9 خطوات للتعامل مع التوتر النفسي (الجزء الأول)
يظنُّ الفرد أنَّه عاجز عن ضبط مستويات التوتر العالية في حياته؛ بسبب صعوبة التحكم بمصادره الكثيرة من الأزمات المادية إلى ضغوطات العمل ومسؤوليات الحياة الشخصية، وفي الواقع، الإنسان قادر على التحكُّم في مستوى التوتر في حياته أكثر ممَّا يظنُّ، وتؤدي مستويات التوتر العالية إلى إلحاق أضرار جسيمة بعافية الفرد، واتِّزانه العاطفي، وصحته النفسية والجسدية.
إضافة إلى إضعاف قدرته على التفكير السليم، وتأدية عمله بفاعلية، والاستمتاع في حياته. تساعد بعض التقنيات على ضبط مستوى التوتر، وزيادة الإنتاجية والسعادة، وتعزيز الصحة النفسية والجسدية، وتهدف هذه التقنيات لتحقيق هدف الإنسان النهائي بعيش حياة متوازنة تتيح له إمكانية التوفيق بين عمله، وعلاقاته الشخصية، وتخصيص ما يكفي من الوقت للاسترخاء والتسلية، إضافة إلى توفر القدرة على مواجهة الضغوطات والتعامل مع التحديات والصعوبات في الحياة اليومية، ولا توجد طريقة مضمونة تناسب جميع الناس، بل عليك أن تجرِّب بنفسك وتكتشف ما يناسبك.
9 خطوات للتعامل مع التوتر النفسي:
فيما يأتي سوف نتناول 3 خطوات للتعامل مع التوتر النفسي، على أن نستكمل بقية الخطوات في الجزء الثاني:
1. تحديد مصادر التوتر في حياتك
تقتضي الخطوة الأولى تحديد مصادر التوتر في حياتك، وهي ليست بسيطة كما تبدو للوهلة الأولى، بمعنى أنَّك تستطيع تحديد الأسباب الكامنة خلف الهموم والضغوطات الرئيسة في حياتك مثل التغييرات المهنية، والانتقال إلى مسكن أو منطقة جديدة، أو خوض تجربة طلاق، ولكن من الصعب أن تعرف مصادر التوتر المزمن فيها.
يغفل كثير من الأفراد عن المشاعر، والأفكار، والسلوكات التي تسهم في رفع مستويات التوتر في حياتهم اليومية، فقد تظن أنَّك تعيش في حالة قلق مستمر بسبب ضغوطات العمل وصعوبة تسليم المهام في المواعيد المحددة، ولكن يمكن أن تكون عادة التسويف هي السبب الأساسي الكامن خلف تراكم العمل وضغوطاته وحالة التوتر التي تنجم عنه؛ لذلك يتطلَّب تحديد مصادر التوتر في حياتك إمعان التفكير في عاداتك، ومواقفك، ومبرراتك، ويمكنك أن تستفيد من الأسئلة الآتية في تحديد المشكلة الأساسية:
- هل تتعامل مع التوتر على أنَّه مشكلة مؤقَّتة تتعلَّق بالضغوطات الراهنة رغم أنَّك لا تتذكَّر آخر مرة شعرت فيها بالراحة النفسية؟
- هل تعدُّ حالة التوتر جزءاً أساسياً من نمط حياتك في المنزل أو العمل، أو تفترض أنَّها طبع مترسخ في شخصيتك؟
- هل تعزو حالة التوتر في حياتك إلى الأشخاص في محيطك والظروف الخارجية، أم تعده تجربة طبيعية في الحياة الإنسانية؟
يجب أن تعترف بدور سلوكاتك وأفعالك ونمط حياتك في معاناتك من التوتر، وتتحمل مسؤولية وضعك النفسي لكي تبدأ بضبط مستويات التوتر واستعادة عافيتك.
يساعد تدوين يوميات التوتر على تحديد مصدر الضغوطات في حياتك اليومية وإيجاد الطريقة المناسبة للتعامل معها، فعليك أن تراقب وضعك النفسي، وتدوِّن ملاحظة في يومياتك في كل مرة تشعر بالتوتر، أو يمكنك أن تستخدم تطبيقات رصد التوتر، فتساعد هذه البيانات على رصد أنماط التوتر ومصادره المتكررة في حياتك اليومية.
معلومات يجب أن تدونها لرصد التوتر:
عليك أن تدوِّن المعلومات الآتية في رصد التوتر:
- سبب التوتر.
- المشاعر الجسدية والنفسية المرافقة لحالة التوتر.
- ردُّ فعلك على حالة التوتر النفسي.
- الإجراءات التي اتخذتها لتحسين حالتك النفسية.
