسوء السلوك فيميل الطفل إلى السرقة، أو الاغتصاب، أو الاعتداء، أو سلب الحقوق.
- غياب الشعور بالسعادة والفرح تجاه أي شيء في الحياة.
- انخفاض التعاطف مع الآخرين.
كيفية توحيد أسلوب التربية بين الأم والأب:
إنَّ تطبيق أكثر من أسلوب تربية يؤدي إلى ضياع الطفل وعدم فهم شخصيته وسلوكه ومعالجة الأخطاء، لذلك يجب توحيد الأسلوب من خلال ما يأتي:
- تخصيص وقت للمناقشة مع الشريك بمواصفات الابن وسلوكه والقواعد التي يجب فرضها في المنزل.
- الالتزام بالقواعد وتقديم توضيح كافٍ لأسباب كل قاعدة، والثناء على الطفل عند الالتزام ومعاقبة الطفل عند المخالفة.
- وضع خطة تربوية مشتركة والتزام الطرفين بتطبيقها، كأن يُمنَع العنف في المنزل، والتفكير جيداً بأسلوب العقاب عند وقوع الطفل في الأخطاء حفاظاً على صحة مشاعره.
- يجب أن يكون الأهل قدوةً حسنة، ويتصرَّفوا بالطريقة التي يرغبون بأن يتصرف بها الطفل.
- الاتفاق على الاستماع جيِّداً للطفل، والسماح له بالتعبير عن رأيه وتوضيح الفرق بين الصح والخطأ، وتقديم الإرشادات والنصائح الحقيقية بعيداً عن الرغبة بالمثالية، ومشاركة الطفل وقته والتقرب منه والتعامل معه بمرونة، فتلك النقاط هامة لبناء طفل سوي نفسياً.
في الختام:
تربية الطفل تربية سليمة هي واجب الأهل وحق الطفل، ولكن قد يختلف الأسلوب المتَّبع من قِبل الأم عن أسلوب الأب، فيؤثر ذلك في سلوك الطفل ومشاعره واحترامه لذاته وللآخرين، فكلُّ أسلوب من أساليب التربية يؤدي إلى بناء فرد مختلف، وقد ذكرنا في مقالنا أبرز أنواع أساليب التربية ونتائج كل منها، كالتربية الموثوقة التي تبني فرداً متحمِّلاً للمسؤولية، وبخلافها التربية الاستبدادية وأيضاً التربية المتساهلة، وأمَّا التربية المهملة فتنتج فرداً لا مبالياً وسيئ السلوك، لذلك من الضروري توحيد أسلوب التربية بالاتفاق على خطة تربوية واحدة والالتزام بالقواعد الموضوعة والاهتمام للطفل وبأن يكون الأهل قدوة حسنة.