6 أسرار لإقامة صداقات قائمة على الذكاء العاطفي

نادراً ما تنجح محاولاتنا للتواصل مع الآخرين من أول مرة، ولكنَّ علاقاتنا بالناس هامة وليست مجرد تفصيل اجتماعي؛ بل عنصراً أساسياً في تحسين الصحة وطول العمر، وقد تحافظ على هذه العلاقات إلى تحمل اللحظات المحرجة، والإصغاء بأدب إلى مواضيع قد لا تهمك، واحترام وجهات نظر الآخرين.



أسرار الذكاء العاطفي في بناء الصداقات 

تمنحك علاقاتك إلى جانب تعزيز الصحة قدراً من السعادة اليومية؛ إذ يحتاج الإنسان إلى أصدقاء حقيقيين، يستطيع أن يكون معهم بلا تكلُّف، ودون الخوف من السخرية أو التهكم.

لكن يبقى السؤال: كيف نكوِّن صداقات بعيدة عن التوتر والإحراج؟ يأتي هنا دور العلم والذكاء العاطفي، وتحديداً 6 أسرار يطرحها المؤلف "ديفيد روبسون" (The Laws of Connection) في كتابه "قوانين التواصل" (The Laws of Connection).

1. يحبك الناس أكثر مما تظن

نتساءل كثيراً عند محاولة التواصل مع الآخرين: "ماذا لو لم يحبوني؟"، وهي فكرة منتشرة للغاية لدرجة أنَّ علم الاجتماع، وضع اسماً مخصصاً لها: فجوة الإعجاب (The Liking Gap)، بيد أنَّ الدراسات، تكشف في كل تجربة يضطر فيها الناس للحديث مع غرباء، أنَّ معظم مخاوفهم حول الانطباع الذي يتركونه، هي مبالغ فيها جداً؛ إذ يؤكد العلم أنَّ الناس يعجبون بك بقدر ما تعجب أنت بهم، وليس أقل.

خضع متطوعون في إحدى التجارب لاختبار قاس اسمه "اختبار التوتر الاجتماعي" (Trier Social Stress Test)، يتضمن مهمة إلقاء خطاب علني، ومقابلة عمل وهمية، وحل مسائل حسابية مفاجئة. كان الهدف من هذا الاختبار رفع مستوى التوتر إلى أقصى حد، وبعد انتهاء التجربة، فضَّل المقيِّمون الأشخاص الأعلى توتراً بينهم.

احتمال أن تحرج نفسك عند التعرف على أشخاص جدد ضئيل للغاية، وحتى لو حدث ذلك، فعادة ما يجعلك أقرب إلى قلوبهم.

2. حُسن اختيار المواضيع التي تتحدث عنها

من دافع الرغبة بترك انطباع إيجابي لدى الآخرين، قد تبدأ اللقاء بسرد قصة عن رحلة أو تجربة استثنائية مررت بها، لكنَّ ذلك من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها كثيرون، والذي يطلق عليه الباحثون اسم: "عقوبة التفرد" (The Novelty Penalty).

لا يهتم معظم الناس بالقصص الاستثنائية، فالفريد –بحكم تعريفه– ليس مألوفاً للآخرين. الأفضل أن تتحدث عن أمور مألوفة، كي يجد الطرف الآخر أرضية للتواصل معك.

من الأخطاء الشائعة الأخرى وضع نفسك مكان الآخر؛ لأنَّه ليس أسلوباً عملياً، وستقع في فخ التخمين؛ لذا تجنب تبنِّي منظور الآخر، وتقبَّله واحترِم آراءه بدلاً من ذلك، من خلال طرح مزيد من الأسئلة عليه؛ إذ تثبت الأبحاث مراراً أنَّ الناس يحبون من يُظهر اهتماماً حقيقياً بهم.

