توقف عن الإسقاط النفسي على الآخرين

في عالم العلاقات الشخصية، يشكل التوقف عن الإسقاط النفسي على الآخرين خطوة ضرورية نحو فهم أفضل للذات وتحسين جودة العلاقة؛ إذ يعكس هذا المقال أهمية التفاعل بشكل صحيح وفهم تأثيرات تجارب الماضي في العلاقات الحالية، مقدِّماً استراتيجيات فعالة للتخلص من هذا النمط السلوكي وتعزيز التواصل بشكل أكثر فاعلية وفهم أعمق بين الناس.



معنى الإسقاط في علم النفس:

الإسقاط هو آلية دفاعية يقوم بها الفرد عندما ينسب بلا وعي تصرفاته وعواطفه واندفاعاته وصفاته غير المرغوبة وأفكاره إلى الآخرين، فإنَّه وسيلة لأخذ حوارنا الداخلي وتحويله إلى تبادل خارجي، كما لو كانت معتقداتنا أو سلوكاتنا تنتمي إلى شخص آخر.

الدليل من كلام أو أفعال الشخص الآخر قد يدعم أو قد لا يدعم هذه الاستجابات العاطفية؛ لذا تقترح بعض الأبحاث أنَّ الإسقاط قد يتطور من التعبيرات الجسدية واللفظية للإنكار في الطفولة الصغيرة.

غالباً ما يُنظَر إلى الإسقاط على أنَّه استراتيجية تكيُّف يلجأ إليها الأشخاص عند تجربة عواطف مكثفة ومعقدة، فعندما نسقط مشاعرنا على الآخرين، قد يكون ذلك وسيلة للحفاظ على عدم تجربتنا لعواطف مريبة مثل الخوف أو الذنب أو العار، وقد يكون أيضاً جهداً غير واعٍ للحفاظ على تقدير الذات أو إحساس الذات.

أنواع الإسقاط:

توجد أنواع مختلفة من الإسقاط، وأشهرها:

1. الإسقاط العصبي:

هو ربما ما يتصوره معظم الأشخاص عندما يفكرون في الإسقاط، ويحدث عندما ننسب لشخص آخر مشاعر أو أفكاراً أو سلوكات غير مرغوبة، على سبيل المثال، قد يعتقد شخص كاذب أنَّ الأشخاص المقربين منه غير صادقين.

2. الإسقاط التكميلي:

يحدث عندما نعتقد أنَّ الآخرين يحملون نفس المعتقدات التي نحملها، على سبيل المثال، قد يفترض أحد أفراد العائلة الذي يمتلك معتقدات مختلفة أنَّ أفراد العائلة الآخرين يؤمنون بنفس المعتقدات التي يمتلكها.

3. الإسقاط المجامل:

يستخدم الأشخاص هذا النوع من الإسقاط عندما يفترضون أنَّ للآخرين قدرات مماثلة لقدراتهم، على سبيل المثال، قد يكون شريكك ماهراً في التخطيط المالي ويعتقد أنَّ لديك مستوى مماثلاً من الفهم المالي.

الهام أن نتذكر وندرك أنَّ ما يتم إسقاطه قد لا يتناسب بالضرورة مع أفكار أو مشاعر أو معتقدات أو أفعال الشخص الذي يتم إلقاؤه عليه.

ما الذي يسبب الإسقاط؟

قد يكون الإسقاط ناتجاً عن تجربة أفكار أو مشاعر أو عواطف أو اندفاعات يصعب الاعتراف بها والتعامل معها - وقد نكتشف شيئاً عن أنفسنا يجعلنا غير مرتاحين - ويصعب علينا قبولها أو التعامل معها.

بدلاً من مواجهتها بشكل مباشر، نضع هذه الأفكار أو المشاعر في أماكن غير ملائمة عن طريق إسقاطها على الآخرين، وهذا يحافظ على عدم الاعتراف بها بوصفها أموراً تخصنا والتعامل معها مباشرة، وهذا يساهم في الحفاظ على شعورنا بالذات.

توجد صلة بين النرجسية والإسقاط، فالأفراد الذين يُظهرون سمات نرجسية، يُسقِطون انطباعاً مبالغاً فيه بأهمية الذات والحاجة المستمرة إلى التقدير، والنقص في التعاطف مع الآخرين، أما الأشخاص الذين يُظهرون سمات نرجسية، فهم عرضة للمشاركة في الإسقاط عن طريق نقل صورتهم الذاتية إلى الآخرين.

الصدمة هي سبب آخر قد يدفع الناس إلى الإسقاط، وقد يصعب على الشخص الذي خاض تجربة مؤلمة أو صادمة التعامل مع عواقب تلك الحادثة؛ ونتيجة لذلك، قد يشعر بالخوف أو العجز.