2. الإقلاع عن العادات والممارسات الخاطئة في التعامل مع التوتر
يلجأ معظم الأفراد إلى تطبيق سلوكات وعادات مؤذية تساعد على تخفيف التوتر مؤقتاً لكنَّها تُلحق أضراراً جسيمة بالصحة النفسية والجسدية على الأمد الطويل، ويُذكَر منها ما يأتي:
- التدخين.
- الإفراط في تناول الأطعمة الجاهزة والوجبات السريعة.
- مشاهدة التلفاز أو استخدام الهاتف المحمول لساعات طويلة.
- العزلة الاجتماعية، والابتعاد عن الأصدقاء وأفراد العائلة، وتجنُّب النشاطات الاجتماعية.
- الإفراط في النوم.
- الانشغال طوال اليوم لتجنُّب مواجهة المشكلات.
- التسويف.
- تفريغ التوتر على الآخرين من خلال نوبات الغضب، والعنف الجسدي، وأسلوب التعامل الهجومي والعدائي.
قد تكتشف أنَّ الممارسات التي تطبِّقها لإدارة التوتر في حياتك، لا تسهم في تحسين صحتك الجسدية والنفسية، وعندها يجب أن تبحث عن أساليب أخرى تساعدك على ضبط انفعالاتك واستعادة شعور السكينة والسلام في حياتك.
3. اختيار تقنيات صحية لضبط مستوى التوتر
التوتر هو استجابة تلقائية طبيعية تصدر عن الجهاز العصبي في مواقف معيَّنة وعند الشعور بالخطر، وتحدث هذه الاستجابة في بعض المواقف والحالات المتكررة في حياة الفرد مثل الاجتماعات مع المدير، واللقاءات العائلية، وعند التوجُّه إلى العمل كل صباح مثلاً، ويمكنك أن تتعامل مع مصادر التوتر المتوقعة عن طريق تجنُّب الموقف أو تغيير رد فعلك تجاهه، وذلك من خلال اتِّباع الخطوات الآتية:
1. تجنُّب المواقف العصيبة عند الإمكان
لا يُنصَح بتجنُّب المواقف العصيبة التي يجب أن تواجهها وتتعامل معها، ولكن ثمة حالات وتجارب مزعجة يمكن إقصاؤها بالكامل من حياتك، وذلك من خلال تطبيق الخطوات الآتية:
1.1. رفض الطلبات والالتزامات التي تفوق قدرتك
يجب أن تعرف حدود إمكاناتك وقدراتك وتلتزم بها، وهذا ينطبق على حياتك الشخصية والمهنية، ويسيطر التوتر على الحالة النفسية للفرد عندما يتولى مسؤولياتٍ ومهاماً تفوق قدرته على التحمُّل.
2.1. تجنُّب كل شخص يسبِّب لك التوتر في حياتك
يجب أن تحدَّ من تواصلك مع كل شخص يسبِّب لك التوتر أو تقطع علاقتك معه.
3.1. ضبط ظروف البيئة المحيطة
تجنُّب متابعة الأخبار على التلفاز خلال فترة المساء إذا كانت تسبِّب لك التوتر، وقد تشعر أنَّك تتوتَّر بسبب االازدحام المروري، وفي هذه الحالة يُنصَح بتغيير طريق الذهاب إلى العمل واختيار طريق آخر أقل ازدحاماً حتى لو كانت المسافة أطول، ويمكنك أن تتبضَّع من خلال الإنترنت أيضاً إذا كنت تكره الذهاب إلى السوق.
4.1. تجنُّب الموضوعات المثيرة للجدل
عليك أن تتجنَّب مناقشة الموضوعات التي تزعجك في محادثاتك مع الآخرين، وقد تلاحظ أنَّك تتجادل باستمرار مع شخص معيَّن على الموضوع نفسه، وعندها يجب أن تتجنَّب ذكر هذا الموضوع وتعتذر من المشاركة في الحديث عندما يطرحه الطرف المقابل.
5.1. تقليل عدد الالتزامات والمها
يجب أن تراجع جدول أعمالك، ومسؤولياتك، ومهامك اليومية، وترتبها وفق الأولوية وتحذف المهام غير الضرورية.
شاهد بالفيديو: 9 طرق بسيطة للتعامل مع توتر العمل
2. تغيير طريقة تعاملك مع الموقف العصيب
قد لا يتسنَّى لك أن تتجنَّب بعض المواقف العصيبة، وعندها ينبغي أن تحاول تغيير أسلوب تواصلك وتعاملك مع ما يحدث في حياتك، وذلك من خلال اتِّباع الخطوات الآتية:
1.2. التعبير عن المشاعر بدلاً من كبتها
يجب أن تفصح عن انزعاجك وهمومك بصراحة واحترام، ويمكن أن يؤدي كبت المشاعر إلى تراكم الاستياء والحنق وتطوره إلى توتر نفسي مزمن.