مجموعة من الاصدقاء متناغمين فيما بينهم

فيما يأتي بعض أنواع الأسئلة التي يجب تجنب طرحها على الآخرين:

  • الأسئلة التمهيدية ضرورية، لكن لا أحد يتحمس لها كثيراً مثل: "من أين أنت؟" و"ماذا تعمل؟"
  • تجنُّب طرح أسئلة تغير الموضوع فجأة؛ لأنَّ ذلك يُربك المتحدث ويقطع تدفق الحديث.
  • تجنُّب الأسئلة التي تهدف من خلالها التحدث عن نفسك، فالناس ينتبهون إلى ذلك فوراً، وينفرون منه.

تُعد أسئلة المتابعة فعالة للغاية في عالم الحوار، فسؤال بسيط في مكانه، مثل: "وكيف جعلك هذا تشعر؟"، يفتح الباب لحديث أعمق وأكثر قرباً.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أنَّ التواصل البصري المبالغ به، وإطالة النظر إلى الآخر ليست دليل اهتمام؛ بل تصرفاً غريباً؛ لأنَّ البشر الحقيقيون يرمشون، ويصرفون النظر أحياناً.

3. المقاطعة الإيجابية

أحياناً تسير المحادثة بانسجام غريب، كل كلمة تقع في مكانها، وكأنَّ الموجتين الدماغيتين لكما تبثَّان على التردد نفسه، وتتسلل تلك الرغبة في المقاطعة إليك. في تلك اللحظة، لا بأس بالمقاطعة لتقول شيئاً مثل: "تماماً" أو "هذا ما كنت أفكر فيه أيضاً".

لا يفسد هذا النوع من التداخل الحوار؛ بل يضيف إليه، فهو تأكيد للطرف الآخر أنَّك لست مجرد مستمع خامد، بل شريك فعلي في الحوار.

وفقاً لدانيال ماكفارلاند (Daniel McFarland) من جامعة "ستانفورد" (Stanford)، هناك نوع معيَّن من المقاطعة يُدعى "الإكمال التعاوني" (Collaborative Completions)، يساعد المتحدث على التعبير عما يحاول قوله. في هذه الحالات، المقاطعة ليست سلوكاً سلبياً؛ بل دعماً خفيفاً  في اللحظة المناسبة.

ينبغي الانتباه: ليست كل المقاطعات مرغوبة، فهناك فرق بين: "هذا بالضبط ما كنت أقصده"، وبين: "دعني أروي لك شيئاً أفضل أنا فعلته"، فالجملة الثانية هي محاولة للسيطرة على الحوار، وهو أمر منفر.

شاهد بالفيديو: صفات الصديق الحقيقي

 

4. تجنُّب التظاهر بالتواضع

تجنب تصنُّع التواضع، كونه سلوك غير لطيف، ويفقدك مصداقيتك؛ إذ تشير الأبحاث إلى أنَّ "التواضع المزيف" أسوأ انطباعاً من التفاخر الصريح، وكأنَّك تريد إبراز إنجازاتك، ولكن تقنع الناس بأنَّك غير مهتم بها.

لكَّن للمسألة جانب آخر: شارك النجاحات التي تفخر بها مع أصدقائك المقربين، فلا أحد يحب اكتشاف أنَّك حصلت على وظيفة جديدة أو ارتبطت أو حققت إنجازاً هاماً بعد شهور من الصمت؛ لأنَّه يؤدي إلى إحداث فجوة بينك وبينهم.

تؤكد الدراسات أنَّ إخبار الأصدقاء بما يسعدك، يقربكم أكثر، ما دمت تفعل ذلك بلباقة ودون مقارنة نفسك بالآخرين، يكفي أن تتجنب التواضع الزائف.

5. إظهار الضعف

عندما تتعرف إلى شخص جديد، تساعد مشاركة جزء بسيط من ذاتك كثيراً على بناء الألفة؛ إذ تؤكد الأبحاث أنَّ الناس يهتمون بأفكارك الداخلية أكثر مما تتوقع. لكن، تكمن المشكلة الحقيقية في أنَّ كشف جانب منك أمر مربك، فتخشى أن يهرب الطرف الآخر فور إخباره بمكامنك.

تماماً كما في "اختبار الضغط الاجتماعي" الذي ذكرناه، يُعحب الناس بالشخص الذي لا يخشى إظهار غرابته، فيسمي العلماء هذه الحالة: "تأثير الفوضى الجميلة" (The Beautiful Mess Effect).