قد يسمح الإسقاط للفرد بفصل نفسه عن التجربة الصادمة، ومع ذلك قد يؤدِّي ذلك إلى إسقاط عواطف قوية على الآخرين، وعلى الرغم من أنَّ الإسقاط قد يخفف مؤقتاً من العواطف القوية، إلا أنَّه قد يزيد من مشاعر القلق وعدم الثقة، ويؤثر في العلاقات والصحة النفسية.

شاهد بالفديو: 6 علامات تبين أن شخصيتك مضطربة وليست عادية

علامات تؤكد أنَّ شخصاً ما يقوم بالإسقاط عليك:

قد يكون تحديد متى يقوم شخص ما بالإسقاط عليك صعباً، فقد تواجه صعوبة في فك رموز ما إذا كان شخص ما يشاركك كيف يشعر فعلياً تجاهك أم إذا كان يوجد شيء آخر يحدث.

فيما يأتي بعض العلامات التي تشير إلى أنَّ شخصاً ما يقوم بالإسقاط عليك:

1. الدفاع:

إذا كان شخص ما غاضباً أو دفاعياً بطريقة لا تتناسب مع كيفية مشاركتك لاهتماماتك أو ملاحظاتك، فقد ينقل مخاوفه إليك.

2. عدم الاعتراف:

يواجه الشخص الذي يقوم بالإسقاط صعوبة في الاعتراف بمشاعره، أو يكون متجاهلاً، أو ينتقدك.

3. الاتهامات:

يطلق الأشخاص الذين يقومون بالإسقاط الاتهامات دون أن يكونوا قادرين على تقديم أي دليل واضح يدعم تصريحاتهم.

4. عدم تحمُّل المسؤولية:

قد يكون من الصعب على شخص ما أن يدرك متى يقوم بالإسقاط على الآخرين، ومن ثمَّ يكون بالنسبة إليه قبول المسؤولية عن هذا السلوك صعباً.

إقرأ أيضاً: 3 خطوات بسيطة لتحمل مسؤولية الوقت والحياة

التعامل مع الإسقاط:

ما يُسقَط عليك قد يعكس كيف يعتقد وكيف يشعر تجاه نفسه، فإذا شعرت أنَّ شخصاً ما يقوم بالإسقاط عليك، يمكنك محاولة القيام بما يأتي:

1. طرح أسئلة للوصول إلى جوهر المشكلة:

يمكنك قول شيء مثل: "أحاول فهم وجهة نظرك، فهل يمكنك أن تخبرني مزيداً عن أفكارك عن هذا؟".

2. الاعتراف بمشاعرهم ومشاركة رأيك:

كن واضحاً في التعبير عما تفهمه ورأيك في المسألة.

3. التعبير برفق عن عدم الاتفاق:

دعهم يعلمون برفق أنَّك غير متفق، واسألهم إذا كانوا مستعدين للتحدث بصدق.

4. تعليق المحادثة:

إذا أصبحت الأمور متوترة جداً، علِّق المحادثة، ويمكنك استئنافها لاحقاً عندما يكون كل منكما يشعر بتحسن وبقدرة أفضل على التعبير عن وجهات نظره.

كيف تؤثر الإسقاطات والأمان في علاقتنا؟

الأمان والتوقعات التي نحملها في داخلنا لها علاقة بأنظمتنا الدفاعية الخاصة التي بنيناها استناداً إلى التجارب المؤلمة التي تعرضنا لها، خاصةً في وقت مبكر من حياتنا؛ لذا عندما لا يكون رد فعل شريكنا منطقياً بالنسبة إلينا، فقد نسيء التفسير أو نسقط عليه، أو ربما تم تحفيزنا بسبب شيء أعمق، شيء قديم مكبوت بداخلنا.

لا أحد يقترح بأنَّنا يجب أن نفترض دائماً أنَّ أي رد فعل عاطفي لدينا أو لدى شريكنا يعتمد فقط على ماضينا، ولكنَّ بعض ذلك صحيح، وبسبب ذلك، في بعض الأحيان بدلاً من التفاعل والانقضاض على المشكلة الحالية، من الأفضل أن نعطيها قليلاً من الوقت والمساحة، فخذ نفساً ودع شريكك يفعل الشيء نفسه.

لدينا ميل إلى شخصنة كثير مما يحدث مع شخص قريب منا، فإذا جاء إلى المنزل من العمل يشعر بالتعب، فقد نعتقد أنَّه بارد أو غير مهتم، وإذا بدا منزعجاً، بسبب شيء خارجي جعله متوتراً، قد نعتقد بأنَّه غاضب منا أو غير مراعٍ.

الحقيقة هي أنَّنا عندما نتعرض لتحفيز من شيء، غالباً ما لا نكون جيدين في التعرف إليه، فلقد تمت برمجتنا لنشعر وكأنَّ جميع ردود فعلنا حقيقية وصحيحة ومعقولة، ولكنَّ عدداً من جروحنا القديمة يعاد فتحها في العلاقة، حتى وإن كانت الأمور تسير على ما يرام.