2.2. الاستعداد لتقديم التنازلات
لا يحقُّ لك أن تطلب من أحد تغيير سلوكه ما لم تكن مستعداً للقيام بالمثل؛ أي يجب أن يكون الطرفان مستعدَّين لتقديم التنازلات من أجل الوصول إلى حل وسطي يرضيهما.
3.2. التحلِّي بالحزم
يجب أن تتحمَّل مسؤولية ما يجري في حياتك، وتؤدي دورك على أكمل وجه، وتتعامل مع المشكلات التي تحدث معك، وتفعل ما بوسعك لتوقُّع الأزمات المقبلة والاستعداد لمواجهتها أو تجنبها ومنع حدوثها عند الإمكان، فإذا كنت تدرس للامتحان مثلاً وتتوقَّع مجيء صديق أو فرد من العائلة، عندئذٍ عليك أن تخبره فور وصوله بأنَّك مشغول ولا وقت لديك لتجاذب أطراف الحديث.
4.2. التوفيق بين الحياة الشخصية والعمل
يؤدي الإفراط في العمل على حساب الراحة والحياة الشخصية إلى إصابة الفرد بحالة الاحتراق الوظيفي، فيجب أن تفعل ما يلزم لتحقيق التوازن بين العمل، والحياة الأسرية، والنشاطات الاجتماعية والفردية، والمسؤوليات اليومية، وفترات الراحة والاسترخاء.
3. التأقلم مع مصادر التوتر
قد لا يتسنَّى لك أن تتجنَّب مصدر التوتر، وفي هذه الحالة عليك أن تعمل على تغيير توقعاتك ومواقفك لكي تتأقلم مع الظرف الصعب وتستعيد إحساس السيطرة على حياتك، وذلك من خلال اتِّباع الخطوات الآتية:
1.3. تغيير وجهة نظرك تجاه المشكلات
حاوِلْ أن تعثر على الجانب المشرق في المواقف العصيبة، أي بدل أن تستشيط غضباً من الازدحام المروري مثلاً، يمكنك أن تعدَّه فرصة لتتوقف وترتِّب أفكارك، وتستمع إلى محطة الإذاعة المفضلة عندك، أو تستمتع بالاختلاء بنفسك لبعض الوقت.
2.3. ممارسة الامتنان
يتسبَّب التوتر في شعور الفرد بالإحباط وفتور الهمة، وفي هذه الحالة، يُنصَح بتخصيص بعض الوقت للتفكير في النِّعَم التي تقدِّر وجودها في حياتك، ولتكن مهاراتك ومواهبك، وصفاتك الحسنة مثلاً، وتساعد هذه الاستراتيجية البسيطة على وضع الأمور في نصابها الصحيح.
شاهد بالفيديو: 5 فوائد مثبتة للشعور بالامتنان
3.3. ضبط معاييرك الشخصية
تُعدُّ معايير المثالية من المصادر الرئيسة للتوتر والفشل في حياة كثير من الأفراد، لهذا السبب يُنصَح بوضع معايير وتوقعات مقبولة وقابلة للتحقيق على أرض الواقع ضمن الإمكانات المتوفرة، كما يجب أن تتعود على الرضى والقناعة عن الذات دون أن تطمع أو تضغط على نفسك للحصول على المزيد.
4.3. تقدير أثر المشكلة على الأمد الطويل
عليك أن تقدِّر مدى أهمية المشكلة وتأثيرها في حياتك على الأمد الطويل، فلا ينبغي أن تتوتر وتهدر وقتك وجهدك على مشكلة مؤقتة لا تؤثر في حياتك على الأمد الطويل.
4. التعايش مع الظروف التي لا تستطيع تغييرها
لا يقدر الإنسان على تجنُّب جميع مصادر التوتر في حياته، ولا يمكنه أن يمنع حدوث الأزمات والصدمات المفجعة مثل وفاة أحد الأحبة، أو الإصابة بمرض خطير، أو تعرُّض البلد لأزمة ركود اقتصادي مثلاً، ويقتضي التعامل السوي مع هذه الأزمات تقبُّلها كما هي بدل أن ترفضها وتقاومها وتحاول عبثاً أن تغيِّرها.
في الختام
يعاني كثير من الأفراد من التوتر، وهذا ينعكس سلباً على جودة حياتهم وعافيتهم وعملهم، وثمَّة تقنيات وأساليب تساعد على ضبط مستوى التوتر وإبقائه ضمن الحدود المقبولة، ولقد قدم الجزء الأول من المقال 3 خطوات لإدارة التوتر، ويبحث الجزء الثاني والأخير في بقية الخطوات.