في إحدى التجارب، عندما قرأ المشاركون مقالات تحدَّث فيها أصحابها عن نقاط قوتهم، قيموهم بمتوسط 3.8، أمَّا المقالات التي احتوت على لحظات ضعف صادقة فحصلت على تقييم 4.3.

السبب بسيط: أنت تظهر على حقيقتك، ولا تتخفى خلف قناع من الكمال. حين تذكر مخاوفك وهفواتك، يراك الناس أكثر صدقاً وإنسانية.

لكن، لا يُنصَح بالمبالغة في مشاركة المعلومات، تدرَّج فيما تكشفه عن نفسك، ولا تجعل الطرف الآخر ينفر منك.

إقرأ أيضاً: شروط تكوين صداقة حقيقية

6. إيجاد أرضية مشتركة

إيجاد أرضية مشتركة هو من أسرع الطرائق لبناء الألفة، وهو أيضاً ما يجعل العلاقات تستمر على الأمد الطويل. تلك اللحظة التي تكتشف فيها أنَّ شخصاً ما، يرى العالم بالطريقة نفسها التي تراها أنت، تشعل الشرارة التي تجعل العلاقة تنبض بالحياة.

تُرسي التحديات المشتركة هذه الأرضية؛ إذ تؤكد كثير من الدراسات أنَّ النشاطات الصعبة –حتى لو كانت بسيطة– تقرِّب الناس من بعضهم، ففي إحدى التجارب، طُلب من شخصين غريبين تناول فلفل حار جداً، بينما تناول مشاركين آخرين قطعاً من الحلوى، وكانت النتيجة أنَّ الذين أكلوا الفلفل، شعروا بقرب أكبر من بعضهم.

قد يبدو الأمر بسيطاً، لكن حين تلتهم أنت وغريب فلفلاً حاراً كهذا، يولد رابط لا يمكن لحديث لبق في تناول الحلوى أن يولده؛ لأنَّكما لم تشاركا طعاماً فقط؛ بل شاركتما "محنة".

إقرأ أيضاً: الذكاء العاطفي: التفاهم العاطفي وحل المشكلات

في الختام

لإقامة صداقات ذكية عاطفياً، تذكر ما يأتي:

  1. يحبك الناس أكثر مما تتوقع: كل شخص مشغول بالتفكير في غراباته المخصصة، ولا أحد يهتم كثيراً بهفواتك البسيطة. قد يبتسمون لها لحظة، ثم تختفي من ذاكرتهم تماماً.
  2. اختيار مواضيع تهم الطرف الآخر: القصص الاستثنائية لطيفة بالنسبة إليك، لكنَّها لا تقرب الطرف الآخر منك؛ لذا تحدَّث عن شيء مألوف ليشعر بالانسجام معك.
  3. المقاطعة بذكاء: عندما تكون في انسجام مع الشخص الآخر وتهتف تلقائياً: "هذا بالضبط ما أعنيه"، فهذا ليس مقاطعة؛ بل دليلاً على أنَّ تفكيركما متشابه.
  4. عدم التظاهر بالتواضع: إن أردت التباهي، افعلها بوضوح وبساطة، وسيفرح أصدقاؤك لك، طالما أنَّك لا تستخدم أسلوب الشكوى لإبراز ذلك.
  5. إظهار ضعفك بقدر معقول: يجعلك إظهار جانبك الإنساني أقرب لقلوب الناس، شرط الاعتدال بذلك.
  6. بناء أرضية مشتركة: يبني خوض تحديات بسيطة معاً روابط عميقة.

أبسط طريقة لبناء العلاقات هو تقديم مجاملات صادقة، فالناس يحبون سماع كلام إيجابي عن أنفسهم، ونحن نقلل قيمة تأثير تلك الكلمات فيهم. المجاملة الفعالة ليست عامة أو  باردة؛ بل دقيقة وتشعر الآخر بأنَّك تراه فعلاً، مما يسعده ويرضيه.




مقالات مرتبطة