يجب الوعي بهذه السلوكات، كأن نقول لأنفسنا في حالة عدم استقرار مزاج شريكنا أو سلوكه معنا، إنَّ رد الفعل المضطرب هذا أو هذه المشاعر الشديدة ليست تجاهنا أو بسببنا، وقد يوجد شيء آخر يحدث معه.

كيفية الخروج من هذا التفكير:

عندما نحاول التعاطف مع شريكنا أو وضع أنفسنا في مكانه، يمكننا تعزيز مزيد من الرأفة في أنفسنا، فالاستجابة بطريقة أكثر رحمة وعدم الاندفاع قد يساعد على تحسين الوضع، فلن نكون قادرين على التحكم في كيفية رد فعل شريكنا، ولكنَّنا ننشئ بيئة تساعده على التفكير بشكل مستقل في الديناميات بيننا.

يمكنك إعلامه قائلاً: "أنا موجود إذا كنت ترغب في التحدث وسعيد بمنحك المساحة إذا كان ذلك ما تحتاجه الآن، لكن أعتقد أنَّه يوجد شيء آخر يحدث معك، ولدي فضول لمعرفة ماهيته".

إذا لم تعجبك الطريقة التي يتصرف بها تجاهك، يمكنك أن تكون مباشراً وتخبره: "لا يعجبني كيف تعاملني، وبدأت أشعر بالسوء؛ لذا سأغادر لفترة قصيرة/ سأتنزه/ سأجلس في الغرفة الأخرى"، فهذه الطريقة في التواصل تختلف عن الدخول في جدال، كما أنَّها ليست مجرد قبول سلوك غير محبب بشكل سلبي؛ بل تفتح باباً للشخص الآخر ليكون فضولياً بشأن عالمه الداخلي.

ربما سيتحدث إلينا عن ذلك، وربما لا، ومع ذلك، الوعي بهذا النوع يساعدنا على الشعور بارتكاس أقل، فإنَّها طريقة حقيقية وغير درامية لاتخاذ نهج أكثر لطفاً تجاه بعضنا بعضاً، وتجنب الوقوع في أنماط تدميرية؛ إذ ينتهي الأمر بنا بالتصرف بطرائق نندم عليها لاحقاً.

شاهد بالفديو: فوائد الرياضة على الصحة النفسية

كيفية التوقف عن الإسقاط على الآخرين:

إذا اكتشفت أنَّك قمت بالإسقاط، فاعلم أنَّ هذا شيء يمكنك التعامل معه وتحسينه، وفيما يأتي بعض الاستراتيجيات التي يمكنك استخدامها:

1. الانفتاح للنقد:

قد يكون استقبال النقد البنَّاء صعباً، فقد يعطيك شخص ما نقداً بشأن الإسقاط لأنَّه قلق بشأنك ويرغب في التحدث معك بشكل أفضل.

2. الاستجابة بدلاً من التفاعل:

خذ لحظة للاعتراف بعواطفك وفكر في كيفية مشاركتك لأفكارك أو مشاعرك دون اتهام الآخرين، وأعطِ نفسك الوقت لمعالجة أفكارك لتسمح بصياغة استجابة تعكس مشاعرك بعناية.

3. المباشرة والصدق:

كن واضحاً بشأن السلوك الذي يثير قلقك، وتحدَّث عنه وكيف جعلك تشعر دون أن تنتقد شخصاً آخر.

4. البحث عن الدعم:

إذا كنت تواجه صعوبة في التعرف إلى عواطفك وإدارتها، والتواصل بفاعلية، وتحمُّل المسؤولية عن أفعالك، فقد حان الوقت لطلب المساعدة، خاصةً إذا كان ذلك يؤثر في تقدير الذات والعلاقات، فالتحدث مع أحد أحبائك الموثوق بهم أو محترف الصحة النفسية قد يساعدك على الحصول على وجهة نظر سليمة وتعلُّم استراتيجيات التكيف المناسبة.

إقرأ أيضاً: 8 أمور أساسيّة تدل على الصحة النفسيّة الجيدة للإنسان

في الختام:

إنَّ التوقُّف عن الإسقاط النفسي على الآخرين يعزز فهم العلاقة بشكل أفضل، ويسهم في تحسين التفاعلات بين الناس، وبالاستماع بعمق والتفاعل بشكل صادق، يمكن تحقيق تواصل أفضل وتعزيز روابط الثقة والتقدير.

بتحفيز التغيير الذاتي والتواصل بشكل بنَّاء، يؤدِّي هذا الالتزام إلى علاقة أكثر صحة وتوازناً؛ إذ يعكس كل شخص تقديره الحقيقي للآخر دون أن ينقل عواطفه الداخلية غير المستقرة.




مقالات مرتبطة